الرأي

من سيزول من الدول العربية؟

صالح عوض
  • 4671
  • 0

في مفاوضات كامب ديفيد أصر ياسر عرفات على أن لا يوقع اتفاقية سلام يتم بموجبها إنهاء الصراع، ذلك لأنه أدرك أن موازين القوى لا تسمح له بتحقيق الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني، حينذاك تمترس حول موضوع القدس والمقدسات مُبديا تشبثا غير مفهوم من قبل الأطراف العديدة وأمسك بكتف الرئيس الأمريكي ليهزه بعنف قائلا له: “إنها القدس، إنها القدس، وليس من صلاحياتي التنازل عن أي حبّة تراب منها فهي أمانة وضعها المسلمون في عنقي”.. حينذاك أمسكه مدير المخابرات المركزية الأمريكية “جورج تنت” قائلا له بحزم: “أنقذ شعبك فإن المنطقة كلها ستتغير وهناك دول ستزول عن الخريطة في الشرق الأوسط.. فعلى من تراهن؟”.. كان ذلك في سنة 2000 أي قبل ستة عشر عاما شهدت صراعاتٍ وعنفاً وتغييراً في ملامح العمل السياسي في المنطقة.. لم يكن أحد يتخيل ذلك.

وها هو مدير المخابرات الأمريكية السابق (مايكل هايدن) يصرح علنا بعد هذه السنوات: “إن عدة دول عربية ستختفي عن خارطة الشرق الأوسط قريبا”.. “إن هناك دولتين على الأقل ستختفيان من الشرق الأوسط قريبا، وذلك على ضوء اتفاقية “سايكس بيكو” التي تمت بمبادرة من القوى الأوروبية عام 1916 فساعدت هذه الدول النامية في تكوين كيانها” على حد قوله.

وفي تصريحاته لصحيفة “لو فيغارو” الفرنسية أضاف: “لنواجه الحقيقة، لم يعد هناك وجودٌ للعراق ولا سوريا أما لبنان فهي في اتجاه الفشل”؛ مضيفا: “أصبح كل هذا تحت مسميات عديدة فهناك الدولة الإسلامية والقاعدة والأكراد والسنة والشيعة تحت مسمى سابقا سوريا والعراق.. هذه الدول التي وضعت نفسها على الخارطة بمساعدة القوى الأوربية لم تعكس الوقائع على الأرض، والآن تتأكد هذه الحقائق”، مشيراً إلى “أن المنطقة ستبقى في حالة عدم استقرار في السنوات القادمة” وفق تعبيره.

هكذا تصبح الخطة خلف تثوير الشارع العربي واضحة لا لبس فيها، وهكذا يتجلى المقصد الاستعماري الفاسد خلف الحديث عن الديمقراطية والحريات السياسية والاجتماعية.. إنه تفتيت الدولة العربية الوطنية إلى مكوّناتها الإثنية القومية والمذهبية.. ولعل هذا الكلام لم يكن مغيّبا لدى كثيرين من الساسة والمفكرين العرب، ولطالما صرح بذلك مفكرون ومثقفون عرب، منبِّهين إلى حجم المؤامرة الغربية الاستعمارية التي دفعت بالمنطقة إلى أتون الانقسامات والاصطفافات، بدءا بالحرب على العراق وإسقاطه ليبدأ مسلسل الدومينو للدول العربية.

في ظل تفشي روح الانقسام وغياب ثقافة الوحدة وانتشار الوباء التفسيخي المتوحش، يصبح المقصد الغربي الاستعماري سهل الإنجاز، فها نحن في العراق وسورية واليمن ولبنان وليبيا نتوزع على عناوين قومية ومذهبية وطائفية رغم أن الشعب العراقي ضرب أرقى نماذج التماسك والتداخل الاجتماعي عبر مئات السنين، وكذلك الأمر في سورية واليمن التي كانت مثالا للتعايش السلمي والحميم بين كل الفئات المكوِّنة للمجتمع.. إن تسلح الفاسدين المفسدين بالمقولات والعتاد والولاءات الجاهلية غطى المشهد بروح تناحرية كانت هي الوسيلة المثلى بيد المستعمرين لتفسيخ الدولة الوطنية.. ووجد هؤلاء التفسيخيون فرصتهم في إثارة الأحقاد والضغائن بين مكوِّنات الأمة، وطفا على السطح كل مارق يعمم على الناس لغة وثقافة ومصطلحات تجد سبيلها في مناخات الجهل وعدم المسؤولية، وهذا ما يجعل تنفيذَ المخطط الاستعماري أمرا محتملا.

وهنا.. من جديد لا بد من كشف المنطق الاستعماري: هل ستكون سورية والعراق ولبنان آخر الدول المستهدَفة بالإزالة وإعادة تشكيلها على أسس قومية ومذهبية؟ من يعتقد بذلك فهو قاصر النظر ومستحمَر تماما؛ فالمخطط الغربي الذي يستهدف البلاد العربية والإسلامية لن يقف عند حد، لأنه يرى الخطورة الحقيقية على جشعه وهيمنته الشيطانية تكمن في تنامي الدول العربية سكانيا وعلميا وثروة، وهذا يعني أنه لابد من استنزاف الثروة وتقسيم السكان وإلقاء بذور التناحر المستمرّ والمتتالي بين الفئات السكانية.

 ولئن كان العراق قد أصبح عدة كيانات وكذلك إن أصبحت سورية مقسمة على عدة قوى وولايات، فإن الأمر لن يستمر هكذا بسلاسة بل بتذابح وتدمير وصناعة بحور من الدم بين أبناء البلد الواحد.. وستُرسم الحدود بين الشيعة والسنة بالدم، كما تُرسم الحدود بين الكرد والترك وبين الكرد والعرب بالدم، وترسم الحدود داخل اليمن بالدم، وكذلك الحال في ليبيا… وفي هذه الفوضى الخلاقة ستنشأ دول الإثنيات وسيكون لكل واحدة منها امتداداتٌ خارجية وعلاقات دولية وستتحرك إسرائيل بكل قوة للاستثمار في هذا الوضع بعلاقات اقتصادية وأمنية وإستراتيجية.

ليس بالضرورة أن يستطيع أو لا يستطيع الغرب الاستعماري إنجاز خطته، ولكن بالضرورة أن ينتبه مسؤولو البلدان العربية كلها حتى تلك التي لم يصل إليها الوباء الخطير.. إن بلدا كالممكلة السعودية لن يكون في مأمن من محاولات دؤوبة لتفجيره، وما نسمعه مؤخرا وبوتيرة عالية من قبل مسؤولين أمريكان ومرشحي الرئاسة الأمريكية يفيد بأن نيرانا من كل صوب تستهدف المملكة السعودية فيكون المشرق العربي كله قد أصبح تحت طائلة العملية الجراحية لتقسيم مناطقه وشعوبه.. والحديث عن تقسيم المملكة السعودية ليس متسترا بل يتم نشره في شتى الصحف الأمريكية، ومن الواضح حجم المصالح الاستراتيجية الأمريكية والغربية المستفيدة من ذلك، والأمر نفسه عن المملكة الأردنية الهاشمية التي تولدت على أعقاب سايكس بيكو ستجد نفسها أمام تحديات كبيرة وذلك لحل جذري للموضوع الفلسطيني حيث يتم إبراز فكرة الوطن البديل أكثر من أيّ مرحلة سبقت وهذا لا يتم إلا على أنقاض المملكة الأردنية.

إن ما يحصل في سورية أو العراق أو اليمن أو ليبيا يعبِّر بشكل صارخ عن عدم المسؤولية من قبل النظام العربي الذي كان في أحسن أحواله متفرجا نائيا بنفسه عما يحصل، أما أن يتجه البعض إلى صبّ الزيت على النار فذلك كارثة على أكثر من مستوى، ويعبِّر كذلك عن غياب المرجعيات الحقيقية في الأمة؛ المرجعية الثقافية والدينية والسياسية، وترك ذلك كله للشياطين الذين يلبسون لبوس الزيف فيعيثون في عقول الأمة وأرواحها فسادا.

إن دولنا ومجتمعاتنا لم تعد محصّنة بما فيه الكفاية، وتحصينها يبدأ من الضرب بقوة على ألسنة المشعوذين المتطرِّفين، والعمل بقوة من أجل نشر ثقافة التآخي والتوادّ والتراحم وإرساء قيم الوحدة والحياة المتكاملة.. وهنا يتحمّل الجميع مسؤولياته انطلاقا من المسجد ووسائل الإعلام والساسة والمثقفين ولكلّ صنف من هؤلاء مهمات خاصة.. لأن الخطر حقيقي ويستهدف الجميع.. وإذا لم ننهض إلى هذه المهمة وإذا تركنا للمفسخين فرصتهم، فإن على أمتنا السلام وعلى دولنا السلام.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة