-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جذورُ الهيمنة الفرنسية على المخزن المغربي

جذورُ الهيمنة الفرنسية على المخزن المغربي

تُقدِّم العلاقات الفرنسية- المغربية نموذجا صارخا لما يمكن تسميته في أدبيات السياسة الدولية “البراغماتية الفجة”؛ وهي تلك الحالة التي تُجرَّد فيها العلاقات بين الدول من غطائها الأخلاقي والشعارات البرّاقة حول “الحرية والديمقراطية والشراكة المتكافئة”، لتتحول إلى شبكة معقدة من المصالح المباشرة وتبادل المنافع الضيقة على حساب المبادئ والقوانين الدولية.
في جوهر هذه العلاقة، لا نجد تحالفا مبنيا على القناعات أو التضامن القيَمِي، بل نجد تلاقيا وظيفيا بين طرفين يحتاج كل منهما للآخر لتغطية نقاط ضعفه وثغراته الجيوسياسية. فرنسا، التي تواجه انحسارا تاريخيا ونزعا متزايدا لنفوذها التقليدي في إفريقيا وتعيش أزمات هيكلية داخليا وإقليميا، تجد في مملكة المخزن تحديدا نقطة ارتكاز حيوية وواجهة خلفية لتعويض خسائرها وضمان موطئ قدم في القارة السمراء، خاصة بعد طردها من الساحل مؤخرا. وفي المقابل، يجد النظام المخزني في باريس، بما تمتلكه من وزن دبلوماسي وحق الفيتو في مجلس الأمن، مظلةً سياسية وحاميا استراتيجيا يغطي على ملفاته الشائكة وتجاوزاته الأمنية والدبلوماسية.

فرنسا، التي تواجه انحسارا تاريخيا ونزعا متزايدا لنفوذها التقليدي في إفريقيا وتعيش أزمات هيكلية داخليا وإقليميا، تجد في مملكة المخزن تحديدا نقطة ارتكاز حيوية وواجهة خلفية لتعويض خسائرها وضمان موطئ قدم في القارة السمراء، خاصة بعد طردها من الساحل مؤخرا. وفي المقابل، يجد النظام المخزني في باريس، بما تمتلكه من وزن دبلوماسي وحق الفيتو في مجلس الأمن، مظلةً سياسية وحاميا استراتيجيا يغطي على ملفاته الشائكة وتجاوزاته الأمنية والدبلوماسية.

إن هذه الديناميكية تبدو في ظاهرها شراكة متينة، لكنها في العمق تُدار بمنطق التغاضي التكتيكي والابتزاز المتبادل؛ إذ يُغمض الطرفُ الأول عينيه عن الفضائح الأمنية واختراقات التجسُّس العابرة للحدود، مقابل أن يضمن الطرف الثاني تدفُّق العقود الاستثمارية المجزية، وامتيازات الشركات العابرة للقارات، وضبط ملفات الهجرة والأمن الساخنة. وفي هذا المزاد السياسي، غالبا ما تكون التكلفة مسحوبة من رصيد الأطراف الأخرى في المنطقة، أو على حساب الاستقرار الإقليمي ومبادئ السيادة والشفافية.
وقد تأسست هذه الشراكة على قاعدة غير معلنة مفادها: تغطية الثغرات مقابل استمرار المنافع؛ لتتحول العلاقات بين باريس والرباط إلى التحام براغماتي محكم، يسعى فيه كل طرف إلى استغلال حاجة الآخر، وتوظيف نقاط ضعفه لانتزاع مكاسب جيو إستراتيجية واقتصادية لا يمكن تحقيقها في ظروف التنافس الشفاف والممارسات الدولية السوية.
وتتكشف طبيعة التحالف العضوي بين باريس والرباط عن وجهها الأكثر قسوةً حين يتعلق الأمر بملف المعارضة المغربية؛ إذ تحولت الأراضي الفرنسية -التي طالما قُدِّمت تاريخيا كـ”عاصمة للجوء وحقوق الإنسان”- إلى بيئة طاردة وغير آمنة لأي صوت يُناهض المؤسسة الأمنية أو سلطة المخزن. وفي هذا السياق، لم يعد التضييق على المعارضين مجرد اجتهادات إدارية، بل إستراتيجية ملموسة تعكس حجم التنسيق الأمني والسياسي بين الطرفين، وتكشف كيف أضحت فرنسا تُضحي بحماية قاطنيها بل وحتى حاملي جنسيتها للتغطية على ثغرات حليفها الاستراتيجي وضمان استمرار المصالح المشتركة.
وتتجلَّى هذه الحقيقة الصارخة في حالة البطل العالمي والملاكم السابق زكرياء مومني؛ الذي ورغم حصوله على الجنسية الفرنسية وتواجدِه على التراب الفرنسي، لم يجد في باريس المأمن الكافي من الملاحقة والاستهداف والتضييق، مما اضطره للفرار مجددا نحو كندا لطلب اللجوء السياسي هناك.
إن لجوء مواطن يحمل الجنسية الفرنسية إلى دولة غريبة ككندا هربا من تحالف الضغوط المغربية- الفرنسية يُعدّ معلما فارقا وفضيحة حقوقية؛ فهو يُثبت عمليا أن مظلة المواطنة الفرنسية سقطت تماما أمام النفوذ الاستخباراتي والأمني للمخزن داخل العمق الفرنسي.
وفي المقابل، تتأكد هذه الصورة من الزاوية الأخرى عبر مأساة المؤرخ والأكاديمي الدكتور المعطي منجب؛ الذي يواجه المنع التعسفي من السفر والملاحقات القضائية والتضييق المستمر داخل المملكة، بالرغم من حمله للجنسية الفرنسية ورابطته العائلية المباشرة؛ إذ تعيش زوجته الفرنسية مع أبنائها في فرنسا. إن هذا الصمت والتجاهل الرسمي من قبل الخارجية والحكومة الفرنسية تجاه معاناة أحد مواطنيها المحتجَزين في حكم “الممنوع من الحركة”، يُبرهن على أن فرنسا اختارت طواعية غضَّ الطرف وتجريد مواطنيها من حقوقهم السيادية والحماية الدبلوماسية، تجنبا لتدهور علاقاتها المعقدة مع الأجهزة الأمنية المغربية.
تُشكل هاتان الحالتان نموذجا حيا لـ”البراغماتية الفجة” التي تحكم هذه العلاقات؛ إذ أصبحت الأراضي الفرنسية ساحة مفتوحة للنفوذ المخزني، ويُترك فيها المعارضون والمواطنون مزدوجو الجنسية بين خياري التهجير الشامل نحو بلدان أخرى ككندا، أو الصمود الأعزل تحت وطأة التضييق داخل المغرب، وسط صمتٍ رسمي باريسي يشتري الشراكة الاقتصادية والأمنية على حساب مبادئ السيادة وحماية المواطنين.
لم تكن “البراغماتية الفجة” التي تطبع العلاقات الفرنسية- المغربية اليوم وليدة أزمات سياسية طارئة أو نتاج تقاطع مصالح عابر، بل هي امتدادٌ لتلاحم وظيفي وتاريخي قديم يعود بناؤه إلى بدايات الهندسة السياسية لشمال إفريقيا بُعيد مرحلة الاستقلال الشكلي. إن قراءة التحالف بين الإليزي والمؤسسة المخزنية تقتضي العودة إلى الكواليس الاستخباراتية الشائكة التي شُيّدت عبرها دولة “الاستعمار الجديد، إذ ظلّت فرنسا تؤدّي دور الراعي والاستراتيجي الكفيل، بينما يضطلع المخزن بدور الأداة والوكيل المحلي الحارس لمصالح الغرب والنفوذ الباريسي في المنطقة.
ولعلّ المحطة الأبرز والتجسيد الصارخ لهذا التنسيق العضوي تجلى في جريمة اغتيال الزعيم الوطني الكبير وأستاذ الرياضيات، المهدي بن بركة عام 1965؛ تلك الفضيحة التاريخية التي لم تكن لتحدث لولا الخديعة الفرنسية والتآمر المباشر بين أجهزة المخابرات في البلدين. لقد استُدرج بن بركة -الذي كان يشكل رمدا في عين النظام الملكي وعقبةً أمام المخططات الاستعمارية- إلى قلب العاصمة باريس تحت غطاء لقاء سينمائي وثقافي، لتتلقَّفه الأيدي الأمنية الفرنكوفونية وتسلّمه مباشرة لرجال المخابرات المغربية بإشراف مباشر من الجنرال محمد أوفقير وأحمد الدليمي. وإنّ اختفاء جثته إلى اليوم ومحو أثره يظل شاهدا أبديا على “جريمة دولة مشتركة”، دفن الطرفان أسرارها في صناديق استخباراتية سوداء، لضمان عدم افتضاح حجم الاختراق والمشاركة الفرنسية المباشرة في تصفية المعارضة المغربية.
إن قضية بن بركة لم تكن استثناءً، بل كانت النموذج التأسيسي لمعادلة حكمت العلاقة لعقود: توفير الغطاء والاستدراج والتسهيلات اللوجستية من الطرف الفرنسي، مقابل تنفيذ المهمة القذرة وحماية المصالح الإستراتيجية من الطرف المخزني. عبر هذه الآلية، استمرَّت باريس في التعامل مع المخزن كعلاقة “السيد بالوكيل”، إذ تُغضّ الأبصار عن تصفيات الحسابات، والاختطافات، والانتهاكات الأمنية، طالما أن الوكيل يضمن استقرار المنظومة، ويكبح القوى الوطنية المعارضة، ويحافظ على الهيمنة الاقتصادية والثقافية لفرنسا.
تُثبت هذه الشواهد التاريخية أن التحالف الحالي ليس سوى استمرار حتمي لتاريخ طويل من التواطؤ؛ تاريخٍ صاغته أجهزة المخابرات في الغرف المغلقة، وأُسِّس على جماجم الشرفاء والمعارضين، لتبقى باريس والرباط مرتبطتين بـ”حبل سُرِّي أمني” يجعل حماية النظام واستمراريته أولى من القوانين والسيادة والمبادئ الأخلاقية.
يقدِّم التحليل السياسي والتاريخي للعلاقات الدولية شواهد مستمرة على كيفية انعكاس توازنات النفوذ والهيمنة البنيوية بين القوى السابقة ووكيلاتها الإقليمية على مختلف الأصعدة؛ إذ تترجم الأدبيات السياسية هذه الحالية بمفهوم العلاقة غير المتكافئة التي يتعذر فيها على الطرف التابع الخروج عن المدار المفتوح له من قِبل الطرف المهيمن.
وتُقدم سياسات الحدود وإجراءات التأشيرة بين الدول انعكاسا مميزا لطبيعة التوازنات الهيكلية في العلاقات الدولية، إذ تتجلى الفوارق في موازين القوى وحجم “اللا تكافؤ” بين الدول من خلال كيفية معاملة مواطني كل طرف على أراضي الطرف الآخر.
في هذا السياق، يُشكل نموذج حركة الأفراد بين فرنسا والمغرب مثالا واضحا على هذه الفجوة التنظيمية والرمزية؛ فمن جهة، يتمتع المواطن الفرنسي بحرية الدخول إلى الأراضي المغربية بمجرد إبراز جواز سفره دون الحاجة لاستصدار تأشيرة دخول مسبقة، وبسقف مفتوح للتدفقات السياحية والاستثمارية يُرافقه تسهيلٌ إداري واسع واستقبالٌ يحتفي بحضوره الاقتصادي والخدماتي.
وفي المقابل، يواجه الرعية المغربي منظومة صامتة وشديدة التعقيد للوصول إلى التراب الفرنسي؛ إذ يخضع مسار الحصول على “تأشيرة شينغن” لسلسلة طويلة من الاشتراطات الإدارية، والرسوم المرتفعة، ونسب الرفض المتزايدة التي تجعل الحصول على حق التنقل أمرا شاقا وغير مضمون.
تُبرز هذه المفارقة الإدارية والدبلوماسية كيف تُترجم المفاهيم السياسية حول “الشراكة المتكافئة” إلى واقع عملي تًفرَض فيه شروط الطرف الأقوى تنظيميا واقتصاديا، لتظل حركة البشر شواهد حية على اختلال موازين الحركة والنفوذ بين الضفتين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!