الرأي

“من يحكم من” من قتلة المسلمين؟

حبيب راشدين
  • 3115
  • 0

أشهرُ شعار رفع خلال العشرية السوداء بالجزائر كان شعار “من يقتل من؟” لا نعلم يقينا من أطلقه من الطرفين، وقد خدمهما أثناء وبعد الفتنة، بإدخال مجهول إلى معادلة معلومة الأطراف، وقد خرجنا من الفتنة بلا بيان، ولم نتوقف عند بدايتها لتفكيك الشبهة التي أقبلت بها.

نفس الشعار يُرفع اليوم في مختلف مناطق القتل في العالم العربي، ولا أحد سيسأل غدا “من قَتَل؟” حتى وإن كنا نعلم من قُتل، وأكثرهم من الصبية والنساء والمسنين، وقد لاحقتهم الأطراف المجرمة حتى حافة القبر ويوم البعث، فوصفت من وصفت بـ”الشهيد الموعود بالجنة وحور العين”، ومن هم “إلى جهنم واردون” حسب رواية “العربية” و”الجزيرة” هنا، و”الميادين” و”العالم” هنالك، وفي رواية الإعلام الغربي جميعهم محض إحصائيات.

أعظم نجاحٍ تحقق للقتلة الأصليين، أنهم أقنعوا أكثرية العرب والمسلمين أن “من يقتل من؟” هي معادلة معلومة الأطراف، القاتل فيها مسلمٌ متطرّف إرهابي، والمقتول مسلم كان سيصير متطرفا ارهابيا بعد حين، فلا حاجة إلى المماحكة في معرفة القاتل والمقتول. وتلكم خطيئتنا الكبرى، لأننا لم نكلِّف أنفسنا البحث عن القاتل الأصلي في جميع الفتن التي لحقت بالمسلمين في العقود السبعة الماضية، والأخطر من ذلك لم نكلف أنفسنا طرح السؤال الأهم: “من يحكم من؟” ومن كانت له القدرة على إشعال وتغذية هذه البؤر من الفتن بدمائنا ومقدراتنا.

غالبية عظمى من المسلمين تكون قد خضعت بلا مقاومة لأساطير الدجّال، فسلّمت أن القاتل هو ذلك الإرهاب الأعمى، المنقاد إلى فهم خاطئ منحرف للإسلام، ولا ترى حرجاً أن يتولى غير المسلمين تطهير بلاد المسلمين منه، ولو بتطهيرها من المسلمين جميعا، تليها طائفة تعتقد أنها مستنيرة، تلحق بالإرهابيين جميع النخب الحاكمة المستبدة في بلداننا، ورأينا في أحداث الربيع العربي كيف أنها لا ترى مانعا من الاستعانة بغير المسلمين لتخليص بلاد المسلمين من الحكام المستبدين ولو بتسليمها إلى احتلالٍ جديد.

قلة قليلة من العرب والمسلمين لم تسقط بعد في حبال الدجّال، ولا تزال تنظر إلى الصورة الكبرى لعالمٍ إسلامي مستهدَف منذ أكثر من ألف سنة بحروبٍ صليبية متواصلة، تغيّرت فيها الرايات ولم تتغيّر غاياتها، تواصل حرب الإسترداد منذ أن توقفت جيوشُ الفاتحين عند جبال البيريني غربا، وتحصينات فيينا شرقا، قبل أن تُنهي الحقبة الاستعمارية، ثم إسقاط الخلافة العثمانية، الجزء الأهم من حملة الاسترداد، وتنصيب حكام مستنسخين من جينات “حاكم عكَّة” على رأس معظم ما يُسمى اليوم بدول العالم الإسلامي.

ولو أن المسلمين عنوا بطرح السؤال: “من يحكم من؟” لما احتاجوا للمماحكة في السؤال: “من يقتل من؟” لأن الذي يحكم هو الذي بيده إشعال نيران الفتن، وقد أرشدتنا إليه الآية الكريمة من سورة المائدة 64 “… كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين..”، فجاء التحذير منهم في الآية 51 من المائدة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين”. 

 

 

مقالات ذات صلة