من الذي أوعز لمستشار الوزيرة بموضوع العامية؟
أقسم بالله أحد الحاضرين في (الندوة الوطنية لتقييم تطبيق إصلاح المدرسة) أن اقتراح إدراج العامية في التدريس في الإبتدائي لم يطرح بتاتا في هذه الندوة ولم يذكره أحد من الخبراء الذين حضروها وإنما المفتش العام للإدارة بوزارة التربية هو الذي أدلى بهذا التصريح الغريب والشاذ في نفس الوقت، ولا ندري من الذي أوعز له بطرحه في هذا الوقت بالذات ونسبه إلى الخبراء حتى تكون له مصداقية أكثر، ثم أضاف يقول: أتحدى الوزيرة أن تذكر لنا اسم هذا الخبير الذي اقترح التدريس بالعامية في الابتدائي وفي أي ورشة من الورش العشر التي كانت مبرمجة في الندوة، ولماذا لم يعلن عنه في نهاية الندوة من خلال التقرير النهائي الذي تلي على الحاضرين، فكيف تأتي الوزيرة الآن وتقول لنا هذه توصية من الخبراء في الورشة؟
اللهم إذا كان المفتش العام للإدارة هو الخبير الذي تقصده وهذه مصيبة أكبر – وهل يعقل (مفتش عام للإدارة يتدخل في البيداغوجيا) أمر غريب الذي يحدث في هذه الوزارة – أنها بدعة لا تحدث إلا في بلادنا التي تعيش إنحطاطا وتدهوراخطيرا في جميع مؤسسات الدولة الجزائرية وأكثرها قطاع التربية.
هل لاحظتم أين وصل الأمر بنا، تدخل الإداري في أمور لا تعنيه وليست من اختصاصه ويصبح خبيرا يقترح نظريات جديدة في علم اللغة واللسانيات، إنه يقترح العامية لتعلم الفصحى، إنه التنطع بعينه – هل هناك وزارة تعيش في فوضى أكثر من هذه التي يعيشها قطاع التربية في بلادنا؟ – هل رأيتم لما يسند الأمر لغير أهله ماذا يقع؟
هذا المفتش العام للإدارة عوض أن يهتم بإصلاح التسيير الإداري الذي يوصف بالكارثي راح يحشر أنفه في البيداغوجيا وعلم اللسانيات وكأنه اكتشف نظرية جديدة في التعلم، أما الوزيرة هي أيضا عوض أن تهتم بتكوين المعلم والأستاذ في منهجية التدريس وتصحيح المناهج وتوفير الوسائل التعليمية وتوفير هياكل الاستقبال للقضاء على نظام الدوامين ووضع حد للاكتظاظ في الحجرات الدراسية راحت تلجأ للحلول الترقيعية (البريكولاج) وما (الخبراء الثلاثة) الذين دعتهم الوزيرة قصد إلقاء محاضرات إلا شكلا من أشكال (البريكولاج)، لأنهم لم يقدموا أفكارا جديرة بالاهتمام وإنما أمور قديمة لا تفيد وضعيتنا في شيء، حيث المنظومة التربوية في تونس والسنيغال ليستا أفضل من المنظومة التربوية في الجزائر – أما الخبير الفرنسي فلم يقدم أفكارا مناسبة، لأن الوضع عندنا يختلف كثيرا عن الوضع في فرنسا بالنسبة للمنظومة التربوية من حيث الهياكل والوسائل وكذا الإطار التربوي والتنظيم العام ككل، لأن في فرنسا (الإداري لا يتدخل في البيداغوجيا) كما هو حاصل عندنا الآن، وكل مسؤول منهم مهتم بالمهمة التي تخصه فقط ولا يتدخل في أمور لا تخصه أو ليست من اختصاصه.
أما عندنا في وزارة التربية الوطنية فإن كل من هب ودب يتدخل في الشؤون البيداغوجيا ويصبح محللا ويسدي لك النظريات وهكذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من العبث والاستهتار بمبدأ من مبادئ الدستور الجزائري الذي يعطي مكانة خاصة للغة العربية، ولقد جاء في إحدى مواده بأن لغة التدريس لا تكون إلا باللغة العربية في جميع مراحل التعليم الإبتدائي والمتوسط والثانوي، فكيف تجرؤ الوزيرة بأن التعليم بالدارجة يكون في الإبتدائي، ألم يكن هذا تعد عن مبدإ من مبادء الدستور الذي انتخبه الشعب الجزائري وختمه الرئيس بتوقيعه وأقسم بأن يسهر على تطبيقه، ويعتبر هذا التعدي الثاني على قوانين الجمهورية، حيث تم التعدي الأول لما رفضت الوزارة تطبيق بعض بنود القانون التوجيهي، وهو إنشاء مجلس البرامج والمناهج كما ينص عليه القانون التوجيهي في المادة الثلاثين منه، وهذا هو سبب تدهور المستوى، لأنه بدون مجلس وطني أعضاؤه من ذوي الاختصاص لا يمكن أن نحسن المستوى ولا يمكن تصحيح البرامج إلا أهل الإخصاص.
أما المشكلة الثالثة التي زادت من تدهور القطاع هي تهميش المفتشية العامة للبيداغوجيا وإحالة بعض إطاراتها المعربة على التقاعد وهنا نذكر للأمانة (أن هذه العملية تمت في عهد الوزير السابق بابا أحمد) وواصلت على نهجه الوزيرة الحالية بحيث استقدمت إطارات أخرى أغلبهم مفرنسون يشرفون ويتابعون المعلمين والأساتذة المعربين (هل رأيتم بدعة أكثر من هذه)، أنا لست ضد المفرنس، ولكن هل يفقه في العربية أكثر من أصحاب الاختصاص بالعربية – ما هذا العبث؟ (هل يستقيم الظل والعود أعوج)، أما الحاشية المقربة من الوزيرة فإنها مفرنسة كلها وأغلبها من الغرب الجزائري، وهنا أتوقف عن الكلام حتى لا أحرج أحدا.