منعة بباتنة.. تاريخ مثير لقلعة ساحرة في حاجة إلى اهتمام
تعد منعة بباتنة، من المناطق التي تجمع بين جمالها الطبيعي وموروثها المتنوع، ما جعلها مقصد السياح من مختلف ولايات الوطن، خاصة بعد الحركية التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة، تزامنا مع إقامة احتفالية سنوية تسمى عيد الربيع “هافسوث”. وقد أتيحت لنا مؤخرا فرصة زيارتها في إطار رحلة نظمتها جمعية المراسلين الصحفيين لولاية باتنة بالتنسيق مع مديرية السياحة، فكانت المناسبة مواتية للوقوف على شموخ جبالها وقلعتها ورصد جوانب مهمة من تاريخها الثقافي والإصلاحي والتراثي العميق.
الزائر لمدينة منعة الواقعة على بعد 85 كيلومترا عن عاصمة الولاية باتنة يقف على مناظرها الساحرة وماضيها التاريخي العميق، فهي تتصف بحقول زاهية تزينها فاكهة المشمش عالية الجودة من نوع “الروزي”، حيث يعود الفضل في جلبها حسب بعض سكان المنطقة لـ “روبي بوى” منتصف القرن الماضي، مثلما تتصف منعة بجبال “تسريفت” التي يقال إن فيها 99 منبعا يجري في الوادي الذي ينطلق منها ويعبر حقول المنطقة، فيما تضم الدشرة أكثر من 300 منزل، نصفها لا يزال يقطنه سكان المنطقة رغم طابعها التقليدي المشكل عادة من طابقين.
وإذا كانت منعة بقلاعها وحصنها الطبيعي قد آوت أحد رواد المقاومة الشعبية أحمد باي الذي فرّ إليها مع عائلته سنة 1839، بعد سقوط قسنطينة في أيدي الفرنسيين، فإنها احتضنت الكاتبة الفرنسية آنا كريكي التي ولدت في منعة شهر مارس 1941 وتشبعت بتقاليد المنطقة، وكانت مناضلة منحازة للثورة، ما كلفها السجن مدة عامين، وبعد الاستقلال عملت أستاذة في الجزائر العاصمة حتى توفيت يوم 6 جانفي 1966.
من جانب آخر، فإن منعة تتوفر على قلاع ومواقع أخرى مهمة، مثل زاوية بن عباس التي تأسست عام 1660م، وهي من أوائل الزوايا القادرية وطنيا، وتضم مسجدا بني على أنقاض آثار رومانية، غير بعيد عن ضريحين لولدين من أبناء أحمد باي الذي فر إلى سنة 1839، بعد سقوط قسنطينة في أيدي الفرنسيين. ويحسب على منعة أنها لمت شمل أعراش الأوراس في قلعة واحدة ولسنوات طويلة، مثل أولاد عبدي وأولاد داود وبني بوسليمان وبني فرح وأولاد سعادة وغيرهم.
تاريخ عريق وطابع عمراني خاص
يؤكد الدكتور جمال مسرحي من قسم التاريخ بجامعة باتنة1 في حديثه للشروق بأن مدينة منعة تقع على إحدى ضفاف وادي عبدي وتتميز بجمالها الساحر، لكونها إحدى القلاع السياحية، بما تتميز به من طابع عمراني خاص يشكل إحدى السمات الثقافية للعمران البربري الشاوي في الأوراس، وقال محدثنا في هذا الجانب “ربما ذلك الطابع الذي اقتضته ضرورات أمنية دفاعية ثم اقتصادية، حيث فضل الإنسان استغلال الجبال وترك الأراضي السهلية لممارسة الزراعية، سواء زراعة الحبوب أو الأشجار المثمرة وبعض الخضروات على ضفاف وادي عبدي”.
أما ما يتعلق بالجانب التاريخي للمدينة فيشير الدكتور جمال مسرحي أن الرومان كانوا قد أحاطوا الكتلة الأوراسية بحزام أمني شمالا وجنوبا أطلق عليه اسم خط “الليمس” مزود بخنادق وأبراج مراقبة وطرق تخترق الكتلة الأوراسية من الشمال إلى الجنوب، وهذا انطلاقا من مقر قيادة معسكر الفيلق الثالث الأغسطي بلامبازيس الذي تم إنشاؤه سنة 82 للميلاد، ثم إنشاء المدينة العسكرية لقدماء المحاربين سنة 100 ميلادي على بعد حوالي 20 كيلومتر شرقي لامبازيس وهي ثاموقادي (تيمقاد). وقد عمد الرومان حسب محدثنا إلى إنشاء الطرق على طول الوديان التي تخترق الأوراس.
وفي هذا السياق، يأتي إنشاء الطريق الرومانية على وادي الأبيض من قبل الفرقة المسعادة السورية السادسة فيراتا سنة 145م، ويربط بين لامبازيس وتابوديوس (تهودة)، مؤكدا في ذات السياق أنه تم إنشاء طريق على وادي عبدي تنطلق من منابعة في وادي الطاقة وتنحدر مع الوادي وصولا إلى فيسرا (بسكرة)، في الوقت الذي يمر على العديد من المدن التي أنشأت كمراكز متقدمة لمراقبة تحركات الأهالي ضد القوافل الرومانية، وحسب الدكتور جمال مسرحي “نجد من ضمن هذه المراكز مدينة منعة التي يعتقد الباحث بيار موريزو في كتابه الذي خصصه لآثار الأوراس أن اسم مدينة منعة في الفترة الرومانية هو تفيلزي Tfilzi انطلاقا من قراءته لنقيشة لاتينية عثر عليها في المنطقة، ولم يحدد معنى اسم تفيلزي، وإن كنا نرجح أن يكون محليا أي نوميديا بالنظر إلى تركيبته البعيدة عن اللاتينية”.
احتفالات الربيع مناسبة لاكتشاف خبايا القلاع والمداشر
ويحرص سكان منعة بباتنة على تكريس تقاليد الاحتفال السنوي بعيد الربيع، يحدث ذلك وسط حضور غفير من مختلف مناطق الأوراس الكبير وبقية ولايات الوطن، من خلال تنظيم عديد الأنشطة الثقافية والفكرية والفلكورية، وأمسيات شعرية ومحاضرات فكرية ومسرحيات للكبار والصغار في أفضية مغلقة وأخرى مفتوحة، وهذا موازاة مع زيارة الحضور لمختلف القلاع التي تتميز بها مدينة منعة، قبل أن يتم تحويل الوجهة نحو الساحة الكبرى للموقع الطبيعي “تاسريفث”، وهو المكان الذي يعرف أنشطة واستعراضات مختلفة، وفي مقدمة ذلك لعبة “هاكورث” المعروفة بمنطقة الأوراس على مر السنين، وسط حضور مكثف لمختلف فئات المجتمع، لتختتم التظاهرة بتحضير وجبة تقليدية على شرف الزوار، يتقدمها طبق الشخشوخة والرفيس.
وإذا كان الكثير يشيد بمثل هذه المبادرات التي لها ارتباط بالتاريخ العريق لسكان الأوراس، ناهيك عن استقطاب الزوار من مختلف الولايات، إلا أنه في المقابل يطالب ناشطون جمعويون بتوسيع مثل هذه المبادرات للتعريف بالموروث التاريخي للمنطقة، داعين الجهات الفاعلة إلى مد العون بغية تكريس الاستمرارية لمثل هذه التقاليد، مع التعجيل بترميم القلاع التي تأثرت في السنوات الأخيرة بسبب الظروف المناخية.
والكلام نفسه ينطبق على بقية المواقع التاريخية والأثرية التي تعرف بها الدشرة القديمة بمنعة التي يزيد عمرها عن أكثر من 10 قرون، حيث لا تزال تنتظر التصنيف كموقع ثقافي، وهذا منذ تصنيفها كموقع طبيعي سنة 1928، في الوقت الذي ألف المجاهد السبتي بودوح عنها كتابا بعنوان “منعة جوهرة الأوراس.. تاريخها في القديم والحديث”، علما أن قلعة منعة بها مداخل رئيسية، ومعروفة بأزقته الضيقة والملتوية التي تزيدها جمالا، في ظل حفاظها على البعد التقليدي لمساكنها الترابية التي بنيت على طابقين، وتطل على الوادي ومختلف البساتين المحيطة بها، ما يجعلها محل اهتمام الزوار بغية اكتشاف خباياها من الداخل، في الوقت الذي يأمل سكان المنطقة أن تتحرك الجهات الوصية بمزيد من الدعم والعناية حفاظا على هذه المكاسب التي العمق التاريخي والأثري للمنطقة على مر السنين.