منظومتنا التعليمية وخطر نشر الوعي المتكيّف
مما لاشك فيه أن دور المنظومة التربوية التعليمية هو تكوين العقول التي تفكّر بحرّية وبروح نقدية، وبدون تحقّق هذا الهدف فإن الأجيال ستبقى أسيرة للتقليد النمطي، وإعادة إنتاج الأفكار التي تعبّأ بها رؤوس هذه الأجيال والمواقف التي تُرسم لها.
من البديهي القول إن تغيير الثقافة، والبنية الذهنية، والوعي، يبدأ أولاً في المؤسسة التعليمية ثم يأخذ طريقه إلى المحيط الاجتماعي وإلى أجهزة الدولة.
في هذا السياق، ينبغي التمييز بين نمطين متناقضين من الوعي الذي تبنيهما المؤسسة التعليمية وهما إما الوعي المتكيف، أو الوعي المتعدي. وهنا نطرح هذا السؤال: أي من هذين النمطين من الوعي ينبغي أن يغرسه التعليم ببلدنا الجزائر في نفوس الأميين والطلاب والطالبات بمختلف فئات أعمارهم؟ إن الإجابة على هذا السؤال متضمنة في تقديري في تقديم بعض معالم تجربة تعليمية أمريكية لاتينية متميزة أنجزت رهان بناء الوعي المتعدي وتخلصت من آفة الوعي المتكيّف، وآمل أن تستفيد منها منظومتنا التعليمية الوطنية.
لقد تفاعلتُ مع الجانب الفكري النظري لهذه التجربة الرائدة، في السنوات الممتدة من الثمانينيات من القرن الماضي إلى الآن، وهي تجربة المفكر والمربي البرازيلي المعروف باولو فريري الذي تمكن من إنجاز برنامج محو الأمية في فضاء المجتمع البرازيلي وفقا لاستراتيجية بناء الوعي النقدي على أنقاض الوعي المتكيَّف في الأرياف بشكل خاص؛ حيث يوجد الأميون بأعداد كبيرة جدا. وبالفعل، فإن هذه التجربة قد تحولت إلى نموذج في كثير من مجتمعات أمريكا اللاتينية.
إن الفضل في لفت انتباهي إلى كتابات هذا المفكر البارز يعود إلى صديق إيراني كان ينجز في ذلك الوقت رسالة الدكتوراه بجامعة “كنت” البريطانية حول كتاب باولو فريري الذي يحمل عنوان “تربية المضطهدين”، وهكذا قمت بتعميق صلتي بكتب باولو فريري الأخرى ومنها “بيداغوجيا الحرية” و”بيداغوجيا القلب” و”بيداغوجيا الأمل”، و”بيداغوجيا السخط من أجل الكرامة”، و”المعلمون كحمّالي الثقافة الذين يجرؤون على ممارسة التعليم” و”التعليم من أجل الوعي الناقد”.
يرى باولو فريري أن التحرير ينبغي أن ينطلق، على نحو استراتيجي، من محو الأمية بكل أنماطها وتمظهراتها في المجتمع البرازيلي، لقد سعدتُ كثيرا أن بعض أعمال هذا المفكر المربي قد تُرجمت إلى اللغة العربية من قبل توفيق عوض، والدكتور أحمد عطية والدكتور حامد عمّار وهم جميعا من مصر.
لقد كتب “فريري” كتابا آخر يحمل عنوان “الفعل الثقافي من أجل الحرية” وهو مهم جدا، حيث يقدّم فيه استراتيجية فكرية للتحرير النفسي، والذهني، والفكري الذي يؤدي مباشرة إلى التحرير الثقافي الذي يُعتبر أكبر وأخطر مهمّة ينبغي القيامُ بها لإنجاز الشخصية القاعدية الديمقراطية للمجتمع برمته، وكما نرى، فإن في أمريكا اللاتينية، والبرازيل جزء أساسيا منها، مساهماتٍ رائدة في مجال محو الأمية، وهي تهدف إلى إحداث التحولات الجذرية في البنى الذهنية والنفسية، وفي المفاهيم والأفكار المغرقة في التقليدية، والخضوع، وتلك المرتبطة بمشاريع الاستعمار الكلاسيكي والجديد معا.
ولابد من ذكر مساهمة مفكر أمريكي لاتيني آخر، وهو اندريه غاندر فرانك، والمتمثلة في نظريته المعروفة باسم “نظرية التبعية” التي تعدّ من النظريات الفكرية الناجعة لمقاومة التخلف الذاتي، ولأنماط السيطرة الرأسمالية الغربية في العالم الثالث، إن نظرية غاندر فرانك ونظرية فريري، وكذلك نظرية مفكر آخر وهو عمانويل ولرشتاين المعروفة باسم “نظرية الأنظمة العالمية” تشكل في مجموعها أسلحة فكرية، تضاف إلى نظرية “فك الارتباط” للدكتور سمير أمين، لتكوين الإنسان الجديد الذي تقع على عاتقه مهمّة إخراج مجتمعات العالم الثالث من الهامش، والتبعية، ومن التخلف الذاتي، ومن ثم الانطلاق في تحرير قِواها الإبداعية بغية بناء وتأسيس النهضة في عمق وعي المواطنين، وفي الحياة الاجتماعية والسياسية، وعلى مستوى البنى المادية والرمزية معا.
ومن هنا، آن الأوانُ ليبدأ مثقفونا في الجزائر في استيعاب التجارب التعليمية المحورية في أمريكا اللاتينية ومنها التجربة الفكرية والتربوية الخصبة للمفكر باولو فريري، والتي تتأسس على عنصرين أساسيين وهما فهم استراتيجية محو الأمية فهما جديدا، وبعيدا عن تلك الممارسات التقليدية التي تُلخّص كمجرد تعليم الكبار من الأميين القراءة والكتابة، إن هذا النمط من التعليم التقليدي ليس إلا جزءا بسيطا من استراتيجية قهر الجهل.
بالنسبة لــــــ”باولو فريري”، فإن محو الأمية ينبغي أن يبدأ وبقوة من محو الوعي الذي يُنتج القيم الرجعية والمتخلفة، إن هذا الوعي الزائف يضرب بأطنابه في النسيج الكلي للمجتمع وخاصة في التجمعات الريفية، والفلاحية التقليدية والمهمّشة، ونظراً لذلك، فإن فريري يقترح النظرية التربوية والتعليمية التي تقلع جذور الذهنية المتخلفة.
إن التعليم الذي يقترحه باولو فريري، هو التعليم الذي يبني الشخص “الفاعل الايجابي” وليس الشخص “المتكيّف” الذي سُلبت منه فاعلية مقاومة التخلف، والهيمنة، وكل ما يعوق خطواتنا نحو الحرية
وبناء على ذلك، فإنه ينبغي أن تكون النصوص التي تعلم للكبار، وللفئات الأمية، متضمنة للمفاهيم الجديدة، وللقيم التقدمية التي تتأسس على خيارات الحرية والديمقراطية، وعلى التوجيهات النقدية لكل ما يحشر العقل في أقفاص الشعوذة، والاغتراب الفردي والجماعي، ويحوّله إلى أدوات للإذعان، وقبول للأجهزة الإيديولوجية السلطوية المتسلِّطة، ولطقوس إعادة إنتاج الأفكار والسلوكيات التي تروِّج لها، وتصفِّح بها هذه الأجهزة الأفراد بأشكال غير مباشرة في أغلب الأحيان، أي بواسطة ما يُسمى بتكتيك تشغيل الهيمنة الناعمة لفرض الذهنية المتكيّفة مع الواقع المفروض، والتي يريد أصحابها ومحركوها من وراء الستار أن تسود في المجتمع.
وفي هذا السياق يقسم باولو فريري الوعي إلى صنفين، ويُسمى الأول الوعي الساذج أو المتكيّف، ويسمى الثاني الوعي المتعدي أو النقدي؛ وفي تقديره فإنه ينبغي أن تركز العملية التربوية، في مجال محو الأمية وعلى مستوى المنظومة التعليمية بكاملها، على تربية الوعي المتعدِّي الذي يتجاوز الفكر التبسيطي، والانغراس في الماضي وتقديسه، والانفعال، والانغلاق، والميل إلى التجمهر الفولكلوري.
إن التعليم الذي يقترحه باولو فريري، من أجل محو الأمية يتمثل، حسب تعبير دنيس جوليت، في تلك العمليات التي تنمِّي روح “مواجهة إشكاليات الواقع في عالم الطبيعة والتاريخ والثقافة”، إنه التعليم الذي يبني الشخص “الفاعل الايجابي” وليس الشخص “المتكيّف” الذي سُلبت منه فاعلية مقاومة التخلف، والهيمنة، وكل ما يعوق خطواتنا نحو الحرية.