الشروق العربي

من الأولى بخدمة الوالدين في كبرهما: الكنة أم البنت؟

ليلى حفيظ 
  • 393
  • 0

تعد رعاية الوالدين عند كبرهما ومرضهما وعجزهما من أنبل القيم الإنسانية وأعظم الواجبات في الإسلام، بعد توحيد الله- عز وجل. ورغم أن الشارع الحكيم حمل الأبناء مسؤولية ذلك، إلا أن الأعراف الاجتماعية، ذهبت إلى خلاف ذلك. فصارت الكنة هي الملزمة في بهذا الواجب النبيل. وإذا خالفته اتهمت بقلة الأصل والتقصير، ما قد يكلفها غاليا.

البنت ستر لأمها

المعروف والمتعارف عليه في عرفنا الاجتماعي، أنه من المفروض على الكنة العناية بحماتها وحماها، حتى في حال مرضهما وعجزهما. وإن لم تفعل ذلك، فهي لا تتهم بالتقصير وقلة الأصل فقط، وإنما قد تتعرض للتهديد والترهيب والتطليق، ولوابل من “دعاوي الشر”، والوبال الذي ينتظرها في الدنيا والآخرة، على أساس أن الأيام دول، وكما تدين تدان. وأكثر المدينين لها هم أبناء وبنات حماتها، الذين يفترض بهم أن يتحملوا بأنفسهم واجب رعاية أمهم أو والدهم.

 وذلك تماما ما حدث لسامية، 25 سنة، التي تحكي كيف أن طلاقها جاء على إثر عدم قدرتها على الالتزام برعاية وتمريض وتنظيف حماها (شيخها)، حين مرضه. وتقول: “إن الأمر استصعب علي كثيرا. لم أكن أقوى على تحمل نوبات عنفه. لقد أصيب بالزهايمر في آخر أيامه. ولا أحد من أولاده وبناته كان يتطوع لمساعدتي في العناية به. لقد حاولت رعايته بنفسي. لكني أعلنت عجزي واستسلامي. فانتهى الأمر بتطليقي”.

 نفس الأمر تقريبا، عاشته مريم التي كان لحماتها ست بنات متزوجات. ثلاث منهن يعشن بالقرب منها. وحينما أصيبت بالعجز والمرض، تقول المتحدثة: “كلهن تنصلن من مسؤولية رعايتها، وألزمنني بها، باعتباري كنتها التي تعيش معها. صراحة، أنا لم أستسغ الأمر. ولم أستطع تحمل المسؤولية لوحدي. كان يحز في نفسي كثيرا تعاملهن مع خدمتي لأمهن من منطلق “بلا مزيتك”، فطالبتهن بالتناوب على رعايتها، باعتبارها والدتهن، وهن الملزمات برعايتها، على اعتبار أن البنت ستر لأمها. فما كان منهن إلا أن حرضن أخاهن على تطليقي”.

إحسان ومعروف تؤجر عليه الكنة 

من الناحية الشرعية، يرى الأستاذ عبد الرشيد بوبكري، إمام وخطيب مسجد الغزالي بحيدرة، أن برّ الوالدين فرضٌ على الولد ذكرًا كان أم أنثى، لا يسقط بزواجٍ ولا بانتقال إلى بيتٍ آخر؛ قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقال النبي ﷺ لمّا سُئل عن أحقّ الناس بحُسن الصحبة: «أمُّك، ثم أمُّك، ثم أمُّك، ثم أبوك» (متفق عليه). فجعل الحقَّ على الولد نفسه، لا على زوجته.

ومن هنا، يضيف المتحدث، يتبيّن أن المُلزَم شرعًا بخدمة الأم والأب- الشيخ الكبير- في كِبَرهما ومرضهما هو أبناؤهما، الابن والبنت معًا، كلٌّ بحسب طاقته. والبنت لا يسقط برُّها بزواجها، بل على زوجها أن يُعينها عليه، لا أن يمنعها، فإن منْع الصلة المُفضي إلى القطيعة لا طاعة فيه.

أمّا الكَنّة (زوجة الابن) فلا تُلزَم شرعًا بخدمة والدَي زوجها؛ فما تفعله من ذلك، مثلما يؤكد الأستاذ بوبكري، إحسانٌ ومعروفٌ تُؤجَر عليه أجرًا عظيمًا وتصِل به الرحم، لا فريضةٌ تُحاسَب على تركها، ولا يملك الزوج إجبارها. وقد نصّ المالكية- كما في حاشية الدسوقي وبداية المجتهد لابن رشد- على أن خدمة المرأة إنما هي لبيت زوجها بالمعروف وعلى قدر حالها، لا لأقاربه؛ فلا يصحّ أن يُتّخذ ذلك ذريعةً لإلزامها بالحموَين.

وأمّا النفقة والقيام على الوالدين العاجزين، يقول محدثنا، فواجبةٌ على الأبناء الموسرين ذكورًا وإناثًا، كما في مختصر خليل: «ووجبت نفقةُ الوالدين الفقيرين على الولد الموسر»، فهو عبءٌ يتوزّع على الجميع لا على العروس وحدها.

ويبقى العُرف الشائع،كما يوضح الإمام عبد الرشيد بوبكري، أن يُلقى ثقلُ خدمة الحموَين على العروس وحدها، ثم تُتّهم في أصلها إن قصّرت- عُرفًا مخالفًا للشرع- لأنه أوجب ما لم يوجبه الله، وأسقط الواجب عمّن أوجبه الله عليه، وزاد عليه ظلمَ الطعن في العِرض. و«ابنُ الأصل وبنتُ الأصل» في ميزان الشرع هو البارُّ بوالدَيه، لا الذي يُسخّر زوجته ويتنصّل من برّه.

والأَولى، كما يشدد الأستاذ بوبكري في الختام، أن نبنيَ في بيوتنا ثقافةَ “التكامل والشراكة بالحُسنى لا بالإكراه؛ فالبيوت تُعمَر بالإحسان المتبادَل، والكلمة الطيّبة، والشكرِ لمن أحسن، لا بالمنّة والتعيير”.

مقالات ذات صلة