من زعيبط.. إلى ماجر!
عُقدة الجزائريين مع الشهادات الجامعية، يبدو أنها ستتواصل إلى يوم الدين، فمن السياسة إلى الفقه إلى العلوم إلى الرياضة، صارت تستوقفنا مثل هذه القضايا التي تخصّصت فيها الجزائر في الفترة الأخيرة، حتى صارت همّا آخر يعيش عليه الجزائريون دون شعوب العالم.
فعندما يفتخر الدكتور جمال ولد عباس، الأمين العام لـ”أكبر” وأقدم حزب في الجزائر، بكون 65 بالمائة من المرشحين من حزبه للمحليات القادمة ، ليكون منهم رؤساء مجالس بلدية ورؤساء مجالس ولائية، فإننا نتساءل كيف لرئيس حزب امتهن علم الطب قبل الاستقلال، يسمح بوجود 35 بالمائة من المرشحين لقيادة الجزائر العميقة بعد ستين سنة من الاستقلال وفي أصعب مراحلها تاريخيا، وهم لا يمتلكون غير شهادات ميلادهم أو شهادات تطعيمهم من داء “شلل الأطفال”؟
حكاية الشهادات التي شكّلت عقدة للعديد من الساسة حتى صار بعضهم يشتريها من الخارج بأثمان غالية، وللباحثين عن الشهرة وطالبي التقرّب من مراكز القرار، ولرجال دين أوهموا أنفسهم بأن التفقّه لا يحتاج إلى الدراسات الجامعية، انتقلت الآن إلى عالم كرة القدم، عندما تقرر دفعة واحدة الاستغناء عن المدربين الأجانب ومنهم البوسني خاليلوزيتش والفرنسي غوركوف والصربي رايفيتس والبلجيكي ليكينس والإسباني ألكاراز، الذين استهلكوا ميزانية دولة، وتعويضهم بالمنتج المحلي، الذي اعتمد كباره على ما قدموه ذات صيف من سنة 1982 عندما فازوا على منتخب ألمانيا الغربية، فوضعوا أنفسهم في صف الأسرة الثورية حيث نال رجالها أو بعضهم مناصب رفيعة، وهم من دون تكوين علمي رفيع، فسار على نهجهم المسافرون إلى خيخون، فظنوا أنفسهم “ذهبا” بمجرد أنهم لمعوا مرة واحدة في حياتهم.
لقد مارس جزائريون الرقية والطب الشعبي، وزعموا مداواة الأمراض المستعصية وإعادة الحركة والبصر إلى المعاقين، من دون أن يتلقوا أي تكوين علمي، ومارس آخرون السياسة وبلغوا ما بعد مقعد المجلس الشعبي الوطني، ومجلس الأمة، وهم مقتنعون بأن “العلم” ليس في الرأس وليس في الكراس، ووقف آخرون على المنابر يبنون أمة “بالمقلوب” زاعمين أن السلف الصالح لم يكن منهم لا “دكتور” ولا “بروفيسور”، فما بالك أن يُطلب من لاعب كرة سابق قاد المنتخب الجزائري إلى كأسي العالم في إسبانيا وفي المكسيك، وسجل في نهائي رابطة الأبطال الأوروبية بالعقب، أن يُظهر الشهادات التي تحصل عليها في عالم التدريب؟؟
أسهل ما يحفظه بعض الجزائريين هو تلك النماذج التي هي استثناء في العالم، لأشخاص عصاميين حققوا النجاح في بعض المجالات العلمية والفنية والرياضية والسياسية، وأصعب ما نتجرّعه بعد كل هذه التناقضات هو أننا صرنا نتخلف عن كل الشعوب، وفي جميع المجالات، بسبب استهتارنا بقيمة العلم، الذي صار مفتاحا وحيدا في عالم، الحياة فيه للأصلح .. ولا صلاح إلا بالعلم وبالشهادات التي افتقدها ماجر كما افتقدها “مخترع” دواء السكري!