الرأي

من يدعي الفهم فهو مخطئ وكاذب!

حفيظ دراجي
  • 8941
  • 38

هنالك أمور كثيرة في حياتنا اليومية تحدث وتتكرر كل يوم في الجزائر وفي كل المجالات، صالحة وطالحة وجميلة وتعيسة، نعرفها كلنا ولا يسع المقام لذكرها والحديث عنها بالتفصيل لكنها تجعل شعبنا يختلف عن غيره، وتجعل معرفة رد فعله وتصرفاته والتكهن بالمستقبل والتحولات المرتقبة أمرا صعبا على كل محلل مهما كان، حتى ولو كان صاحب الشأن وسلطة القرار، ومالكا للمؤشرات والمعطيات الاجتماعية اللازمة، لأن جيل اليوم يختلف عن كل الأجيال ولم ولن نفهمه ولن نقدر على التجاوب معه بالشكل الذي تسير عليه الأمور، ومن يدعي غير ذلك فهو مخطئ ..

هذا لا يعني بأننا لا نملك القدرة على التحليل والتقييم والتقدير لأننا نملك مؤسسات وكفاءات قادرة على ذلك، ولكن الأكيد أننا لا نريد معرفة شعبنا وشبابنا حق المعرفة ولا نعرف طريقة تفكير أبنائنا وحاجياتهم، ولا زلنا منقسمين بين الاعتقاد بأنه شباب ناضج وواع أو أنه متخلف وجاهل، وبين الاعتقاد بأنه طيب أو عنيف، وحساس أو متحمس، وصبور ومتفهم أو عكس ذلك تماما، ففيما يعتقد أخرون بأنه متطرف في الحب والكره، والتسامح والحقد فإن آخرين يقولون إنه من الصعب التأثير عليه وتعبئته وتجنيده .. وبذلك نكون بعد خمسين عاما من الاستقلال وأربعة وعشرين عاما من أحداث أكتوبر قد فشلنا في فهم أبنائنا وحاجياتهم، وفشلنا في ايجاد صيغة التعامل معهم والسبيل إلى خدمتهم ومرافقتهم نحو مستقبل أفضل بأقل الأضرار ..

وعندما نحتار ونفشل في فهم أبنائنا فهذا لا يعني أيضا بأن المشكل في شبابنا الذي لا يعرف ماذا يريد وأين يتجه وماذا يفعل في ظل الاختلالات الموجودة.. بل المشكلة فينا وفي منظومتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، والمشكلة في أسرنا ومدارسنا وجامعاتنا، وفي مساجدنا وجمعياتنا وأحزابنا، وفي بعض الوزارات والإدارات والمسؤولين الذين يتذكرون الشبان عندما يحتاجون إلى أصواتهم في المواعيد الانتخابية دون أن يجدوا حلولا لمشاكلهم في السكن والشغل والتربية والهوية، ودون القدرة على التواصل والحوار معهم والإصغاء إليهم لرسم معالم مشروع المجتمع المناسب وايجاد الحلول لكل المشاكل، فتعمقت الهوة بينهم وتراكمت المتاعب، واستمر العجز والفشل واليأس ..

لا أدعي بدوري معرفة طبيعة شعبنا وشبابنا وحاجياته لأنني أصغر من ذلك بكثير، ويكذب من يدعي ذلك لأن شبابنا فئات وأعمار وشبان وشابات وثقافات وعادات، وجمهورنا جماهير متنوعة، ومن مستويات مختلفة ومناطق عديدة تختلف حسبها الحاجيات والأولويات، ولكننا لا نختلف بشأنه بأن المحن والمتاعب المشتركة عبر السنين علمته كيف يتصرف ويتفاعل وعلمته حب الوطن والتعلق به والصبر على الشدائد والصعاب مهما كانت، وعلمته الترقب والانتظار وتفهم الصعاب والظروف التي يمر بها الوطن..

لكم أن تعتقدوا ما شئتم وتصفوا شبابنا بما أردتم من الصفات والنعوت الطيبة والخبيثة وتلصقوا به كل التهم المشينة لكنه ليس ساذجا أو غبيا أو متهورا .. بل هو واع بما يدور من حوله ومن فوقه ومن تحته، وبالتحديات التي تنتظره ولكم أن تستعيدوا شريط التاريخ وما فعله إبان ثورة التحرير وثورات التشييد وفي الخامس أكتوبر 88 وفي أم درمان وأيام المحن والزلازل والفيضانات وفي كل الاستحقاقات الوطنية، لتفهموا بأننا لم نقدر على فهمه ولسنا في مستوى تطلعاته وطموحاته، ونحن مخطئون ونكرر أخطاءنا ونصر عليها كل مرة دون أن نحفظ الدرس ..

مقالات ذات صلة