من يقول كلمة حق في “الرقية”؟
اسمه معمّر شارف، يقطن بقلب الأوراس، أب، مهووس بمستقبل ابنه، الذي اجتاز امتحانات نهاية السنة الدراسية الابتدائية، اقتنع بأن ابنه مصاب بمسّ من الجن والسحر، ولا يمكن له النجاح من دون أن ينسف هذا الجن الذي نال من عزيمة ابنه.
حمل رغبته الجامحة، الممزوجة بالجهل، إلى مدير التربية بولاية باتنة، وحاول أن يقلب بطلبه “قدسية” الامتحانات الرسمية رأسا على عقب، عندما أصرّ على أن يرافق ابنه إلى قاعة الامتحان، الذي أجري يوم الأربعاء، راق، أسماه بالشرعي، يجلس إلى جانبه يقيه من مسّ الشيطان ويبطل فعل السحر الذي زلزل تفكيره وجعله لا يقدر على الإجابة، ولكن مدير التربية، استغرب طلبه ورفضه جملة وتفصيلا، لأن الطلب لا يستند إلى مبرر علمي، وحتى ديني، في مجال علمي، وقد يفتح أبواب المدارس للدجل، وتدخل جحافل الجهلة، لمحاربة جيوش الجن، التي احتلت المدارس ليس في شهادة التعليم الابتدائي وإنما المتوسط والبكالوريا وفي الجامعات.
إلى هنا تبدو الحكاية عابرة، وسينساها أهل بلدة الشمرّة، في ولاية باتنة، كما نسوا الكثير من الحكايات، ولكن مفتش المقاطعة التعليمية تدخل بـ”حزم”، وأجبر إدارة مدرسة الشهيد لعور لونيس، على فتح أبوابها، لأحد الرقاة الذي تنقل رفقة التلميذ “المسحور”، ومارس الرقية في ساحة المدرسة، ووجد إلى جانبه المئات، أو الآلاف من الرقاة، الذين انتشروا في الجزائر، وصار عددهم يفوق عدد الأطباء.
لا يهمنا في هذه الحادثة إن كان الطفل “المسحور”، سيمضي عمره الدراسي مرفوقا برقاة البلاد في المتوسطة والثانوية والجامعة، ولا يهمنا إن حوّل بقية تلامذتنا فشلهم الدراسي ورغبتهم في التوقف عن الدراسة، إلى زعم المسّ والسحر، ولكن ما يحيّرنا هو صمت الطبقة المثقفة والمتعلمة والأئمة إزاء هذا الانزلاق، الذي هدّم ما بناه الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي عانى في آخر أيامه المرض، ولم نسمع عن لجوئه إلى راق، وعانى أهله المرض، ولم نسمع عن ممارسته للرقية، وهو حافظ كتاب الله، وصلى بالناس التراويح، ولم يبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة.
لقد قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ميزان التفوّق العددي لقريش في معركة بدر، بخطط حربية وعزيمة وإيمان صحابته الأخيار، من دون أن يرقّي أحدا من جنوده، وقلب خسارته في معركة حنين، إلى انتصار بفضل تضحيات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم نقرأ خبرا عن عرض الصحابة للرقية، وبلغ أبو حامد الغزالي وفخر الدين الرازي وابن خلدون وابن سينا والفرابي والإدريسي وابن الهيثم والخوارزمي آفاق العلوم والمعارف، ولم نسمع عن استعانة أي منهم بالرقية في مساره العلمي، ويصرّ بعضنا على أن يجعلوا الرقية الشرعية، مهنة تمارس في كل زمان ومكان، وتعوّض العلم والطب، في بلد بلغ عدد أدمغته المهاجرة إلى الخارج أكثر من عشرة آلاف، وعوضّهم بـ”رقاة” غالبيتهم غيروا اسم الشعوذة إلى رقية، وهم يعلمون والمستنجدون بهم يعلمون.