من رشيد إلى جمال
فأما رشيد فهو الأستاذ رشيد بن عيسى، ابن منطقة جرجرة، نجل الشيخ محمد العربي بن عيسى (1912 – 1953)، الذي كان يعرف في الأوساط الإسلامية بـ”القمقوم” (1)- لما كان فيه من مميزات.
عرفت الأستاذ رشيد في 1969 في مسجد الطلبة بجامعة الجزائر، ذلك المسجد الذي بارك الله – عز وجل – فيه، حيث غُرست الفتيلة التي أنبتت شجرة الصحوة، وكان الأستاذ رشيد ضمن الأساتذة الغارسين لتلك الفتيلة، ومما أذكره أن الأستاذ رشيد كان يخطب فينا أحيانا خطبة الجمعة، فإذا حانت الصلاة يقدم الأستاذ عبد الحميد بن تشيكو ليصلي بنا، مذكرا بما نُسب لعقيل بن أبي طالب، الذي رُوي أنه كان في أيام صفين يصلي خلف أخيه الإمام علي – رضي الله عنه – فإذا حضر وقت الطعام ذهب إلى معاوية – رضي الله عنه – وعندما يقال له في ذلك يجيب: الصلاة وراء عليّ أخشع، ومائدة معاوية أشبع.. ثم قيل لنا بأن من يخطب هو من يصلي إماما، ولم أتخلص من هذه “الفتوى” إلا في منتصف التسعينيات عندما كنت في بيروت مع الأستاذ الدكتور أحمد طالب الابراهيمي لطبع آثار الإمام الإبراهيمي، فذهبنا في إحدى الجُمع – بصحبة حبيب الجزائر الحاج الحبيب اللمسي- إلى أحد الجوامع لصلاة الجمعة، فإذا الخطيب هو الشيخ رشيد القباني، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، وإذا المصلي هو إمام ذلك المسجد.. ثم رأينا عدة مرات الإمام الدكتور يوسف القرضاوي يخطب الجمعة في قطر، ويصلي غيره.. فعلمنا أن “حرماننا” من خطب الأستاذ رشيد”الفكرية” سببه “تشدد وتعصب مذهبي ليس من لب الإسلام.. وأشهد الآن- وقد علت سني، وازدادت معرفتي، واتسعت تجربتي أن تلك الخطب “الرشيدية” كانت خطبا مفيدة مبنى ومعنى، لا ككثير من الخطب التي نسعمها من بعض “الخطباء” الذين ينطبق عليهم قول شاعر في خطيب:
خطبت فكنت خَطبا لا خطيبا **أضيف إلى مصائبنا العظام
وأشهد كرة أخرى أنه بفضل تلك الخطب، وبفضل بعض كتب الأستاذ ابن نبي “المهرّبة”، وتوجيهات بعض الأساتذة استطعنا – أنا وأصحابي على الأقل – أن نصمد أمام “الفكر” الشيوعي الذي كان مُهيمنا على الجامعة – أساتذة وطلابا إلا من رحم ربي-
“افتجأنا” (بلغة إياها) تفاجأنا (باللغة العربية) في بداية شهر أفريل من سنة 1970 أن الطلبة الشيوعيين أصدروا ووزعوا شبه مطوية “تمجد” الإمام ابن باديس، وتشيد به ولكنها محرفة كلامه عن مواضعه: من قولهم: “الشيوعية خميرة الشعب الجزائري”، و”اللهم اجعلنا في الدنيا من أهل “اليسار” وفي الآخرة من أهل اليمين” وكان المقصود باليسار هو اليسر وليس “la gauche” أسرعنا إلى الأستاذ رشيد نستنبئه ونسترشده .. فأخبرنا بأن ذلك تلبيس عليكم – طلبة المسجد- حتى “لا تفسدوا” عليهم ما يعتزمون القيام به من احتفالات بالذكرى المئوية لميلاد صنمهم المعبود، لينين (22 – 4 – 1870)، ومما عزموا عليه إطلاق اسم لينين على قاعة كانت تحمل اسم مؤرخ صليبي فرنسي هو ستيفن ڤزال، المختص في التاريخ الروماني..
استعددنا لذلك اليوم، وقررنا أن نطلق اسم الإمام ابن باديس على القاعة بمناسبة الذكرى الثلاثين لوفاته وقد وقع اشتباك أمام القاعة بيننا وبين الطلبة الشيوعيين، فكنا نحن الغالبون، وقد نصرنا الله ونحن قلة.. وقد وقع بعض ذلك الاشتباك أمام عيني رئيس الجامعة، ابن سالم، الذي عين – بعد ذلك – سفيرا في دولة إفريقية وتوفي هناك.. واذكر ممن حضر تلك الواقعة الاخوة حسين بوروبة (موح RSTA) وسليم كلالشة (الشيخ عبد المنعم)، ورشيد ابن ايدير، وأحمد حجوج، وحسين دليلش (حسين البنغلادش) ..رحم الله من توفاه، ومتع بالصحة والعافية من نسأ له في أجله.
كان الأستاذ رشيد كثير الحركة مستعينا بسيارته (RB)، وكثيرا ما أحرج الشيوعيين والعلمانيين والفرانكوفيليين، وقد حضر ندوة نشطها محمد ابن يحي وأشاد فيها بـ”تسامح” الشيوعيين السودانيين الذين كانوا – كما قال – يفتتحون مؤتمراتهم بتلاوة آيات من القرآن الكريم، فإذا بصوت الأستاذ رشيد ينبعث معلنا أن ذلك خطأ Faux فتساءل ابن يحي – وكان وزيرا للتعليم العالي- : هل هذا الخطأ منهم أو منّي؟ فأجاب الأستاذ: “les deux“..
كان الأستاذ رشيد – الذي عمل فترة من الزمن مستشار للأستاذ مولود قاسم، عندما عين وزيرا للتعليم الأصلي والشؤون الدينية ولم يطل عمله بها، كان في بداية الثمانينات في بلدية الأبيار لبعض شأنه، فلفت نظره موظف “سفيه” يتفاصح بلغة تشبه الفرنسية على امرأة بسيطة، وهي لا تفقه شيئا مما يرطن به..فتقدم إليه الأستاذ لينبهه إلى وجوب مخاطبة المواطنين بلغتهم أو لهجتهم – استنكف ذلك “الكائن الصغير” أن يكون محل ملاحظة من أستاذ كبير، فأخذته العزة بالإثم، وانقلب إلى “فريعن”، ونادى على حارس “فض غليظ” “يجوز به التيمم” – على مذهب أستاذنا محمد الصالح الصديق – وانتهى الأمر بالأستاذ رشيد في محافظة الشرطة الكائنة في شارع الشهيد امحمد بوڤرة القريبة من دار بلدية الأبيار.. وهناك لقي الأستاذ ما لم يتصوره من قول سفيه، ومعاملة فضة.. فلم تحتمل نفسه ما وقع له من سفهاء يمثلون – مع الأسف دولة الجزائر – وقد زاده سوءا أن لا واحد من أولئك “الغاشي” نبس ببنت شفة أو قام بأدنى حركة، وكأنهم جميعا نذروا للشيطان صمتا.. فأقسم الأستاذ يمينا برة أن يترك بلاده التي تنبّأ شاعرها محمد العيد آل خليفة بما سيؤول إليه أمرها، فقال:
ما للجزائر فينا**لم ترع إلا الرعاعا
تجفو الكرام، وتحنو**على اللئام اتضاعا
ما للأناسي فيها**يأبون إلا الخداعا
إن صادقوا فادعاء**أو صاحبوا فانتفاعا
وقال من قصيدة أخرى:
وما في الجزائر، إلا نوائـ**ب، يجري بها الدهر كالمجنون
يهان بها عظماء النفوس**ويكرم فيها عبيد البطون
وقال فيها ابنها حمزة بكوشة:
بئس أرض الجزائر اليوم أرض**لا تقل الكرام والزعماء
غادر الأستاذ بأهله إلى فرنسا، وتدّير باريس، وعمل في منظمة اليونيسكو.. وقد التقينا عدة مرات هناك عندما انتدبت للعمل في مسجد باريس.. فقد كان يأتي للسلام على الشيخ العباس، ولإلقاء دروس عن الإسلام لمن يريد اعتناقه من غير المسلمين. (انظر عن أحد مواقفه كتاب: من وحي البصائر، لمحمد الهادي الحسني 430 وما أنس م الأيام لا أنسى ذلك اليوم الذي قضيناه معا في باريس ـ صحبة الأخ سليم كلالشة ـ رحمه الله الذي كان يعالج في أحد المستشفيات ـ وتكرم الأخ رشيد فاستضافنا في مطعم إيراني في شارع الشانزيليزي..
لقد تقاعد الأستاذ رشيد، ولا أعلم حاله الآن، حيث انقطعت عني أخباره، وإنما الذي أعلمه هو أن الجزائر”المغبونة” قد خسرت طاقة فكرية وعملية قليل مثلها…ويتردد أن الأستاذ رشيد”تشيّع” وإن لم يذكره جاسم عثمان مرغى في كتابه المملوء بالضلالات المسمى: “الشيعة في شمال إفريقيا” المطبوع في سنة 2004 في بيروت، في “مؤسسة البلاغ” مع حرصه أن لا يفوته “صيد” ثمين بحجم الأستاذ رشيد.. وأما جمال ضو فلا أعرفه إلا من خلال ما قدمته به الجرائد، وهو أستاذ جامعي في جامعة الواد في مادة الفيزياء، عاد إلى وطنه ليخدمه بعلمه الذي بثه في عدة جامعات.. (انظر الشروق 29 – 8 – 2015 ص 5). “جريمة” الدكتور ضو هي أنه ظن أن وطنه قد استقل، فتجرأ على تنبيه “تلميذة” تعمل في الخطوط الجوية “الجزائرية” (الدوشوفو دي اسما كما سماها بعض الجواجلة) لأنها خاطبته باللغة الفرنسية في أمر بسيط جدا، مما بدل على استحكام عقدتها نحو فرنسا.. وكان تنبيهه لها متحضرا، فكتبه في ورقة باللغة الإنجليزية، فظنت أنه”أوعدها شرا”، فهرعت إلى”قائد الطائرة، “مَقُود” الفكر، الذي أخذته “عزة الفرنسة” بالإثم، وطلب من الشرطة التي لا تأتمر بأوامر الدولة الجزائرية ـ أن تنزل الأستاذ “لأنه يشكل خطرا على سلامة الطائرة”!!!! وإلا فلن يطير بها.
نخشى أن يتصرف الدكتور جمال كما تصرف الأستاذ رشيد من قبل، فيترك الجزائر لأن “كائنا” تصرف معه تصرفا أحمق، لا يشرفه شخصيا، ولا يشرف المؤسسة التي يعمل فيها، ولا الدولة التي ينتسب إليها، ولا الشعب الذي ينتمي إليه.. هذا إن كان يفقه معنى الشرف، لأن الذي يغار على لغة أجنبية ـ خاصة لغة عدو ـ كالحيوان الذي يدرّب على أية لغة لا تربطه بها أية مشاعر…
وأذكّر بما سبق لي أن أوردته في جريدة الشروق وهو أنني كنت في مطار أورلي بباريس في آخر صيف 1966 صحبة الأخ طيب سعدي ـ طبيب حاليا في تبسة ـ وذهنبا إلى مكتب استعلامات لنسأل عن الطائرة الكويتية القادمة من لندن إلى الكويت حيث كنا طلبة، وكان الأخ الطيب قد استفسر باللغة الإنجليزية، فإذا تلك المسؤولة قد عبست في وجهينا، وتولت وهي تقول: “على من يأتي إلى فرنسا أن يعرف لغتها”، أما بعض “قومنا” فلسان حالهم هو:”على من يأتي إلى الجزائر ـ مهما يكن شأنه ـ أن يتقن الفرنسية”… إن هذا”الداء” ـ داء الاستعباد اللغوي لفرنسا ـ ليس مقتصرا على صغار الموظفين، ولكنه امتد إليهم من أكبر مسؤول.. وإنك لتعجب عندما ترى أن مسؤولين “كبارا” في وزارة الخارجية “السيادية” يخاطبون سفراء الدول ـ بمن فيهم السفراء العرب ـ باللغة الفرنسية، والمهم أن يرضى عنهم أبسط موظف في السفارة أو القنصليات الفرنسية.
وإن تعجب فعجب قول “مسؤولين” إننا سنعوض مداخيل البترول بـ “السياحة”، ومرشدوهم السياحيين لا يعرفون إلا “كلمات” مشوهة من اللغة الفرنسية… فضلا عن عدم وجود(W.C) يقضي فيه السائحون حاجتهم الطبيعية..
إن الأمر أكبر من تلك..وأخطر من ذلك.. ولكنه كما قال الشاعر العربي الحكيم:
رأيت صلاح المرء يصلح أهله
ويفسدهم ربّ الفساد إذا فسد
أما تلك.. وذلك.. فنقول لهما:”فقد ينكر الجعلان رائحة العطر”.
هوامش:
1) جريدة البصائر ع: 230 في 22 ماي 1953 ص 8.