من المشهد الفلسطيني راهنا…
باتت أزمة المشروع الوطني الفلسطيني تلقي بظلالها على تفكير القيادة الفلسطينية بكل مكوناتها في هذه المرحلة أكثر من أي فترة من عمر المسيرة التحررية.. إنها بطبيعة الحال مرتبطة بتصاعد وتيرة مخططات الاحتلال الصهيوني الاستعماري، حيث يتواصل التمدد الاستيطاني في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق، مترافقا مع محاولات التهويد الشامل للقدس الشرقية، ولم يستثن الأقصى الشريف وباقي أماكن العبادة من هذه المخططات، إضافة للاجتياحات اليومية لقرى وبلدات الضفة، مع ممارسة سياسة الاعتقال… الخ.
كل ذلك وغيره يدخل في إطار خطة ممنهجة تهدف إلى توسيع وتوطيد ركائز دولة الاحتلال الاستعماري على حساب ما تبقى من حقوق فلسطينية. أما قطاع غزة فهو يعيش وسط مربع النار والحصار البحري الجوي والبري الشامل.. بالمقابل لم يتمكن الفعل الفلسطيني مجتمعا من فرملة هذه الاندفاعة المتوحشة للعدو.. هناك عوامل مشجعة لمسلك دولة الاحتلال الإجلائي، في مقدمتها:
1- الدعم اللامشروط واللامحدود من قبل الإدارة الأمريكية، وكانت المنافسة على تقديم هذا الدعم شبه مسيطرة على الحملة الانتخابية للحزبين الديمقراطي والجمهوري.
2- ضعف العامل الذاتي الفلسطيني ومما زاد الطين بلّة التمزق الكارثي الواقع بين صفوفه، بالتالي فقدان خطة سياسية موحدة تتكئ عليها المقاومة بكل أشكالها ومستوياتها..
3- انكفاء الوضع العربي بغالبيته على أوضاعه الداخلية لمعالجة التداعيات التي حصلت ولا زالت تحصل أو انشغال بعضها في تنفيذ المخطط الأمريكي تجاه بلدان عربية أخرى.
4- تراجع عملي لخط المقاومة وفعلها في الداخل والخارج، من جهة المضايقة عليها في غزة وشلّ نشاطها لإبقائها كعنوان دعائي للاستخدام عند الضرورة السياسية، ومن جهة أخرى ملاحقة واعتقال رجالها في الضفة ومنع نشاطهم تماما ورفضها كخط نضالي من حيث المبدأ لأن السلطة الفلسطينية تتبنى بوضوح خيار المفاوضات كطريق وحيد لتحقيق الأهداف الوطنية…
الخلاصة في هذا الحقل هي فقدان عامل المقاومة المؤثر في دولة الاحتلال، إن ذلك لا يعني الدعوة إلى خيار المجازفة والمغامرة بحقوق وأهداف شعب فلسطين، لكن ما وصلنا له وما أفرزته تجربة المفاوضات منذ أوسلو 1993 حتى اللحظة الراهنة، يفرض مناقشة كل الخيارات وفتح كل الملفات وكسر الطابوهات من أجل التوصل لرؤية موحدة وجديدة، بالاستناد إلى صمود شعب الكفاح الذي لم تنثن عزيمته ولم يفرط يوما بحقوقه الثابتة والوطنية وأولها حق العودة، ولا زال حاضنا لأبنائه المقاومين ومستعدا دوما لرفدهم بالدم الجديد، وهذا ضمن العوامل الرئيسية التي تقلق هؤلاء المحتلين وبالذات تجاه مستقبل دولتهم.
في إطار التحرك الفلسطيني، بغض النظر عن سياقه، برزت بعض المشاهد على صلة مباشرة بحق العودة تستدعي المساهمة في النقاش: أولا، في زيارة أمير قطر لقطاع غزة يوم 23 / 10 / 2012 قام السيد اسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة وهو من الرموز القيادية الرئيسية في حركة حماس إن لم يكن الرقم الأول بعد التغيرات المرتبطة بالانتخابات الداخلية الجارية في الحركة.. بإهداء الأمير مفتاح العودة، “هذا المفتاح الرمزي لا زالت كثير من العائلات الفلسطينية تحافظ عليه أملا في العودة إلى منازلهم التي هجروا منها عنوة عام 1948″، هذا الإهداء يحمل عدة دلالات، في مقدمتها: المراهنة على أمير قطر “بإعادة هذا الحق إلى أصحابه” فهل يعقل تحميل هذه المراهنة لقائد مندمج بشكل كلي في عملية التطبيع مع دولة الاحتلال الإجلائي ولا يزال مستمرا في ذلك، بل إنه أصبح الجسر الأساسي للتطبيع في المنطقة العربية.
إن حق العودة يكاد يكون القضية الفلسطينية، فمن يكون أهلا لهذا الحق هو من يسعى أو يساهم بشكل جاد في توفير مقومات الصمود السياسي المادي والمعنوي لشعب فلسطين وهو من يهدى له مفتاح العودة.
ثانيا، ما تضمنه تصريح الرئيس أبو مازن للقناة الثالثة بالتلفزيون الإسرائيلي يوم الخميس 1 / 11 / 2012 من نقاط: 1 -تراجعه الشخصي عن حق العودة إلى مدينة صفد المحتلة عام 1948 وهي مسقط رأسه “يرغب في زيارتها فقط وليس الإقامة بها، لأنها مدينة إسرائيلية، بل يرغب في الإقامة في رام الله كمدينة فلسطينية..” 2 – إن فلسطين بالنسبة له هي الأراضي المحتلة عام 1967 أي الضفة الغربية وقطاع غزة، أما الباقي فهو دولة إسرائيل.. 3 – طالما هو رئيس لشعب فلسطين فلن يسمح بانطلاق انتفاضة ثالثة.
قبل المساهمة في المناقشة لا بد من التنويه إلى أن ما أشار له الرئيس في النقطة الثانية والثالثة لم تكن المرة الأولى بل تناولها في العديد من المرات.. أما حق العودة فقد سبق وأن تطرق له ضمنيا أو بلغة غير مباشرة قبل أن يكون رئيسا للسلطة الوطنية، وتحديدا عندما ترأس وفد المفاوضات في لقاء شرم الشيخ، بالتالي هذه هي المرة الأولى التي يجاهر بها برأيه وهو في قمة هرم السلطة ورئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، برفضه “الشخصي” لحق العودة إلى مسقط رأسه، فكيف يكون الأمر بالنسبة لغيره..
إنها المرة الأولى التي يجاهر بها مسؤول فلسطيني بهذا الرأي ولو كان بشكل غير مباشر، بل إن هذا الموقف غير مألوف شعبيا، بالتأكيد لم يكن موقفا عفويا أو خطأ غير مقصود، إنه يعرف ماذا يريد بالضبط… وربما كانت القراءة الأسوأ هي تلك الناتجة عمّا صرّح به بعض مستشاري الرئيس. من حق الناس أن تدافع عن حق العودة سيّما وأن التمسك به مستمر منذ صدور القرار 194 في 11 / 12 / 1948 عن الأمم المتحدة.
لماذا هذا المستوى من ردات الفعل: في إطار النقاش ضمن السياج الوطني نقول: أولا، إن الأمر متصل بجوهر القضية الوطنية، فالإدارتان الأمريكية والصهيونية تدركان هذه المعادلة، لذا حاولت الأولى مرارا شطب القرار رقم 194 ذات الصلة بحق العودة، وكان قبول دولة الاحتلال بهذا القرار شرطا أمميا لقبول عضويتها بالأم المتحدة لكن محاولاتها باءت بالفشل، وبعد عام 1993 تكثفت وتعددت مساعي الإدارة الأمريكية من أجل إلغاء هذا الحق وبالذات في مرحلة كلينتون، إلا أن الرفض الفلسطيني الرسمي والشعبي قد أفشل هذه المساعي.
ثانيا، لأن هذا الكلام عن حق العودة قد صدر عن رئيس منظمة التحرير والسلطة الوطنية، في حين أن كافة مؤسسات المنظمة: اللجنة التنفيذية، المجلس المركزي والمجلس الوطني.. قد أكدت في وثائقها وقراراتها على التمسك بهذا الحق مع إدراك الفرق بين عدم القدرة على تنفيذ هذا الحق في مراحل نضالية لأسباب على صلة بالصراع وبين التخلي عن هذا الحق لأننا لم نستطع نيله، إنها قضية اشتباك بين مشروعين، الوطني العربي التحرري والمشروع الاستعماري الصهيوني الدموي.. بالتالي حق شعب بأجياله المتعاقبة.. بعد ذلك من يدافع عن قرارات منظمة التحرير.
لماذا هذا الموقف الآن: يصعب تناول هذا الحدث بمعزل عن بيئته والمناخات المحيطة بالقيادة الفلسطينية في هذه الفترة، هناك القرار بطلب العضوية غير الكاملة لدولة فلسطين بالأمم المتحدة، سوف يعرض على جمعيتها في هذا الشهر، وذلك في إطار المعركة السياسية ضد الاحتلال ومن يدعمه، وبوجهة مراكمة العوامل على طريق تجسيد الدولة، وبالذات بعد أن سقط خيار المفاوضات من هذا الجانب..
لكن الإدارة الأمريكية قد وضعت ثقلها لإفشال هذا الطلب وتبذل قصارى جهدها للحيلولة دون صدور قرار من الجمعية العمومية، وكشّرت عن أنيابها في التعامل مع قيادة السلطة الفلسطينية ونفذت تهديدها بإيقاف دعمها الاقتصادي وتهدد باتخاذ خطوات سياسية إضافية لأنها تريد حصر كل الأمور بالمفاوضات الثنائية الإسرائيلية الفلسطينية حتى يصار إلى التحكم بها. إذا كان هذا هو موقف الإدارة الأمريكية فما بالك بالموقف الإسرائيلي وتهديدات ليبرمان المتكررة والتي تجاوزت كل الحدود الاقتصادية والسياسية وصولا إلى الأمنية، في ظل موقف عربي يشمل غالبية المؤسسة الرسمية يستجيب كالعادة للمطالب الأمريكية. بالتالي فإن الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية ليست بعيدة عن هذه المعطيات.. الخ، فهل حاول الرئيس أبو مازن امتصاص تلك الضغوطات من خلال هذه الخرجة الإعلامية بما في ذلك مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي على أبواب الانتخابات البرلمانية والتي تحالف بها نتنياهو مع ليبرمان، “كما تحدث عن ذلك أحد مستشاري الرئيس”، وهما في مقدمة التيار الأكثر تشددا داخل المجتمع الصهيوني.
لكن وبغض النظر عن العوامل الداخلية والخارجية التي ولدت أو أحاطت بتصريح الرئيس الفلسطيني، فإن القضايا المصيرية لا تعالج بهذا الشكل الملتبس والخاطئ والذي يبهت حق العودة وهو حق لا يقبل التأويل كحق ثابت، ثم أن تجربة التنازلات المجانية قد خبرها شعبنا إلى أين تؤدي.
في مواجهة المخاطر: أولا، معالجة الانقسام وانعكاساته لأن الوحدة الوطنية هي وحدها الكفيلة، ببرنامجها السياسي الاقتصادي، بالتصدي للتحديات مهما تشعبت مصادرها وأهدافها.. ثانيا، آن الأوان للشروع في وقفة مراجعة للمسيرة السياسية بكل محطاتها الأساسية ومن ثمة صياغة إستراتيجية وطنية جديدة تتجاوز أسباب المأزق الذي يعيشه المشروع الوطني وبشكل أوسع الحركة الوطنية الفلسطينية. ثالثا، إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على أساس ديمقراطي. رابعا: الاحتكام للمؤسسات الوطنية في مواجهة أية إشكالات وتحديدا لدى الخروج عن قراراتها ووثائقها.