من هم النّخب والكفاءات؟
يُجمع الجزائريون على أن المرحلة القادمة لا يجب أن يُسيّرها أمثال من”بهدلوا” البلاد في جميع المجالات، وجعلوا أهلها مجرد متفرجين في مسرح عالمي مثّل فيه الجميع دور البطولة، وصعدوا إلى القمة وخطفوا الأضواء، وبقينا هاهنا قاعدين. ويُجمعون على أن الأخطاء السابقة التي منحت فيها السلطة مقاعد القيادة باسم المرجعية الثورية وأبناء الدشرة و”الأقربون أولى بالمعروف” يجب ألا تتكرر. ويخلصون إلى ضرورة التطبيق الفعلي وليس بالقول لشعار الشاذلي بن جديد: “الرجل المناسب في المكان المناسب”، من أجل الوصول الفعلي وليس بالقول إلى شعار عبد العزيز بوتفليقة “العزة والكرامة”، ولكن إلى حد الآن لا يجد الجزائريون من تتوفر فيهم الشروط من الذين يلتف حولهم الناس ويرضون بقيادتهم.
ما نخشاه أن يكون الحراك قد بلغ هذه الدرجة من الوعي وهذا العمر الذي دخل به شهره الرابع، ومازالت ملامح شخصيات المرحلة، لم تظهر بعد، وربما مازال تعريف الكفاءة والنخبة لم يُتفق عليه بعد.
ففي مثل هذه الثورات يصبح الوقت هو العدو الأول إذا غاب الاتفاق على أهل الثقة من الذين يمتلكون الإمكانيات لأن يعطوا للبلاد مفاتيح الخروج من الأزمة المتشعبة التي صحت عليها، بعد أن أبعدت بعضا من الفاسدين عن السلطة وجرّت البعض الآخر إلى المحاكم، ومازالت في كل منعرج تكتشف مزيدا من الفاسدين ومزيدا من آثار فسادهم.
أحسن ما في الحياة ألا يستهلك هدم السيئ الزمن الكثير، والأحسن أن يكون البناء الجيّد، مرافقا للهدم، ولا يمكن أن يبقى الناس يتفرجون على أفراد العصابة وهم يُجرّون إلى المحاكم ويزجّ بهم في السجون وتُحجز ممتلكاتهم الخاصة في منظر يبيّن أن البلاد كانت فعلا رهينة لأخطبوط الفساد، من دون أن نقدّم البديل من رجال المرحلة القادمة الذين يعيدون للناس الثقة، لأن مجرد القول بأنه لا بديل للفاسدين هو يأس لا يختلف عن اليأس الذي عاشه الشعب مع هؤلاء.
تبلورت “عبقرية” النظام السابق في حرق بطاقة ذاكرة الفرد الجزائري، فشلت بدنه وجعلته عدوا لنفسه قبل أن يكون عدوا للنظام، وحاول طوال عقدين من الزمن أن يلعب دور “الأبوة”، حتى توهّم بعض الناس ليس من أهل السلطة فقط، وإنما حتى من الشعب، بأن الحياة ستنتهي لو غاب عبد العزيز بوتفليقة وأن الأرض ستحترق لو سقط النظام، وكأن الملكية الفكرية في السياسة والاقتصاد والرياضة وحتى الفكر، باسمهم.
الخوف من تضييع مزيد من الوقت من عمر الجزائر في تجريب القيادات بين ناقص خبرة وفاشل أو مستنسخ من وجوه النظام السابق، ومن أن يعيد التاريخ البشع نفسه، مفهوم. ولكن وجب التذكير بأن الفراغ هو عدوّ الثورات الأول، لأنه فرصة البشعين لأن يباشروا عمليات تجميلية واسعة، والوصوليين لأن يعيدوا هيكلة أنفسهم، والمتربصين لأن يحوّلوا بعض أفراد الحراك أو بعض مسيراته إلى ما يريدون.
فمن الظلم للجزائر أن نقول بأنها بلد بلا نُخب ولا كفاءات، ومن الغرور أن نظن أن هذه الكفاءات على مرمى البصر والسمع، ولكن الوقت حان لمباشرة البناء بما هو متوفر، وأن نبقى نطالب برحيل الطالح، ولكن ليشغل الصالح مقعده.