من “سنيترة القسنطيني” إلى “هشام الوهراني”!
من سوء حظ “رجلة” زمن مواقع التواصل الاجتماعي، أن الناس صارت تصوّر الأفراح والأقراح، وتكاد ترمي “آيفوناتها” في قلب القبور والمنابر وغرف العمليات الجراحية، لتلتقط “البوز”، فما بالك أن تشاهد زاعمي “الفتوة والرجلة”، وهم يحملون سيوفا، يتبخترون ويلعبون دور البطولة المطلقة في الشارع، فيكون السيناريو منهم، والتصوير من عامة الناس.
ليكتشف البطل المنفوخ نفسه في قمة الشهرة وفي حضيض السُّمعة والتورّط، مجرم بأدلة مرئية وناطقة لا تحتاج تحقيقا ولا شاهدا ولا حتى مرافعة محام. تُسكته هذه الصور العابرة للقارات.
من “سنيترة القسنطيني” إلى “هشام الوهراني”، يخرج بعض الشباب من محارة القيم، ويملئون نقصهم بالجرأة على الإثم، وإذا لمسوا بعض الاستسلام أو السلبية من المجتمع، يزيدون خطوة وخطوات، إلى درجة التفاخر بالجريمة، والتنافس على الإتيان بأخطرها، وما عاد يهمّ بعضهم أن تبث “رُجلتهم” على المباشر، فيعرفهم الناس أجمعون، ولو اختفوا تحت الأرض لدلّت على مكانهم، نملاتُ التراب.
بقدر ما تحتاج هذه الآفة إلى ضربات أمنية وقانونية، ضمن عدالة جزائرية تحقق من سنة إلى أخرى مراد الناس، في التشديد على تجار السُّموم ومُرهبي ومُرعبي المواطنين، بقدر ما يحتاج المجتمع إلى هبّة حقيقية لقطع الظاهرة من جذورها.
ومجرد أن يتمكن الناس من تصوير بعض المقاطع ونقلها على نطاق واسع، هو في حد ذاته تشخيص للحالة يصبح العلاج بعدها سهلا وممكنا.
المجرمون تجاوزوا الخطوط الحُمر، وصار بعضهم يفتخر بما يقترفه، من حمل أغرب الأسلحة البيض وتعاطي أخطر أنواع المخدرات، ويبدو أن بعض المواطنين صاروا أيضا يفتخرون بما يقدِّمونه للوطن من تضحيات، من خلال تصوير هؤلاء المجرمين وهم في حالة تلبُّس، مقدِّمين الجُرم وأداة الجريمة والمشهد بالكامل، لرجال الأمن ورجال العدالة والأمة بأكملها.
لقد عانى الجزائري لعقود طويلة من الاستعمار والفقر والإرهاب والفساد، وفي كل مرة يخرج منتصرا، ولا نظنُّ أن هؤلاء الذين نصَّبوا أنفسهم فوق القانون وفوق القيم، قادرون على هزم متمرّسين في حرب المصاعب، وستسقط هذه الآفات ومروِّجوها بعد أن تحرَّك المجتمع وتحركت معه العدالة بأحكامها الصارمة التي لن ترحم مروِّجي السموم ومرعبي المواطنين بعصابات الأحياء أو نسج قانون خاص بهم لإرهاب الناس ومحاكمتهم بالتهديد والتعذيب كما تابعنا عبر وسائط التواصل الاجتماعي.
في أفلام المافيا والوسترن والأكشن، يجد بعض الأبطال الخياليين من مقترفي سرقة الكنوز والبنوك، بعض التعاطف من بعض المشاهدين، لكن في الفيلم الذي كان بطله “هشام الوهراني” مثلا، لا أحد تعاطف معه بل أثار الغضب الدفين وتعالت الأصوات بالقبض عليه ومحاكمته بقسوة ووضعه في السجن بعيدا عن مجتمع يريد أن يستكمل أمنه وتعافيه بالالتفات إلى تطوير نفسه في جوٍّ آمن بعيدا عن أمثال هؤلاء، وللأسف ما أكثرهم، وما أقلّنا.