الشروق العربي

منتجات طبيعية 100%.. ثقافة “البيو” تقتحم روتين الجزائريين

فاروق كداش
  • 1278
  • 0

يشهد العالم، في السنوات الأخيرة، ثورة كبيرة في عالم الجمال والغداء. وتتعالى، من هنا وهناك، مطالب عالمية للعودة إلى الطبيعة الأم.. إنه زحف البيو إلى العقليات قبل البيوت. والجزائر، في هذه القرية الصغيرة التي اسمها العالم الافتراضي، لم تسلم من هذه الفرينيزيا، التي نسميها “صديقة تحب لنا الخير”.. الشروق العربي، تسلط حبرها على هذه الثقافة الجديدة، وتسأل هل “الطبيعة” ممكنة وسط الإسمنت والأسفلت.

بدأت ثقافة البيو تترسخ في أذهان الجزائريين، خاصة لدى النساء، اللواتي أصبحن يبحثن عن كل ما هو طبيعي، سواء لجمالهن أم لطعامهن، بعد غزو طويل لكل ما هو كيميائي. ولم يعد الأمر يتعلق بالطبقة المخملية فقط، بل بمختلف طبقات المجتمع. فالمواد الطبيعية، قد تكون باهظة بعض الشيء، ولكنها ليست أغلى من صحتنا، خاصة أن الناس بدؤوا يدركون مخاطر المواد الكيميائية والمبيدات على صحة الجسم، ومساهمتها في رفع نسبة أمراض السرطان، ومشاكل القلب والشرايين والقائمة طويلة.. حتى الشيوخ والعجائز، قد أدركوا تلك الحقيقة قبلنا، منذ عشرات السنين، ونبهونا.. ولكن آذاننا وقرت.. وكم من جد أو جدة لا نفهم شغفهم بزراعة الطماطم والخيار، بدل الغاردينيا والياسمين في حدائقهم.

السيدة تماني، وهي من سكان القصبة المرحلين في موجات السكنات الاجتماعية، تخصص في شرفتها مشتلة صغيرة، تزرع فيها القصبر والمعدنونس، وبعض النباتات المعطرة، وتنصح: “على كل امرأة أن تفعل هذا، لتضمن أنها لا تضيف شيئا معدلا وراثيا في طنجرتها”.

ثقافة الزراعة بيو، ليست رائجة لسوء الحظ بين أوساط الفلاحين، الذين يطمحون إلى محاصيل كبيرة. وهذا، ما تمنحه لهم الأسمدة والكمياويات، التي يستعملونها، خاصة للقضاء على الحشرات وغيرها من المهددات لصحة حقولهم، رغم أن الزراعة الطبيعية كانت وبوعي كبير رائجة عند أجدادنا، الذين يدركون الفرق بين ما هو طبيعي وما هو غير ذلك.

ومن بين 8,5 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية، لا نجد إلا أقل من ألف هكتار، مخصصة للزراعة بيو، دون أسمدة كيميائية وعلاجات محفزة ومبيدات. أسباب عزوف المزارعين عن الزراعة الطبيعية عديدة، منها شح منتجها، وأيضا خضوعها للتقلبات المناخية.. فالمنتجات الطبيعية مكلفة، وثمنها عند العرض قد يكون باهظا، وليس في متناول الزوالي. بعض التجارب الناجحة للزراعة البيو موجودة في الجزائر، مثل زيت الزيتون “ذهبية”، التي حازت الميدالية الفضية في مسابقة زيت الزيتون، في اليابان، هذا العام. كما فازت بالجائزة الأولى في مسابقة دبي الدولية لزيت الزيتون البيولوجي، في فئة “الحصاد المبكر، البكر الممتاز”.

البيو في طريق وعر

في طريق جبلي معبق بالروائح الزكية، تستقبلك أشجار البرتقال والليمون وزهور التين، وكذلك الورد والياسمين… على بعد خطوات قليلة من البحر، الأزرق اللامتناهي، تعرض حديقة السيد حسين، المتقاعد من التعليم العالي، أجمل حلتها. هنا، عند سفح جبل شنوة، الواقع على بعد نحو 80 كيلومترًا غرب الجزائر العاصمة، تعطي التربة الخصبة الحمراء دون احتساب. مما لا شك فيه، هو عودة عادلة لأصل الأشياء. “لقد نشأت على مراقبة الطبيعة واحترامها”، يوضح السيد حسين. ويردف: “لقد رأيت والدتي دائمًا تعتني بأرضها. كان القدماء يحترمون الثقافات. إنه تراث عائلي أفتخر به “.

السيدة منال، وهي موظفة في بنك، تعنى عناية كبيرة بالمنتجات الطبيعية، خاصة في الخضر والفواكه، “أنا أقتني حاجياتي من مزارع المتيجة، التي يعرف زوجي أصحابها من المزارعين البسطاء، الذين يزرعون على طريقة الأجداد دون “لانڤري”.”

ونزولا عند هذا الطلب المتزايد على المنتجات الفلاحية الطبيعية، رأت بعض الجمعيات المهتمة بهذا النوع من الزراعة النور، مثل جمعية تربة، الواقع مقرها في الشراقة، التي تضم أكثر من 300 متطوع. هذه الجمعية، تدافع عن ثقافة الأكل الصحي، الذي يبدأ ليس بالعادات الاستهلاكية فقط، بل بالمنتج نفسه، الذي يجب أن يكون طبيعيا بلا تدخل خارجي وباستعمال الحبوب المحلية.

في الجزائر، يجب أن ندرك أننا أحيانا نضع في صحوننا منتجات قد تسافر آلاف الكيلومترات، آتية من فرنسا والبرازيل وكندا والصين وغيرها.. فلم لا نشجع مزارعينا على زراعتها في أرضنا العذراء، كي تنتج محصولا صحيا، يزيد مناعتنا وقوتنا.

الأخصائيون في مجال الكيمياء العضوية يفضلون أن تطلق تسمية منتج طبيعي، بدل منتج “بيو”. وهذا، لأن الإقرار بأن منتجا طبيعي مئة بالمئة لا نكتفي فيه بتحليل المنتج، بل بتحليل التربة والنباتات ثم الوصول إلى المنتج الجاهز للبيع.

الجمال بلا كيمياء

في جولة خفيفة إلى مركز تجاري بباب الزوار، استوقفني “ستاند” جميل بديكور موريسكي جميل، يذكرني بأسواق القصبة. البائعات هادئات، ويعرضن منتجاتهن الخاصة بالتجميل، ميزتها أنها طبيعية مئة بالمئة. وعلى مخدات من الرافيا أو التبن الطبيعي، تجلبك قطع الصابون التي تبدو وكأنها صقلت للتو من حجر طبيعي. وكذلك الزيوت الطبيعية، الخاصة بالتدليك، وحتى الشموع المعطرة، كلها طبيعية. والشموع بمختلف ألوانها وعطورها صقلت على أشكال بديعة، مثل الخامسة والطاجين والبابوش.. إحداهن تشير لي بأصبعها إلى كيس بدا لي ملحا ملونا، ولكنها توضح: “هذه أملاح البحر الميت، المفيدة للجسم، أثناء الاستحمام”.. عند السؤال عن الثمن، تفاجأت بأسعار مقبولة للغاية. وفي لحظة، بعد أن حسبت أنني الوحيد الذي يسأل، تكدست الحشود لتشتري، خاصة من فتيات ألفن التيك توك، ويتنفسن مع كل نفس لمؤثرة على إنستغرام.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، الكل يتنافس لتقديم منتجاته الطبيعية… صفحات على فايسبوك وإعلانات على إنستغرام وفيديوهات على يوتيوب.. الكل يفتخر بكون منتجاته لا كيمياء فيها.. أما المنتجات الأكثر طلبا، فهي الصابون وأملاح الحمام، والطين الأخضر، ومنتجات العناية بالبشرة. مواد التجميل بيو تعرف بشكلها الجميل وقنيناتها التي تكون عادة زجاجية، ويمكن إعادة تدويرها. فـ”البيو” أيضا صديق للبيئة. الأسعار هاهنا مغرية أيضا، تتراوح ما بين 300 دينار إلى 3000 دينار أو أكثر، بحسب المكونات، مثل العسل واللافندر والزيوت العطرية والأرغان.. فلكل مكون في البيو مكانته وثمنه.

مقالات ذات صلة