-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من يقف خلف داعش؟ سؤال عقيم

الشروق أونلاين
  • 2917
  • 12
من يقف خلف داعش؟ سؤال عقيم

من مظاهر الخصومة السياسيّة المتحولة إلى تخندق ومعسكرات، أو تلك المتحولة إلى صراع هويات، أو القائمة عليها، أنّ كلّ مكرهة يُجمَع على نبذها، والنفور منها، تُفسَّر بنسبتها إلى الطرف الخصم. والحقيقة أنه يجري تجنب تفسيرها بإلقائها على الطرف الآخر، فيما يبدو رشاقة وخفة يد، وهو، في الحقيقة، بلادة وخفة عقل.

 وحتى الثقافة العليا لا تنجو من هذه النزعة. ففي أوروبا منتصف القرن الماضي، مثلًا، ساد إجماع بين الأعداء الفكريين والسياسيين، من اليسار الثوري واليمين المحافظ، على النفور من الظاهرة النازيّة والأيديولوجيّات الفاشيّة.

وتجد في أدبيات الفكر الاشتراكي الشيوعي تنظيراً متشعّباً، يعتبرها ظاهرةً من ظواهر

الرأسماليّة الاحتكارية المتأخرة، في حين أن المحافظين تناولوها كنتاج ارتدادات الثورة الفرنسية والبلشفية، وقاربها الليبراليون كإحدى تشعبات الفكر الاشتراكي تارة، ومن إفرازات الفكر القوميّ المتطرف أطواراً.

واعتبرها بعض المنظّرين اليهود مترتبة على نزعة خلاصية، ولا سامية، بنيوية قائمة في المسيحية. ليس الحديث، هنا، عن تراشق إعلامي على “فيسبوك” و”تويتر”، بل عن مدارس فكريّة شغلت المثقفين، وتغلغلت حتى في مراكز البحوث وأقسام الجامعات.

وتبادل اليمين واليسار التهم بالمسوؤلية عن نشوء النازية. وعموماً، لم يتمكنا من رؤية أن الظاهرة تجمع أسوأ ما في كل منهما، إضافة إلى تقاليد أخرى، وظروف خاصة بكل بلد.

وإذا كان هذا حال الفكر ونظريات العلوم الاجتماعيّة، حين تنتمي إلى معسكراتٍ، فما بالك بالتراشق بالترهات والشائعات غير المفحوصة، وسيول الشتائم والهجائيات بين المنتمين إلى معسكراتٍ طائفيّة سياسيّة، سواء أكانت هذه الطائفيّة دينيّة أم أيديولوجيّة؟ وإذا أضيفت إلى هذا كلّه تركيباتٌ من نظريّة المؤامرة أو العقل التآمري، تكون النتيجة تحليلات هي محاليل خيميائية، وتهويمات من النوع الذي يزعم أنه تفسير لظواهر اجتماعية مركبة وخطيرة، مُجمع على نبذها والخوف منها في مجتمعاتنا.

يكاد يسود إجماعٌ على النفور من ظاهرة مثل “داعش”، والتقزز من ممارساتها. ولا طائل من وراء مسعى فهم الظاهرة مما ينشر في فضاء المحاور السياسيّة الطائفيّة القائمة، إذ تجد نفسك تقرأ وتسمع الغرائب. فوراء كلّ حادثةٍ تكمن مؤامرة، وخلف كلَّ واقعةٍ يقبع جهاز مخابرات.

معارضو النظامين، السوري والعراقي، وجزء كبير من ضحاياهما، يتهمون إيران وسوريّة بصناعة الظاهرة وتمويلها وتوجيهها، لأنها تفيدهم في تجييش طوائفهم خلفهم، وفي تخريب الثورات التي بدأت مدنيةً ديمقراطيةً، ولأنها أداة إيضاح ناجعة لحتمية التخيير المهول بين الاستبداد والإرهاب.

وكل هذا صحيح، ولكنه يدخل في باب المستفيد من الظاهرة، القادر على استثمارها إلى حد معين. وهذا لا يعني أن المستفيد هو الفاعل. أمّا مؤيدو هذه الأنظمة وأتباعها فيتهمون السعوديّة وأميركا وقطر، وغيرها، بتمويل “داعش” وتسليحها، في حبكة درامية من نظريات المؤامرة. وتتعدد النسخ المعدلة من هذه النظريات، فمنها “الأصلي” والمنقح، والمغلّظ والملطّف، والمتطرف والمعتدل، ولكن الأساس يبقى واحدًا، اتهام الخصم بأنه مصدر كل شر، بما في ذلك هذا الشر.

لا يحتاج إدراك هذا الواقع إلى فطنةٍ وذكاء، إذ تكفي لمحةٌ من زاوية نظر خارج المعسكرات، لإدراك أن كل طرف يتهم الآخر بالمسوؤلية. ولكن، ما فقد في هذه الأثناء، لا تكفي نظرة لاستحضارة، إنه فهم الظاهرة فعلًا. فقد نُزِعَ منها بعدها التاريخي، وانتُزعت هي من سياقها الاجتماعي. وسدّت طريق الفهم بالشائعات والمؤامرات، وقُطِعت بالتخيّلات والعصبيات؛ والذاكرة انتقائية قصيرةٌ، تتحكم بها مزاجياتُ اللحظة ووسائل الإعلام، ويُعاد إنتاجها وتصميمها، بما يلائم المزاج والهوى وسوء الظن وحسن الظن.

لا السلفيّة الجهادية ولدت اليوم، ولا نسختها الداعشية الدموية التي بزّت، في قسوتها، جميع تياراتها، وليدة السنوات الثلاث الماضية؛ ولا يمكن فهمها من دون فهم الاستبداد وأساليبه في حالاتٍ مثل العراق وسوريّة، والتزاوج بين الفكر الديني السياسي وتصدير أنماط السلفيّة من الجزيرة العربية في عهد الطفرة النفطيّة، وفشل الدّولة الوطنيّة في القضايا الرئيسيّة المتعلقة بالفقر والتنمية والمواطنة وحقوق المواطن، وعجزها عن إدارة العلاقة بين الهويات المختلفة، الوطنيّة والقوميّة والدينيّة والإثنيّة، وفشلها في عملية بناء الأمة.

وتصويرياً، يمكننا، مثلاً، أن نتخيّل إنساناً مر بأهوال سجون حكم البعث العراقي أو السوري، ثمّ عاش في ظل الاحتلال الأميركي الهمجي وحاربه، ثم ذاق مرارة السجن في ظل نظامٍ طائفيٍّ سياسيٍّ بغيض،مثل نظام المالكي، بحيث أتت كل واحدة من هذه التجارب على مساحة خضراء في نفسه، وطمست لوناً من صورة الإنسان فيه؛ وعليه أن يدرس، أيضاً، لقاء التدين السياسي مع أنماط من السلفيّة في إنتاج السلفية الجهادية، وأن يتعامل مع مسألة الانفجار الديمغرافي والبطالة والتعليم، والهجرة من الريف إلى المدينة، وهجرة الشباب من بلدانهم بعد أن ضاقت بهم السبل، والتقاء هذا كلّه مع وسائل الاتصال الحديثة.

لقد عرفت بلدانٌ عربية إقامة الحدود بقطع الرؤوس والأيدي حتى فترة قصيرة، كما عرفت الرجم… وعرفت بلدان أخرى ذبح الجيران بالسكاكين في الحروب الأهلية (بدون يوتيوب) قبل نشوء داعش بفترة طويلة، وعرف غيرها التعذيب الوحشي في السجون الذي فاق خيال الروائيين… وعرفت البلدان العربية ظاهرة الأفغان العرب، وظاهرة الانشقاقات في التيار الإسلامي الرئيسي، إبان القمع والتعذيب في السجون، والتحوّل إلى تكفير المجتمع واللجوء إلى السلاح، مرورًا بالصراع مع الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، والاستبداد الذي يتخذ منحىً طائفياً في صنع الولاءات.

تعيش داعش في الفراغ الذي خلفه فشل الدولة، لكنها لم تأت من فراغ.

من يريد أن يشرح ظاهرة داعش لا بدّ أن يفهم ما جرى في العالم العربي في العقود الأخيرة، فقد نمت في زواياه المظلمة، وساحاته الخلفية، وعلى تخوم الكوارث والمناطق المنكوبة، ووجد من استثمر هذه الحركات واخترقها واستفاد منها. ولكن تشخيص المتضرر والمستفيد لا يفسّر بيئتها ومنشأها وديناميكيتها الداخلية ومصادر قوتها وضعفها.

إنها نفس المجتمعات التي أنتجت شباناً يبحرون في قوارب الموت المتهالكة، من جنوب المتوسط إلى شماله، هرباً من اليأس، ها هي تنتج شباناً يمتطون سيارات دفع رباعية تنهب الأرض في الصحارى، هرباً من خراب اليقين إلى يقين الخراب.

وبعد قرونٍ من صحوة الدين في بداوة القرن الثامن عشر، على تخوم الدولة العثمانية وما قبل الدولة، نشأ تديّن أعرابٍ من نوع جديد. لقد لفظتهم الدولة، ولم تستوعبهم المواطنة، إنهم يهيمون على وجوههم بين الدول، وقد خلعوا عنهم الانتماء الوطني، يحملون دين بداوةٍ جديد، ويهدمون أي معلم حضاري يصادفهم في طريقهم. إنه دين العدمية الأخلاقية، والتعصب العبثي الذي يحلُّ محلَّ الأخلاق الفردية والجمعية، والانتماء إلى جماعة ومكان، والذي يحل حتى محل الدين الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق ويمدّن الأعراب.

لم تنشأ هذه الحركات في ظل نظام ديمقراطي، ولا في ظل ثورة ديمقراطية، بل نشأت في ظل الاستبداد والاحتلال، وعنف النظام الوحشي ضد الثورات. ولا شك لدي في أنها قوى زائلة، بحكم مخالفتها منطق العصر والتاريخ، وتناقضها مع حاجات الناس ومتطلباتهم، وصدامها مع طبائع البشر في المجتمعات العربية المتمدنة.

 

 

نقلا عن موقع: العربي الجديد http://www.alaraby.co.uk

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
12
  • Baki

    معضم الشباب اليائس من الأمة العربية لو يجد الفرصة فى الانضمام الى منضمة مثل داعش يقبل بسهولة لكى ينتقم من كل شى فى بلاده من ادارته من سياسيه حكاما ومعارضة من تجاره من شرطته من،، ،،من ،،ومن اذا كان هذا صحيح فتحليل السيد بشارة منطقى وصائب وفى المستوى.
    الحل بصيط جدا العدالة الاجتماعية فى بلداننا (المسلمة) وكل شئ يعود الى مجراه الطبيعى بدون اى فلسفة زائدة والسلام.

  • halim

    عزمي بشارة...عراب "الثورات" ام المفكر العربي"الكبير". انشري يا شروق.

  • mokrane

    داعش يا أخي بإختصار صناعة أمريكية صهيونية غربية عرابية فقط لإسقاط سورية لأنهم وظفوا جميع الوسائل لإسقاط النظام السوري لكنهم لم يفلحوا وها هم الآن اخترعوا طريقة أخرى اما الذين يقولون أن أمريكا ها هي تقصف مواقع داعش فهذا كذب فهي تفعل ذلك لتمويه فقط.

  • قادة

    عزمي خسارةلا يتكلم عن الهوى بل هو يتكلم مايملى عليه من الوراء من مصادر البيترودولار الخليجيةومنهااقطر.كلامه صائب وفيه من الحق الاهو يريدبه باطلالانه غير بريء من اجل التضليل عن خبث بعض دول الخليج اذناب الصهاينةوالامريكان.داعش حقيقةصناعة امريكيةبشهادةوزيرةالخارجيةالامريكيةالسابقةكلنتون لكن مايقوله عزمي خسارة:"بأنهانشأت في ظل الاستبدادوالاحتلال،وعنف النظام الوحشي ضدالثورات.او افقه في الاستبدادوالاحتلال.اماالثورات لاوالف لا لان الثورةتغيروضع سيئ باخر احسن منه ولاتؤدي الى مسح دول من الجغرافياوالتاريخ

  • توفيق الجزائر

    ... العيب فينا ، ونلوم غيرنا ،،، هذه هي الحقيقة التي نرفض الاعتراف بها ، لضعفنا ، ولقلة حيلتنا ،، ابتعدنا عن قرأننا وسنة نبينا ،فضلت بنا السبل ،،، فقدنا بصرنا وبصيرتنا ،، ففقدنا بوصلة الحياة . .. الاسلام بريء من ما ينسب له ،، و بقية الاجناس بريئة من التهم التي نلصقها بهم ،، نحن المستضعفون المقهورون المتخاذلون الكسالى الذين شوهنا صورتنا وشوهنا صورة انتمائنا الاسلامي والعربي

  • الدد

    مقال المفكر عزمي بشارة يتمحور حول مسلمة واحدة ، وهي أن موارد يعتمد "داعش" البشرية هي نتاج انظمة عربية قمعية، لكنه سعى وبقصد الى اهمال موارد هذه "الظاهرة" المادية، بمعنى أنه لم يكلف نفسه عناء الحديث عن الظهور الصاروخي لتنظيم خرج من بطون منطقة ينخر الصراع اوصالها لسنوات. المفكر يعلم علم اليقين كيف نشأت هذه "الظاهرة"، ومن يحرك خيوطها ويمولها، لكنه في هذا المقال يحاول تمرير فكرة، أو لنقل تلميع صورة الداعمين الاساسيين لداعش وابعاد الشبهة عنهم.

  • المشاكس

    للأسف مقال المفكر عزمي بشارة مبطن يحمل اتهاما غير صريح للاسلام بخلق التطرف. داعش لاتمثل الاسلام دكتور عزمي.كما أن حماس لاتمثل الاسلام. والمسيحيون عرفوا طوال فترات التاريخ أكثر من داعش واخواتها.لكن للاسف كما عهدناك تكتب بلخلفيات الدينية.

  • عبد الله

    الواقع يثبت أن قصة " داعش البغدادي " أصبحت شبيهة بأسطورة الوحش الذي صنعه الدكتور "فرانكشتين" في الرواية الشهيرة لــ"ماري شيلي " حيث كان قصد الدكتور "فرانكشين " في الاصل أن يثبت قدرة العلم على معجزة الخلق لكن القصد خاب ووقع فعلا ان الحياة المصنوعة هددت صانعها واضطر العالم الدكتور الى تدمير الوحش الذي صتعه وذلك بالضبط مايجري الآن من أحداث فالبغدادي ليست له قوة وحش "فرانكشتين " فهو على وجه القطع لايستطيع أن يخطط أو يدير أو يسيطر على عمليات من نوع خاص جدا ثم إن العلاقة بين الخالق والمخلوق علاقة أبدي

  • عقبة

    هذا تحليل منطقي ورائع. أعجبني فيه : "وهذا لا يعني أن المستفيد هو الفاعل."

  • saad

    لذا كانت داعش صناعة اميركية فلماذا قصفت طائرات امريكية داعش بالامس , اظن و الله اعلم ان داعش خرجت الى العلن بهذه الشرسة نتيجة ظلم الشيعة للسنة خاصة في العراق ثم لا ننس ان اغلب عناصر داعش من الجيش العراقي السابق الذي كان من بين اقوى الجيوش العربية لولا الخيانة التي تعرض لها

  • قادة

    داعش منظمةاجرامية من صناعةصهيو- امريكية و تمويل سعودو-خليجيةومتبنية فكريا من السلفيةالجهاديةالارهابيةالعالميةولاتقوم بارهابها و ارعابها لخلق الله الا في البلاد العربيةالاسلاميةولم نرى لهامكان في مواجهةالامريكان في احتلالهم للعراق ولا الجهادفي فلسطين ولامواجهة اعداء الامةمن غيرالعرب والمسلمين.فمن يفعل ذلك من اين هو ياترى ومن يكون؟فالجواب بسيط جدا ولا يحتاج لالتحليل ولا لتبرير لمايقوم به هؤلاءالارهابيون من قبل مؤيديهم.فهم صناعةصهيو-امريكية وهلاري كلنتون اقرت بذلك في كتاب لها والاسلام بريء من شرهم.

  • محمد عبد الرشيد

    مقال في العمق من كشف الظاهرة , كما هي عادة الأستاذ بشارة , لا شيء غير الحرية وتطبيق الشورى والديمقراطية لخلق الأنسجام المطلوب بين الفرد المواطن ونفسه , وبين أفراد المجتمع فيما بينهم وفيما بين الدولة .