الرأي

من “الغضب الملحمي” إلى “النصر البيروسي”

لا يتوقف الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن الإدلاء بتصريحات يزعم من خلالها تحقيقه لنصر حاسم في الحرب على إيران، التي شنّها بمعية الكيان الصهيوني يوم 28 فيفري الماضي تحت مسمى “الغضب الملحميEpic Fury “، رغم أنه عمليا لم يحقق ذلك بالمطلق.

باستثناء النجاح التكتيكي الذي تحقق في بداية الحرب، عندما تم اغتيال المرشد “علي خامنئي” وبعض القادة من الصف الأول، لكنه واقعيا، عجز عن تحقيق أهدافه الكبرى سبق وأن أعلن عنها في بداية هذه الحرب، وأهمهما تفكيك النظام وتحقيق انهيار الدولة الإيرانية بمثل تلك السرعة التي حدثت في الحالة الفنزويلية مع الرئيس “مادورو”، وتدمير المنظومة الصاروخية للحرس الثوري، التي بقيت إلى الآن مؤذية جدا وفعالة وقوية ودقيقة في ضرب العمق الإسرائيلي والمصالح والمنظومات والمنشآت العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج، وهو ما يعني أن الحرب استراتيجيا لم يكسبها ترامب ولا الكيان الذي جرَّه إليها طوعا أو كرها، من دون أن يمتلك رؤية واضحة لإنهائها، وهي حقيقة ظاهرة وليست سرا، فمعظم التقارير التي نشرتها أجهزة المخابرات الأمريكية أشارت إلى ذلك بوضوح، علاوة على أنها نفت أصلا أن تكون لإيران تهديداتٌ وشيكة على الأمن القومي الأمريكي، كما جرى التسويق لها، فهي حربٌ غير مبررة.

 لوحظ على الرئيس ترامب، أنه طيلة أيام هذه الحرب، ظل يغيِّر أهدافه ولم يستقر على هدف ثابت خلال خُطبه وتصريحاته ومنشوراته على منصته الخاصة “تروث سوشيال” التي بلغت 90 منشورا إلى حد الآن، كان خلالها متقلبا بشكل كبير جدا، فتارة يهدد ثم يتراجع، يضغط ثم يفاوض، وهذا مرده أساسا إلى الموقف الصلب والرد الميداني المؤلم الآتي من الطرف الإيراني، ولا أحد يعلم حجم الخسائر التي تكبدها الجيش الأمريكي عبر مصالحه ومنشآته المختلفة في الخليج، في ظل التعتيم الإعلامي غير المسبوق الذي تتميز به هذه الحرب.

لوحظ على الرئيس ترامب، أنه طيلة أيام هذه الحرب، ظل يغيِّر أهدافه ولم يستقر على هدف ثابت خلال خُطبه وتصريحاته ومنشوراته على منصته الخاصة “تروث سوشيال” التي بلغت 90 منشورا إلى حد الآن، كان خلالها متقلبا بشكل كبير جدا، فتارة يهدد ثم يتراجع، يضغط ثم يفاوض، وهذا مرده أساسا إلى الموقف الصلب والرد الميداني المؤلم الآتي من الطرف الإيراني، ولا أحد يعلم حجم الخسائر التي تكبدها الجيش الأمريكي عبر مصالحه ومنشآته المختلفة في الخليج، في ظل التعتيم الإعلامي غير المسبوق الذي تتميز به هذه الحرب.
ومع كل هذا الغموض الذي يحيط بالمعطيات الخاصة بالخسائر البشرية والمادية التي مُنيت بها أمريكا، إلا أن تقريرا لوكالة “بلومبرغ” أشار إلى تصاعد كلفة العمليات العسكرية وارتفاع المخاطر الميدانية، وأن ما لا يقل عن ستة عشر طائرة عسكرية أميركية دُمِّرت أو خرجت عن الخدمة منذ بداية الحرب، بينها نحو عشر طائرات مسيّرة من طراز “ريبر”، إضافة إلى طائرات أخرى تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة هجمات أو حوادث مختلفة، من دون الحديث عن الثمن الباهظ الذي تسببت فيه الحرب اقتصاديا، والذي بلغ ملايير الدولارات، كما أدت أيضا إلى قفزة في أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل، بفعل إغلاق مضيق هرمز، مما ألحق خسائر بقطاع المستهلكين الأمريكيين وهدد استقرار الأسواق العالمية، وهو ما وصفه المحللون بأنه “صدمة طاقة” تفوق في أثرها أزمات السبعينيات”.
هذا كله يعني أن أي نصر محتمل هو بمثابة خسارة تسببت فيها الرؤية الإستراتيجية القاصرة للرئيس وفريقه، الذي دخل إلى مستنقع ضحل لا يعرف كيف يخرج منه، ففي حوار مع مجلة “ليكسبريسيون” الفرنسية بتاريخ 12 مارس 2026، قالت أسطورة المخابرات المركزية الأمريكية والأستاذة المساعدة بجامعة جورج تاون، “جينا بينيت”، التي عملت محللة لدى الوكالة لمدة 30عاما إنه “من المؤكد أن لدى الجيش خطة على المستوى العملياتي؛ فالبنتاغون يحاول على الأرجح فهم كيفية الخروج من هذا الوضع في أسرع وقت ممكن. لكن، بعيداً عن المستوى التكتيكي، ما هو الهدف السياسي؟ ليس دور الجيش تحديد ذلك، بل هو دور الرئيس. لكن إدارة ترامب لا تتوقف عن تغيير أهدافها، وهذا له تأثيرٌ مباشر على الأداء العسكري؛ فعندما تغيِّر الأهداف باستمرار، يصبح الفشل شبه حتمي. هذا التردد بالنسبة لي هو انعكاس لغياب خطة طويلة الأمد”.
كلفة باهظة مع سقوط ترامب في المستنقع الإيراني الضحل، يجعل مزاعمه بتحقيق النصر، مطابقا لما يسمى عسكريا وسياسيا بـ”النصر البيروسي” (Pyrrhic Victory)، حيث الفوز، إن تحقق، فهو يعادل الهزيمة، في ظل قصر نظر استراتيجي حاد.
وهذا المصطلح، لهو جذور تاريخية تعود إلى عالَم ما بعد “الإسكندر الأكبر”، فقد كان هناك رجلٌ واحد اعتقد الجميع أنه الوريث الشرعي لعبقرية الإسكندر العسكرية، كان اسمه “بيروس” (Pyrrhus)ملك “إيبيروس” (منطقة جبلية تقع بين اليونان وألبانيا حاليا).
لم يجلس “بيروس” على العرش كغيره من الملوك، فقد كان “إله حرب” جوَّالا، لا يهدأ ولا يستقرّ، يملك موهبة تكتيكية فذة وجاذبية شخصية جعلت جنوده يلقبونه بـ”النسر”، لكنه كان يعاني من عيب قاتل في شخصيته، هو “قِصر النظر الاستراتيجي”، فهو يعرف كيف يكسب المعارك ببراعة، لكنه لا يعرف كيف ينهي الحروب أو يبني الدول.
بدأت ملحمته الكبرى عام 280 قبل الميلاد، ضد روما، فكان القتال دمويا ومرعبا، مع ذلك انتصر بيروس، لكنه صُدم من شجاعة الرومان الذين قاتلوا حتى الموت، ومن خسائره الكبيرة.
في العام التالي (279 ق. م)، التقى الطرفان مجددا في معركة “أسكولوم”، وانتصر بيروس مرة ثانية على الرومان، لكن حين تجوَّل في ساحة المعركة لتفقُّد خسائره، وجد أن نخبة ضباطه وأفضلَ جنوده قد قُتلوا، وحين جاء أحدُ جنوده ليهنِّئه بالنصر، نظر بيروس إليه بعيون ملؤها المرارة، ونطق بعبارته التي خلَّدها التاريخ وصارت مصطلحا عسكريا وسياسيا إلى اليوم: “نصرٌ آخر كهذا، وسنكون قد انتهينا”.
هل ستكون الحرب التي يخوضها “ترامب” ضد إيران هي التي ستُنهي الإمبراطورية الأمريكية وتنهي هيمنتها الكاملة على العالم؟

مقالات ذات صلة