-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من القابلية للاستعمار إلى شراء الاستعمار

من القابلية للاستعمار إلى شراء الاستعمار

في آخر سنة 1948 نشر الأستاذ مالك ابن نبي -رحمه الله- كتابه القيّم “شروط النهضة”، وهو الكتابُ الذي وضع فيه المعادلة البسيطة الممكنة وشرَحها، وهذه المعادلة ما تزال صالحة وواقعية إلى اليوم، وهي: (الإنسان + التراب + الوقت)، وهي عناصر يملكها كلّ مجتمع بشري لإحداث نهضة حقيقية بشرط توفّر “المركِّب” أو المحرِّك، وهو الإسلام بالنسبة لمجتمعنا الإسلامي ومنه المجتمع الجزائري.

عنون الأستاذ ابن نبي الفصلَ ما قبل الأخير بعنوان أثار ردود فعل كثيرة مؤيدة ومعارضة، وهذا العنوان هو: “مُعامِل القابلية للاستعمار”. وأجزمُ أنّ أكثر المعارضين ممّن يسمِّيهم الشيخ أبو يعلى الزواوي: “علماء القهاوي”، سواء ممّن قرأوا هذا الكتاب، أو ممّن قرأوه ولم يفقهوه، أو قرأوه وفقهوه وحرّفوا الكلِمَ عن مواضعه.. وكان أكثر منتقديه هم “مناضلو” حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية M.T L.D)). وقد حدّثني الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم -رحمه الله- أنّه كان من هؤلاء المنتقدين، ثمّ تبيّن له صحّةَ رأي الأستاذ ابن نبي، فاستعمل مصطلحا أشنع وهو “المركوبية”؛ أي هؤلاء الذين يوطئون ظهورَهم للاستعمار حتى بعد استرجاع الاستقلال الخديج، أو “الاستقلال الشكلي” بتعبير المناضل أمحمّد يزيد – رحمه الله –

كان الأستاذ ابن نبي يرى أنّ الأمّة الإسلامية فشت فيها أمراضٌ نفسية واجتماعية أوهنت قوّتَها، وفرّقت كلمتَها، وشتّتت جمعها، وأرجست أخلاقها، وشلّت عزمها، وجمّدت عقولها بسيطرة “الفكر الميّت” وسدَنَتِه الذين يحسبون أنهم يُحسنون صُنعا، ورفعوا شعارات انهزامية مثل: “كل القوت واستنّى الموت”، و”لو كان ما حبّهم ما يجيبهم”، و”أمّنا باري -باريس- احفظها يا بارئ”…

وبذل العلماءُ الإصلاحيون المصلحون جهودا جبّارة، وواصلوا العمل طرفي النهار وزُلفا من الليل تذكيرا للعاقلين، وتنبيها للغافلين، وإيقاظا للنائمين، وتعليما للجاهلين، وإصلاحا للفاسدين، وكشفا للخائنين، وتوحيدا للصفوف، وجمعا للكلمة، وتنقية للإسلام من البدع والخرافات…

و”عشنا وشفنا” فإذا كثيرٌ ممّن قدِّر لهم أن يقتعدوا مقاعد قيادة الأمّة يتجاوزون مرحلة “القابلية للاستعمار” إلى درَكَة الاستعمار، وترغيبه في استعمارهم، وإبداء استعدادهم لتحمُّل جميع تكاليف هذا الاستعمار وزيادة.. ولم يسلم من هذا الداءِ الوبيل حتى الذين زعموا أنّهم من “آل محمد”، وهو منهم براء.

وقد يكون مرضى “القابلية للاستعمار” معذورين، لظروفهم النفسية الضعيفة، وأمّية بعضهم، وأحوالهم الاجتماعية… ولكن الآن ما هي حجّة هؤلاء الذين يسارعون في استرضاء أعدائهم وأعداء أمّتهم ودينهم، فيفتحون لهم أراضيهم لإقامة القواعد العسكرية التي تبيَّن للأعمى قبل البصير أنّ شرّها عليهم أكبرُ من نفعِها لهم.. ويمكّنون لشركات الأعداء لاستنزاف خيرات بلدانهم، وحرمان شعوبهم منها..

“رُبَّ ضارّةٍ نافعة”، فلعلّ هذا الذي يجري في أمّتنا الإسلامية من محيطها الهادي إلى محيطها الأطلسي يكون سببًا في التخلّص من القابلية للاستعمار، والكفِّ عن شراء الاستعمار، وتفعيل المنظمة الميّتة المسمّاة منظمة التعاون الإسلامي، “وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل اللهُ فيه خيرا كثير”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!