الجزائر
الفحوصات خط الدفاع الأول لإنقاذ الأرواح

من الإغماء إلى توقف القلب… الموت المفاجئ لا يستثني الرياضيين

وهيبة. س
  • 165
  • 0

البروفسور تهمي: تتحقق الوقاية حين يصبح فحص القلب جزءا من ثقافة ممارسة الرياضة

إن بعض الممارسات البدنية قد تخفي مخاطر قلبية لا تظهر أعراضها إلا في لحظات الجهد الشديد، فرغم ما توفره الرياضة من فوائد صحية، يبقى الكشف المبكر والتقييم الطبي المسبق ضرورة لا غنى عنها، سواء تعلق الأمر بالرياضيين المحترفين أم بممارسي الرياضة الترفيهية.

وقد تطرق المؤتمر الدولي الحادي والعشرون للجمعية الجزائرية لأطباء القلب الخواص، المنظم نهاية الأسبوع الماضي، لموضوع الموت المفاجئ عند الرياضيين، بحيث تم تسليط الضوء على أهمية الوقاية القلبية.
في السياق، قال البروفيسور محمد تهمي، رئيس الجمعية الجزائرية لاضطرابات نظم القلب، خلال المؤتمر، إن خلافا للاعتقاد السائد، يستهدف الموت المفاجئ أساسا الرياضيين المحترفين وأصحاب المستويات العالية، حيث استعرض أبرز الأسباب المؤدية إلى هذه الحالات، والعوامل التي قد تحول النشاط البدني من ممارسة صحية إلى خطر يهدد الحياة لدى بعض الأشخاص.
وأشار البروفيسور تهمي، إلى أن حالات الموت المفاجئ المسجلة لدى الرياضيين المشاركين في المنافسات لا تمثل سوى 6 بالمائة من الحالات، وهو ما يبرز ضرورة توسيع دائرة الاهتمام لتشمل أيضا الأشخاص الذين يمارسون الرياضة لأغراض صحية أو ترفيهية.

كما أكد أن أغلب الحالات تظهر لدى الرجال، مع تسجيل ذروة في الفئة العمرية الممتدة بين 40 و60 سنة، ما يطرح تحديات إضافية بشأن كيفية ممارسة النشاط البدني بصورة آمنة، بحسبه، خاصة لدى الأشخاص الذين يواصلون التدريبات المكثفة مع التقدم في العمر.

اضطرابات كهربائية قد تنتهي بمأساة
وأوضح المتحدث، خلال مداخلته، أن اضطرابات نظم القلب تحتل موقعا محوريا ضمن الآليات المؤدية إلى الموت المفاجئ في أثناء النشاط البدني أو بعده. فخلال الجهد المكثف، يتعرض الجسم لتغيرات فيزيولوجية تشمل زيادة التنبيه “الأدرينالي”، وفقدان السوائل، واحتمال اختلال توازن الشوارد، وهي عوامل قد تسهم في تحفيز اضطرابات نظم خطيرة لدى أشخاص لديهم استعداد قلبي سابق.

وتختلف الأسباب المحتملة باختلاف العمر بحسب البروفسور تهمي، إذ يصبح مرض الشرايين التاجية من أبرز الأسباب بعد سن الخامسة والثلاثين، في حين تشمل الأسباب لدى الفئات الأصغر سنا اعتلالات عضلة القلب، واضطرابات القنوات الأيونية المسؤولة عن النشاط الكهربائي للقلب، إضافة إلى التشوهات الخلقية للشرايين التاجية.
وقال إن خطورة هذه الحالات تكمن في أن بعضها قد يتطور دون أعراض واضحة، ما يجعل اكتشاف المرض قبل وقوع المضاعفات تحديًا طبيًا مهمًا.

أمراض صامتة قد توقف القلب أول إنذار لها
ومن بين الأمراض التي تستدعي الانتباه، بحسب مداخلة تهمي، اعتلال عضلة القلب التضخمي، واعتلال عضلة القلب المحدث لاضطراب النظم، والتهاب عضلة القلب، إلى جانب بعض المتلازمات الكهربائية القلبية والتشوهات الخلقية للشرايين التاجية.
وقد لا يدرك المصاب، بحسبه، وجود مشكلة قلبية لديه، خصوصا عندما تكون الأعراض غائبة أو محدودة، ففي بعض الحالات، قد يكون الإغماء في أثناء المجهود، أو الخفقان غير المعتاد، أو ألم الصدر، أو ضيق التنفس غير المتناسب مع شدة النشاط، مؤشرات تستوجب تقييما طبيا قبل مواصلة التدريب.
وأشار رئيس الجمعية الجزائرية لاضطرابات نظم القلب، إلى أنه من خلال ذلك تبرز أهمية عدم الاستهانة بالأعراض التي تظهر في أثناء ممارسة الرياضة وعدم اعتبار اللياقة البدنية أو القدرة على التحمل دليلا كافيا على سلامة القلب.

حسابات قلبية مختلفة بعد الـ35 سنة

وقد خصص البروفسور محمد تهمي، جانبا مهما في مداخلته، للرياضيين الذين يواصلون التدريبات المكثفة بعد سن الخامسة والثلاثين، وهي فئة قد تواجه مخاطر مختلفة عن تلك المسجلة لدى الرياضيين الأصغر سنا، فمع التقدم في العمر، تزداد، بحسب رأيه، أهمية التحري عن مرض الشرايين التاجية وعوامل الخطر القلبية الوعائية، إلى جانب الانتباه إلى اضطرابات نظم القلب والتوصيل الكهربائي، والرجفان الأذيني، وتوسع الأبهر، والتغيرات البنيوية التي قد تصيب عضلة القلب، إذ لا يعني ذلك أن التقدم في العمر يستدعي التوقف عن الرياضة، بل إن المطلوب هو تكييف شدة التدريب وطبيعته مع الوضع الصحي لكل شخص، مع تقييم المخاطر الفردية قبل الانخراط في مجهود بدني مكثف.

الفحص المسبق… خطوة وقائية لا ينبغي إهمالها
وفي مواجهة هذه المخاطر، يبرز التقييم الطبي القلبي، بحسب البروفسور تهمي، باعتباره أحد المحاور الأساسية للوقاية، خاصة عند بداية الموسم الرياضي، أو قبل الشروع في تدريبات مكثفة، وكذلك عند ظهور أعراض مثيرة للشك.
وأوضح أن التقييم بشمل أخذ تاريخ طبي دقيق، والاستفسار عن الأعراض والسوابق العائلية لأمراض القلب أو حالات الموت المفاجئ، إلى جانب الفحص السريري وتخطيط كهربائية القلب ذي 12 اشتقاقا.
وقد تستدعي بعض الحالات، بحسب المتحدث، إجراء فحوص تكميلية، مثل اختبار الجهد، والتسجيل المستمر لنشاط القلب بواسطة جهاز هولتر، والتصوير القلبي، وفقًا لما تكشفه المعطيات السريرية ونتائج الفحوص الأولية.
“غير أن تخطيط القلب، رغم أهميته في الكشف عن عدد من الاضطرابات، لا يستطيع وحده استبعاد جميع الأمراض التي قد ترتبط بالموت المفاجئ، الأمر الذي يجعل التقييم الطبي عملية متكاملة تُبنى على التاريخ الصحي والأعراض والفحص السريري، وليس على فحص واحد يُجرى بصورة روتينية” قال البروفسور تهمي.

الوقاية لا تعني الخوف من الرياضة
وأكد البروفسور محمد تهمي، أن مواجهة الموت المفاجئ لدى الرياضيين لا تكون بالتخلي عن النشاط البدني، بل بنشر ثقافة رياضية قائمة على الوعي بالمخاطر والكشف المبكر واحترام المؤشرات التحذيرية.
كما أن استمرار حالات من الموت المفاجئ دون تفسير واضح، حتى بعد إجراء التشريح الطبي، يسلط الضوء على تعقيد بعض الحالات وحدود وسائل التشخيص المتاحة، إذ أشار البروفيسور تهمي إلى أن نحو 20 بالمائة من هذه الحالات قد تبقى دون تفسير حتى بعد التشريح.
وبين الفوائد الصحية الكبيرة للرياضة والمخاطر القلبية التي قد تواجه فئة من ممارسيها، تظل المعادلة الأساسية قائمة على ممارسة النشاط البدني بوعي، وإجراء التقييم الطبي عند الحاجة، وعدم تجاهل الأعراض غير الطبيعية.
فالوقاية الحقيقية، بحسب ذات المتحدث، لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل قبلها بكثير، حين يصبح فحص القلب جزءا من ثقافة ممارسة الرياضة، لا مجرد إجراء يُلجأ إليه بعد ظهور الخطر.

السكري وأمراض القلب… خفض الكوليسترول الضار لا يكفي وحده
وخلال المؤتمر الدولي الحادي والعشرون للجمعية الجزائرية لأطباء القلب الخواص، حذر البروفيسور حسام بغوس، رئيس مصلحة طب الغدد بمستشفى وهران، من استمرار خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين لدى مرضى السكري، حتى عند بلوغ المستويات المستهدفة للكوليسترول الضار، مؤكدا أن الوقاية تتطلب تقييما أوسع لاضطرابات الدهون في الدم.

وأوضح، خلال مداخلة علمية، أن الدهون الثلاثية وبقايا البروتينات الدهنية قد تواصل إلحاق الضرر بالشرايين، ما يجعل قياس الكوليسترول الضار وحده غير كاف لتحديد الخطر القلبي الوعائي بدقة.
كما شدد على أهمية تحليل البروتين الشحمي (أ)، الذي يتأثر أساسا بالعوامل الوراثية، خاصة لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي لأمراض القلب أو إصابات مبكرة بها، داعيا إلى قياس مستواه مرة واحدة على الأقل خلال مرحلة البلوغ.
وخلص إلى أن حماية مرضى السكري من مضاعفات القلب تستدعي مقاربة شاملة لمختلف مؤشرات الدهون، إلى جانب التحكم في الكوليسترول الضار، للكشف عن المخاطر المتبقية وتعزيز الوقاية المبكرة.

مقالات ذات صلة