الرأي

من أجل مستقبل الجمهورية.. رؤية 2062 (1)

سيف الدين قداش
  • 1744
  • 0

لا يمكن لأي بلد يطمح إلى بناء مجد جديد أن يغفل عن التفكير الحاسم في مستقبله، وعن العمل على وضع الأسس الصلبة لنهضته وتقدمه في عالم تتسارع فيه التحولات وتُعاد فيه صياغة الموازين، وسط نجاح متنام لدول الجنوب التي كانت حتى الأمس القريب تُصنَّف ضمن قائمة الدول المتخلفة الساعية إلى النمو والتحرر من التبعية، فإذا بها تقدِّم لنا اليوم نماذج ملهمة في التطور والارتقاء.

رمزية التحرير وضرورات النهضة
يمثل تاريخنا الوطني، بكل ما يحمله من ثقل وعبق، مصدر إلهام وحصنا لتحقيق أهداف لا تقل شأنا عن استرجاع السيادة الوطنية عام 1962، فالحديث عن مستقبل الجمهورية هو في جوهره حديث عن مستقبل الشعب بأسره؛ شعب مطالَب اليوم بأن ينهض ببلاده التي يعيش فيها وسيورِّثها لأبنائه وأحفاده. وبعد مرور ثلاثة وستين عاما على الاستقلال، يقع على عاتق الشعب الجزائري وحده مهمة صياغة مشروع نهضوي بأهداف مرحلية تتجاوز حدود العهدات الرئاسية ومتطلبات التسيير اليومي للدولة، لتمتد إلى بناء مجتمع متماسك حضاريا تحكمه رؤية قوية قادرة على تفكيك أمراض الحاضر وتحصينه من تحديات المستقبل.
وهذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إطار وطني شامل للتجديد، وبرنامج تحديث اقتصادي مستدام، ورؤية عميقة لإعادة هيكلة منظومة الرعاية الاجتماعية بما يتلاءم مع التحوُّلات الراهنة، مع تركيز أوحد يتمثل في بناء القوة في عالم لا يعترف إلا بمنطق القدرة السيادية. وأعظم قوة ينبغي ترسيخها هي قوة الاقتصاد، وقبلها وبعدها قوة العلم والتكنولوجيا باعتبارهما عماد النهضة الحديثة وجسر العبور إلى المستقبل.

الاستقلال المجيد لم يكن خط النهاية بل بداية لمسار جديد. ونحن اليوم مطالبون بالتعامل مع واجبات الاستقلال بحزم لا يقل شأنا عن تحديات الثورة وتضحياتها، عبر بذل الغالي والنفيس لتحقيق استقلال ثان في الاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم، وتعميق تماسك الشعب من خلال مواطنته الفاعلة في مختلف المجالات الإستراتيجية التي تفرضها تحولات القرن الواحد والعشرين المتسارعة.

لهذا، فإن بلورة مشروع وطني جامع يهدف إلى دخول مسار النهضة في مئوية الجزائر الأولى هو أمرٌ جوهري، ونحن على أعتاب سبعة وثلاثين عاما عن ذلك الموعد التاريخي. ولن يتحقق الهدف إلا عبر ثورة جديدة، لا في الشوارع والمدن بلا بوصلة أو قيادات كما وصفها الدبلوماسي البريطاني كارن روس في كتابه “الثورة بلا قيادات”، بل في الصندوق أولا، باختيار نخب حقيقية قادرة على صياغة وتنفيذ سياسات تُحوّل الجامعات والمصانع والمزارع، وفي كل فضاء يرتفع فيه شأن الجزائر وشعبها من أجل أن تصبح قوة ضاربة فعلية.
والاستقلال المجيد لم يكن خط النهاية بل بداية لمسار جديد. ونحن اليوم مطالبون بالتعامل مع واجبات الاستقلال بحزم لا يقل شأنا عن تحديات الثورة وتضحياتها، عبر بذل الغالي والنفيس لتحقيق استقلال ثان في الاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم، وتعميق تماسك الشعب من خلال مواطنته الفاعلة في مختلف المجالات الاستراتيجية التي تفرضها تحولات القرن الواحد والعشرين المتسارعة.

من الاستقلال السيادي إلى الاستقلال النهضوي
لقد استرجعت البلاد استقلالها السيادي منذ ما يزيد على ستة عقود، غير أنّ هذا الاستقلال ظلّ مرتبكا ومثقلا بالأزمات والتحديات، رغم جهود الدولة الوطنية في تحقيق التنمية ومحاولات النهوض الحقيقي، خاصة في عهد الرئيس هواري بومدين الذي أرسى فعليا أسس بناء اقتصاد وطني جزائري، غير أنّ هذا المشروع ظلّ محكوما بـالنهج الاشتراكي ذي الطابع الاجتماعي، وهو ما تشير بعض الروايات إلى أنّ بومدين كان يعتزم تصحيحه قبل وفاته، لكن الموت عاجله.
لقد انطلقت مشاريعه بقوة منذ عام 1972 عقب تأميم المحروقات في 24 فبراير 1971، إذ كانت البلاد قبل ذلك تسير بميزانية تسيير محدودة، مع هامش ضيق لميزانية التجهيز “الاستثمار” بسبب ضعف الموارد المالية واستمرار قبضة المستعمر الفرنسي على الثروات الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط والغاز. لكن سرعان ما صُفّي مشروعه ونهجه بعد وفاته، لصالح ما عُرف بـ”اقتصاد البازار”، لتجد البلاد نفسها مثقلة بالديون، بعد لجوئها إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، مع نهب ملايير الدولارات وفق ما صرّح به رئيس الوزراء الأسبق عبد الحميد الإبراهيمي خلال عهد الرئيس الشاذلي بن جديد.
وإلى جانب ذلك، أُقرّت إصلاحات سياسية متسرعة وغير محسوبة، أفضت إلى إنهاك الدولة واستنزاف طاقاتها، كما ورّطت الجيش الوطني الشعبي في مواجهة داخلية قاسية، نتيجة فشل النخب السياسية آنذاك في تصميم تجربة سياسية متوازنة تحمي البلاد من المنعرجات ومخاطر الانزلاق. وقد فتح ذلك الطريق أمام صعود تيارات ديماغوجية لا صلة لها بـالإسلام الحضاري أو العقلاني، إذ جرى الزج بــالإسلام النقي في أزمة دموية كادت أن تعصف بـوحدة الشعب والبلاد.

مسألة مراجعة النموذج المجتمعي وتجنيد القوى الوطنية خلف مشروع نهضوي مستدام وواضح هي الغاية القصوى التي يقع على عاتقنا التوصل إليها في المرحلة المقبلة؛ فالاستقالة والعدمية التي تمارسها النخب والقوى الحية ليست فقط تراجعا أو تهرّبا من الواجب الوطني، بل انتكاسة خطيرة أمام أرواح ملايين الشهداء، بعدما خاضوا ثورات متعاقبة طيلة 125 سنة، قبل أن تتوج كل تلك البطولات بـثورة التحرير المجيدة، بملاحمها الاستثنائية.

وظلت الحكومات المتعاقبة تجتهد في وضع سياسات مختلفة لتسيير المصالح العمومية، إذ انصبّ تركيزها المطلق على السياسات الاجتماعية المستندة إلى مبدأ الرعاية الاجتماعية التي استنزفت الموارد، عوضا عن تحقيق العدالة الاجتماعية التي تحفِّز المواطن على الإنتاج والانخراط الفعال في الدورة الاقتصادية، خاصة في القطاعات الإنتاجية والاستراتيجية. غير أن جوهر القضية لا يكمن هنا، بل في الأساس في صياغة مشروع نهضوي يغير قواعد السلوك الاقتصادي للمجتمع، من القطاعات العمومية إلى الخاصة، فضلا عن تحويل القطاعات العمومية إلى العمل بمنطق القطاع الخاص، كما فعلت الصين التي لم ترض بمنطق الدولة النحيلة، خاصة في القطاعات الاستراتيجية التي لا يستثمر فيها القطاع الخاص، وجعلت قطاعها العمومي يشتبك مع الأسواق بمنطق رأسمالي بحت ووفق منطق السوق، ما جعلها تتطور بشكل استثنائي فاق كل التصورات، وهنا أنصح بشدة بمطالعة كتاب الكاتب الأمريكي المتخصص في الدراسات جنوب آسيا دانييل بيل “نموذج الصين .. الجدارة السياسية وحدود الديموقراطية” الذي يشرح عبثية وشعبوية النموذج الديموقراطي في حد ذاته، وضرورة هيمنة نموذج الجدارة السياسية على إدارة القدرات والمصالح الاستراتيجية، وهو ما تجسد عمليا في كل من الصين وسنغافورة.
لذا، فإنّ مسألة مراجعة النموذج المجتمعي وتجنيد القوى الوطنية خلف مشروع نهضوي مستدام وواضح هي الغاية القصوى التي يقع على عاتقنا التوصل إليها في المرحلة المقبلة؛ فالاستقالة والعدمية التي تمارسها النخب والقوى الحية ليست فقط تراجعا أو تهرّبا من الواجب الوطني، بل انتكاسة خطيرة أمام أرواح ملايين الشهداء الذين نعرف أو لا نعرف أسماءهم، بعدما خاضوا ثورات متعاقبة طيلة 125 سنة، قبل أن تتوج كل تلك البطولات بـثورة التحرير المجيدة، بملاحمها الاستثنائية التي تفوق الوصف.

وقد استقر في أذهان حتى بعض رواد الحركة الوطنية آنذاك أن الاستعمار قدرٌ لا يُردّ، وأن قوة فرنسا لا تُقهر، لكن فتية عظماء آمنوا بربهم وجبروته، قدّموا الأسباب وجاهدوا جهادا كبيرا ومريرا تحضيرا وتدبيرا، ثم ألقوا بالثورة إلى الشعب فاحتضنها وفجَّرها حتى نال الاستقلال المجيد.
وإذا كان لكل زمن ظروفه وتحدياته، فإننا اليوم نواجه تحديا واحدا وعدوا واحدا وهو التخلف والتراجع، وعدم النجاح في تحويل الاستقلال المجيد إلى نهضة حقيقية. والأخطر من ذلك أن تؤول الأوضاع إلى التمهيد لانهيار الاستقلال ذاته لا قدر الله، لأننا إذا لم نتقدم سنتراجع. ولهذا يقع علينا واجب تفكيك وضعية البلاد الأساسية في الاقتصاد والاقتصاد أساسا بشكل صادق وفعال، وتحمل المسؤولية تخطيطا وتنفيذالمشروع وطني جامع وقوي، يقود الجزائر شعبا ودولة إلى النموذج المنشود، ذلك النموذج الذي سيتابعنا فيه أجدادنا من علياء سمائهم، ونحن نخط لنا مكانا مكينا وموقعا قويا بين الأمم.

رؤية 2062
إنّ فكرة الرؤية في مقاربتنا ليست مجرد خطة تنموية محدودة أو مقاربة اقتصادية بحتة، بل هي مشروعٌ حضاري طويل المدى يستلهم روح نوفمبر وقيم الاستقلال ويحدِّد أخطاء الاستقلال الجوهرية لتقويمها، ويهدف أساسا إلى تحويل أمجاد التحرر واستحقاقاته إلى مشروع بناء شامل، وذلك انطلاقا من قناعة راسخة بأنّ التحديات الكبرى التي تواجه الجزائر لا يمكن معالجتها عبر خطوات جزئية أو ترقيعات سطحية، وإنما من خلال ثلاث ثورات متكاملة تشكّل معا الأساس الصلب لرؤية 2062.
1 – ثورة اجتماعية: تهدف إلى إعادة لحمة المجتمع وقوة اتحاده وتماسكه، وتأسيس مواطنة فعلية تقوم على وعي راسخ بأنّ المجتمع الجزائري واحد منذ قرون، وأنّ وحدته المجتمعية ينبغي أن تتجاوز الاختلافات المحلية والجهوية، الثقافية والفكرية، نحو انتماء وطني جامع لا إقصائي. هذه الثورة تستدعي الانتقال من مجتمع الولاءات الضيقة (جهوية، عروشية، زبونية) إلى مجتمع الولاء للدولة- الشعب الواحد، وهي تبدأ حين يتغيّر وعي الناس من منطق التبعية للدولة إلى منطق المواطنة الفاعلة، ومن عقلية الريع والاتكالية إلى عقلية المبادرة والإنتاج.

يُعدّ التعليم العلمي والتكنولوجي الساحة الأولى والحاسمة لأي ثورة اجتماعية أو اقتصادية، فهو البوابة التي تُعدِّل وعي الأجيال وتُعيد تشكيل العقليات، فالتعليم القائم على التلقين وإعادة إنتاج المعلومات يكرّس الجمود ويعيد إنتاج نفس الأزمات، بينما التعليم الذي يرسّخ قيم التفكير النقدي، وينمّي روح الإبداع، ويزوّد المتعلم بـالمهارات العملية، يفتح الطريق أمام مجتمع قادر على التطور الذاتي والتحرّر من التبعية.

وتقوم على تعزيز قيم التضامن، احترام القانون، قيمة العمل، والمسؤولية الفردية والجماعية، مع تحرير المجتمع المدني المعلَّب ليتحوّل إلى مجتمع مدني حقيقي، ديناميكي، وحرّ، يخرج من منطق “الدولة تفعل كل شيء” إلى منطق “نحن ننظم أنفسنا ونخدم مجتمعنا”.
2- ثورة علمية- تكنولوجية: تنقل الجزائر إلى مصاف الدول الرائدة في التعليم والبحث العلمي والابتكار، وبناء كتلة حرجة “نخبة علمية” بـ 5000 آلاف عالم أو خبير في المجالات الاستراتيجية والحيوية لأنه لا يمكن تحقيق تحول زراعي أو صناعي أو تكنولوجي دون شرطين أساسيين جوهريين وهما قدرات علمية عالية، وسياسة تنفيذية فعالة وقادرة على تحويل القدرات والأهداف إلى نتائج متنامية وتنافسية.
ويُعدّ التعليم العلمي والتكنولوجي الساحة الأولى والحاسمة لأي ثورة اجتماعية أو اقتصادية، فهو البوابة التي تُعدِّل وعي الأجيال وتُعيد تشكيل العقليات، فالتعليم القائم على التلقين وإعادة إنتاج المعلومات يكرّس الجمود ويعيد إنتاج نفس الأزمات، بينما التعليم الذي يرسّخ قيم التفكير النقدي، وينمّي روح الإبداع، ويزوّد المتعلم بـالمهارات العملية، يفتح الطريق أمام مجتمع قادر على التطور الذاتي والتحرّر من التبعية.
وجوهر هذا التحول هو وضع استراتيجية فعالة تعتبر التكنولوجيا والمعرفة موارد استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط والغاز، وهو ما يفرض الاستثمار في العقول والكفاءات داخل الوطن وخارجه (الدياسبورا) واستقطابها لصناعة اقتصاد وطني تنافسي، مع فتح ورشات لتقييم وتقويم التعليم الأدنى والعالي والبحث العلمي بحيث يخضع لدراسات مونوغرافية، مع وضع إجراءات وتنصيب سلطات مستقلة وصارمة لتفتيش وتقييم جودة المناهج ومستوى التكوين وعلاقة التعليم بـحاجات الاقتصاد والمجتمع، وتتناسب مع الطلب على العمل مع التركيز على الجودة وليس الكم.
وعلاوة عن ذلك ينبغي التركيز على إنتاج أكبر قدر ممكن من المهنيين وأصحاب الحرف المتكونين بشكل صارم، لأن قيمة الفرد في المهارات التي يحسنها وليس في المعارف التي يحفظها، لهذا يُعدُّ الاستثمار الجاد في تطوير رأس المال البشري عبر التعليم المهني والتقني والبحث العلمي، الأساس الذي يجعل العامل الجزائري مؤهَّلا لقيادة الصناعات الحديثة بدل الاكتفاء بـدور المستهلِك أو المساهم الهامشي في دورة الإنتاج.
3 – ثورة اقتصادية: تقوم على مراجعة شاملة لبنية الاقتصاد الوطني وإعادة تحديد مراكز قوّته وضعفه، مع صياغة خطة اقتصادية استراتيجية إلى غاية سنة 2062، تُنتج بتعاون بين أفضل الخبراء الوطنيين والدوليين الموثوقين، وتُطرح للنقاش العمومي عبر مؤسسات الدولة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين لتقييم مسألة تنفيذها على الأرض، مع تطبيق الاستراتيجية الصينية التي أثبتت فاعليتها “التجريب ثم التعميم” التي تميَّز بها الزعيم الصيني دنج شياو بينج في سياسته “الإصلاح والانفتاح”، وترتكز هذه الخطة على بناء اقتصاد إنتاجي قوي ومستقل يقوم على التصنيع، والابتكار، والتحول الطاقوي، وتعزيز الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

الفجوة التكنولوجية لا يمكن ردمها إلا بقفزة علمية؛ فلا صناعة ولا فلاحة الا بقدرات علمية متقدمة، كما أن العدالة الاجتماعية لا تُرسَّخ إلا بتحويل الرعاية إلى تحفيز إنتاجي، في حين أن تجديد العقد الاجتماعي ومكافحة الفساد بآليات مستجدة وفاعلة، يستوجبان ثورة مجتمعية ومؤسسية عميقة، تكون حريصة على بناء اقتصاد نزيه يحمي مصلحة الشعب والدولة عوضا عن الربح والانتهازية الفردية.

ويكون جوهر هذه الثورة هو التحرُّر الفعلي من التبعية لريع المحروقات والموارد الطبيعية وبناء قاعدة صناعية متينة تجعل الصناعة القطاع الاستراتيجي الأول الذي ينبغي أن نبرع فيه، لما له من دور محوري في التشغيل الكثيف وتوفير سلع الاستهلاك المحلي وأدوات الإنتاج الفلاحي ووسائل النقل الخفيفة والثقيلة، وتصدير فائض الإنتاج كصادرات، وتحويل الموارد والمحروقات الجزائرية الى سلع عالية القيمة وغيره.. لخلق القيمة المضافة، وتوليد الثروة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز السيادة الوطنية.
ولكي تتجذر هذه الثورة الاقتصادية، لا بد من إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق على أساس الشراكة الفاعلة، إذ تضطلع الدولة بدور المخطط والموجِّه وصانع التوازنات الكبرى، مع الحفاظ على أصولها وعدم التخلي عنها وتسييرها بمنطق القطاع الخاص مع الاستثمار في القطاعات الإستراتيجية التي لا يستثمر فيها القطاع الخاص، بينما يتولى القطاع الخاص -وفق ضوابط شفافة- دور المبادرة والاستثمار والإبداع.
والهدف النهائي لهذه الثورة الاقتصادية هو الانتقال من اقتصاد هشّ يعتمد على الاستيراد والريع إلى اقتصاد وطني متكامل، قادر على ضمان استقلالية القرار الاقتصادي، وعلى ترسيخ موقع فاعل للجزائر ضمن سلاسل الإنتاج العالمية، بما يحقق تنمية مستدامة ويحفظ للأمة خياراتها الاستراتيجية في المستقبل.

ضرورةٌ وجودية
وهنا وجب أن نكون على يقين أن هذه الرؤية (2062) ليست حلما طوباويا أو تصوُّرا أفلاطونيا مثاليا بعيدا عن الواقع، بل هي ضرورة وجودية تمليها جملة من الحقائق الصلبة، أوّلها أن الاستقلال السياسي بلا قاعدة اقتصادية وتكنولوجية يظل هشا أمام التحولات والتحديات العالمية، وثانيها أن استمرار تبعية الاقتصاد للموارد الطبيعية يُعرّض البلاد لأزمات متكررة مثلما ما حدث في 1986 و 2014 وما تلاهما من مخاطر اجتماعية وسياسية لاتزال قائمة، وثالثها أن تحديات البطالة وهجرة الكفاءات تستوجب بناء اقتصاد إنتاجي يفتح آفاقا للنخب والشباب وفق المعايير العالمية ويخرج المجتمع الجزائري من المجتمع النامي إلى الصاعد.
كما أن الفجوة التكنولوجية لا يمكن ردمها إلا بقفزة علمية؛ فلا صناعة ولا فلاحة الا بقدرات علمية متقدمة، كما أن العدالة الاجتماعية لا تُرسَّخ إلا بتحويل الرعاية إلى تحفيز إنتاجي، في حين أن تجديد العقد الاجتماعي ومكافحة الفساد بآليات مستجدة وفاعلة، يستوجبان ثورة مجتمعية ومؤسسية عميقة، تكون حريصة على بناء اقتصاد نزيه يحمي مصلحة الشعب والدولة عوضا عن الربح والانتهازية الفردية.

مقالات ذات صلة