الرأي

من كيسنجر إلى كوشنر .. حين تتحول الدبلوماسية الأميركية إلى إدارة أعمال

بقلم: نادية محديد
  • 938
  • 0

قال إنّ «المقال يُقرأ من عنوانه»، وهو وحده يكفي ليفتح كل أبواب التساؤل التي سأحاول تناولها هنا. ما لفت انتباهي خلال متابعتي للبرنامج الأميركي الشهير 60 دقيقة، الذي بثته قناة CBS News مؤخرا، وأثار جدلًا واسعًا في وسائل الإعلام العربية وشبكات التواصل الاجتماعي، هو ما كشفه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، مبعوثا الرئيس الأميركي للشرق الأوسط لوقف الحرب في غزة واللذان شاركا في صياغة خطة السلام في شرم الشيخ، عن طبيعة السياسة الخارجية الأميركية، والتي وصفها كوشنر بمصطلح «الواقعية البراغماتية»

(Pragmatic Realism).

ما شد انتباهي أيضًا، هو أن هذا الإعلان لم يصدر عن وزير الخارجية ماركو روبيو، بل من شخصين أقرب في خلفيتهما إلى عالم المال والأعمال منه إلى السياسة الخارجية التقليدية، مما يجعلنا نتساءل: هل أصبحت السياسة الأميركية تُدار بعقلية رجال الأعمال؟ وهل تحوّلت الدبلوماسية إلى إدارة مشاريع وشبكات علاقات عامة أكثر منها عملًا مؤسساتيًا منظّمًا؟

من هنا انطلقت في البحث والفهم، لأن ما قيل في تلك المقابلة لم يكن مجرد كلامٍ عابر، بل كان بمثابة إعلان غير مباشر عن تحوّل حقيقي في منطق القرار الأميركي، من المدرسة الكلاسيكية القائمة على التحليل العميق والاستراتيجيات، كما كان في عهد هنري كيسنجر، إلى مدرسة الفعل السريع والنتائج المباشرة وما بعد الحداثة (méthode postmoderne)، تلك التي يُجيدها رجال الإدارة أكثر من الدبلوماسيين.

المقابلة كانت مرآة تُظهر كيف أصبحت ملفات السياسة تُدار بعقلية الشركات، بعقلية من يضع “خطة عمل” ويقيس النجاح بالأرقام لا بالتحولات التاريخية أو التوازنات الإنسانية. خطط تذكرنا بتوصيات بعض المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي تقترح على الدول إعادة هيكلة اقتصاداتها مقابل “النجاح” أو “النجاة من الإفلاس”.

لكن في السياسة، لا يمكن إعادة هيكلة وطن أو إقليم كما يُعاد هيكلة شركة، فحين تُطبَّق أدوات الإدارة التجارية على قضايا السيادة والهوية، تكون النتيجة غالبًا اضطرابًا أعمق لا نجاحًا أسرع.

لذا يبدو أن البراغماتية الواقعية دخلت إلى قلب وزارة الخارجية الأميركية، لتقصي، من الباب والشباك معًا، الإطار المؤسسي الكلاسيكي الذي شكّل لسنوات ركيزة العمل الدبلوماسي. نعم، لم تعد هناك مساحة للدبلوماسية العميقة التي تعالج جذور الأزمات، بل حلّت محلها إدارة آنية تركز على الأعراض، تفضّل الهاتف الساخن على التفاوض الطويل، وتختصر الطريق إلى اتفاقٍ مؤقت بدل بناء سلامٍ دائم.

وهنا أجد نفسي أمام سؤال جوهري: من يحدد السياسة الخارجية الأميركية فعلًا؟ هل هو الرئيس ترمب من خلال وزير خارجيته ماركو روبيو؟ أم هؤلاء المبعوثون “الاستثنائيون” الذين يظهرون فجأة، يحملون ملفات ضخمة ويعلنون خططًا لتغيير العالم خلال أسابيع قليلة!

المشهد في المقابلة كان واضحًا: ثقة مطلقة وهدوء في التصريحات، وكأن كل شيء محسوم في أيديهم وحدهم. كما أن مواقفهم وتصرفاتهم خلال المقابلة التلفزيونية تركت أثرًا واضحًا على المشاهدين، الذين فوجئوا بالثقة الباردة التامة التي أظهرها هؤلاء الدبلوماسيون الجدد، وكأن مصير الأمم والمناطق بأكملها بين يديهم، يتحكمون في مجريات الأمور ويحلّون المشكلات وفق صيغ يعرفونها وحدهم.

حتى إنهم خلطوا بين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكأن واشنطن لم تعد تفرّق بين السياقات السياسية والجغرافية المختلفة… إذ استمعت إلى ستيف ويتكوف يتحدث بثقة عن “مهمة لإحلال السلام بين الجزائر والمغرب” وكأن الدولتين كانتا في حالة حرب أو على الأقل، لم تكونا كذلك منذ عام 1963!

لذا، اتساءل: هل يملكون الحد الأدنى من الفهم لتاريخ وجغرافيا المنطقة؟ ألا يدركون أن شمال إفريقيا ليست امتدادًا للشرق الأوسط؟

هذا الخلط لا ينبغي التقليل من شأنه، لأنه يعكس تبسيطًا خطيرًا للواقع السياسي، ومحاولة تطبيق حلول جاهزة مستعارة من مناطق صراع أخرى. فنحن نتحدث عن شعوب خاضت حروب استقلال طويلة، وعن دول تشكّلت بدماء أبنائها وقضت أشواطًا طويلة في بناء الدولة الوطنية، أي أوطانها. عدم التمييز هنا، بين المنطقتين لا يسيء للدقة الجغرافية فقط، بل يُظهر أيضًا تسطحا معرفيًا مقلقًا في تفكير من يُفترض أنهم يديرون العالم.

وفي ذات السياق، هل يعقل أن تُحلّ أزمات تمتد لعقود بنفس طريقة حل نزاع تجاري؟

قضية فلسطين (1947) عمرها أكثر من سبعين عامًا، قضية الصحراء الغربية (1975) تجاوزت نصف قرن، فهل يكفي اجتماع أو مكالمة لإغلاقها!؟

تلك القضايا ليست ملفات إدارية، بل تاريخ وذاكرة وثقافة وهوية وأصحاب أرض. من يتعامل معها بخفة يرتكب خطأً أخلاقيًا، وإنسانيا، قبل أن يكون سياسيًا.

وفي ذات السياق، لا يسعني إلا أن أتساءل: أين هو مسعد بولس، المبعوث الخاص لإفريقيا والعالم العربي؟ لم نعد نسمع له تصريحًا ولا نرى له أثرًا.

هل أُقصي من الصورة لصالح الحلقة الأقرب إلى الرئيس؟ كأن الملفات الكبرى تُدار اليوم بعقلية “صهر الرئيس”، أكثر من تلك التي يتولاها المسؤول المكلّف رسميًا بمتابعة الملف مع الأطراف المعنية. أشعر وكأن واشنطن لم تعد ترى المنطقة إلا من زاوية العلاقات الشخصية، لا من منظور الفهم الميداني للواقع. والنتيجة؟

غياب التنسيق بين المؤسسات وتداخل في الصلاحيات، وكأن السياسة الخارجية تُدار من صالون البيت الأبيض بدل مكاتب الخارجية.

هذه التساؤلات ليست شكلية، بل تمسّ جوهر الدبلوماسية الحديثة: كيف يمكن لدولة عظمى أن تدير ملفات بهذا التعقيد من دون وضوح مؤسسي؟ وكيف يمكنها أن تتحدث عن السلام بينما تغيّب أدواته الحقيقية: الإصغاء والخبرة والتراكم المعرفي؟

كوشنر شرح رؤيته بوضوح: “نحن نعمل مع الأطراف لتحديد أهداف مشتركة”. عبارة جميلة في ظاهرها، لكنها تختزل عملية صنع السلام إلى ورشة إدارة مشاريع.

الواقعية البراغماتية، كما فهمتها من طرحه، تبدو مزيجًا بين الواقعية التقليدية التي تضع مصلحة الدولة وأمنها أولًا، والبراغماتية التي تركز على ما يمكن تحقيقه فورًا، أي المكاسب السريعة. لم يعد الهدف فرض نموذج دبلوماسي أو الالتزام بالمبادئ، بل الوصول إلى “صفقات قابلة للتنفيذ” (stick-and-deal).

وذلك يتم عبر شبكة العلاقات الشخصية، الهاتف واللقاء العابر والمكالمة الودية مع الزعماء، بدل العمل عبر المؤسسات الرسمية. ويبدو أن هذه الهواتف “الحمراء” باتت تعمل أكثر من أي وقت مضى خارج الأطر التقليدية، لتُنجز الاتفاقات بلمسة زر. لكن ما خفي وراء تلك المكالمات ربما أعظم من النصوص التي تُوقّع فوق الطاولات.

المقابلة تكشف عن تغيّر عميق في أسلوب واشنطن، من دبلوماسية العمق والتحليل الاستراتيجي كما كان في عهد هنري كيسنجر، إلى دبلوماسية العلاقات العامة القائمة على الانطباع والسرعة كما يمارسها ويتكوف وكوشنر. قد يمنح هذا الأسلوب البيت الأبيض مرونة أكبر، لكنه يفتح الباب أمام الفوضى والتناقض، لأن القرارات لا تمرّ عبر القنوات التقليدية للمراجعة والمساءلة.

ولست هنا أحكم على هذا الأسلوب بقدر ما ألاحظه كمهتمة بالشأن الدولي، إذ ما يثير القلق فعلًا، أن اللوبيات والشبكات التي كانت تعمل خلف الكواليس صارت الآن تعمل في العلن، وتطرق أبواب الرئيس مباشرة، متجاوزة وزارة الخارجية وكل توازناتها الدقيقة.

من ثم، أصبح واضحا أن الفارق شاسعًا، من كيسنجر إلى ويتكوف وكوشنر. إذ في زمن المحنك والداهية، كانت واشنطن تزن كل خطوة بدقة، تدرس، وتفاوض، وتستمع.

أما اليوم، فهناك استعجال، تداخل في الأدوار، وتصريحات تُطلق بلا حساب. وسياسة العصا والصفقات تلك قد تُحقق نتائج مؤقتة، لكنها تضعف مكانة أميركا على المدى الطويل، وتفقدها هيبتها في العالم.

والشيء بالشيء يُذكر، أستذكر هنا، الدور المحوري لكيسنجر خلال رئاسة جيرالد فورد والدعم الأميركي لتوسع المغرب في أراضي الصحراء الغربية. تحرّك استراتيجي، صامت، وغير معلن، خلف الكواليس لدعم الملك الحسن الثاني، رحمه الله، في مشروعه التوسعي. وما قاله كيسنجر عندها يلخص سياسة بلاده الخارجية آنذاك ولعقود تأتي، وهذا ما كشفته الوثائق الأمريكية التي أُفرج عنها مؤخرا، إذ قال:

“دعونا لا نؤيده (الملك الحسن) علنًا، ولكن لن نوقفه أيضًا.”

أما الآن، هل تحوّل دور المؤسسات إلى مجرد ديكور، فيما تُتخذ القرارات الحقيقية في دائرة العائلة والمقربين؟ إنها صورة تذكّرنا، للأسف، بأنظمة عربية لطالما انتقدتها واشنطن نفسها، حيث يتحكم الأقارب في مفاتيح السلطة، ويتحول القرار إلى شأنٍ عائلي أكثر منه ووطني. علما أن الولايات المتحدة استثمرت سنوات طويلة بعد حرب العراق في إعادة صناعة صورتها وبناء “دبلوماسية ناعمة”، لكن هذه الاندفاعة الجديدة، بعقلية إتمام “الصفقة” و”الإنجاز السريع”، تهدّد بهدم ما بُني، لأن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الوسطاء السماسرة، بل إلى ساسة يدركون أن العلاقات الدولية ليست بورصة للمكاسب بل منظومة قيم وتوازنات ومسؤوليات.

وبيت القصيد

هل ستبقى “الواقعية البراغماتية” نموذجًا طويل الأمد للسياسة الأميركية، أم أنها مجرد تجربة عابرة تُمليها شخصية الرئيس ترمب ومن حوله؟ وكيف ستتفاعل مؤسسات الدولة العميقة مع هذا التحول الذي يهمّشها؟ وهل نحن، فعلاً، أمام ولادة مدرسة جديدة في السياسة الخارجية أم مجرد مرحلة عابرة من الفوضى التنفيذية؟

غدًا، لناظره قريب

مقالات ذات صلة