مهالكُ الطغيان
هنالك حالة نفسية أصابتنا بمرض “القابلية لتصديق الأكاذيب الكبرى”، خاصة تلك التي تدفعنا لنؤخر دفع ما يستحقه تحرير أرض عزيزة بقيمة فلسطين. متى وضع “النتن ياهو” والصهاينة أقنعة ليرفعوها؟! الصهيونية احتلالٌ استيطاني يريد البقاء إلى الأبد ولو كلّفه ذلك قتل شعب بأكمله، هذه هي الحقيقة المرة التي لا نريد استيعابها وتحمُّلَ أعبائها.
من ترامب إلى محمد
لن تقوم لدولة فلسطين قائمة ما دام على رأسها -يقول رئيس حكومة العدو- وهذا محض خداع، لأن رؤساء الحكومات الصهاينة كلهم جزّارون ويسعون سعيا حثيثا لإقامة “إسرائيل الكبرى”، على أنقاض دول نائمة أو خانعة أو لا تبالي أن يُستباح حماها. أهل غزة الأباة أعطوا جرعة حياة طويلة المدى لأمتنا من دمائهم الطاهرة الزكية كيما تصحو وتنهض، ولا بد لها من القيامة ولو طال الأمد، وللأمد انقضاء.
كل شيء يتغير بسبب الحرب على غزة حتى الولايات المتحدة تتغير، بشهادة ترامب: (من ترامب إلى محمد). وأهلنا في أراضي 1948 لا يزالون يتقاسمون تركة أوسلو التي أكل عليها الدهر وشرب. ما أسهل أن تلعب النرد وأنت في حي يسيطر عليه “بابلو إسكوبار”، ولكنك لن تستطيع أن تفعل ذلك وأنت في قصبة علي لابوانت والعربي بن مهيدي. ولن يكتب التاريخ أسماء أحزاب وتجمعات عربية داخل الخط الأخضر يصعب عدُّها كما يصعب حفظها، لأنه سيتولى العناية باسم واحد سيبقى يجلجل عبر الأجيال هو “غزة”.
لا يبدو أن نقص الذخائر وحدها من سينهي حرب الولايات المتحدة على المنطقة أو أي حرب أخرى، خاصة وأن المخزون “السخي” من الذخائر الذي يقدَّم للصهاينة كيما يقتلوا أهلنا في غزة ولبنان لا ينضب. هنالك وسائل أخرى تطيل أمد الحروب إلى عشرات السنوات كما حدث في العراق وأفغانستان، كالحصار، وتجميد الأموال، ودعم المليشيات المسلحة، والاغتيالات، والعقوبات… وما بقي آخرون يدفعون كلفة الحروب ولو بلغت التريليونات.. فأي استثمار أفضل من هذا للولايات المتحدة؟
إذا كانت إيران وحدها تقاتل في هذه المعركة واستطاعت أن تكسر زخم الحملة الأمريكية الجديدة على المنطقة، فما بالك إذا تحالفت دول المنطقة المسلمة كلها على ذلك وتحكمت في التجارة العالمية من حيث الطاقة والمضايق؟ ثم ما مصير التحالف الثلاثي للدفاع المشترك الذي أعلِن عنه مؤخرا؟ هل يستطيع حماية التجارة وممراتها إذا تقهقرت الولايات المتحدة وسحبت قواتها؟ ستزداد شهية المستشرفين لمستقبل الأنظمة في الخليج بعدما تُعرَّى عن الحماية الغربية التي راهنت عليها منذ زمن طويل.
تعددت الفرضيات وشردت بعيدا، الممرُّ الفاصل بين المملكة المغربية وسبتة المحتلة تتحكم فيه الأجهزة الأمنية من الجانبين، وإن جلَّ من عبر إلى المدينة الساحلية من المواطنين المغاربة. ولا ريب أن السلطات المغربية على علم بذلك وسهَّلت الأمر أو حضَّرت له بهذه الهجمة الكثيفة، والتي فاجأت الإسبان وربما عدّوها سرب أسماكٍ ثمينة لحاجتهم إلى العنصر البشري عمالة وتجنيدا لحروب قادمة كمرتزقة أو مجنَّسين. وإن كل هذا الجدل يُطوى طي الكتاب من ناحيتنا نحن كأمة مسلمة، لأن سبتة ومليلية وغيرهما من جزر مغربية محتلة لا بد وأن تعود إلى حجر المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم بطريقة أو بأخرى.
“غزوة” سبتة ستُنسى وتُنسى تداعياتها لما هو قادم. لقد بدأ نجم أوروبا التي نعرفها بالأفول منذ عقد أو يزيد، بعدما طوّقتها المحن والحرائق والفتن، وأغرت المهاجرين بها فاستسهلوا العبور إليها، ولا تملك أوروبا العجوز مع هذا البلاء سوى الاستسلام لهذا القدر المحتوم. وإن تعجب فعجبٌ غفلة هؤلاء الزاحفين إلى جنة الأحلام عن أمر آخر ذي بال؛ لقد تراجعت الرفاهية التي كان يتباهى بها الأوروبيون على الأفارقة والآسيويين تباهيا ولَّد عقدة نقص حقيقية لدى هذه الشعوب في الفترة الماضية؛ ففي الوقت الذي لا تزال أحلام الحياة الأوروبية تداعب مخيلة الشباب الطفولية، وتدفعهم إلى المضيِّ قُدما نحو البحار المهلِكة لنيل هذه الحظوة، يتآكل الاقتصادُ الأوروبي بقوة، وتنتشر البطالة بكثرة، وتتدحرج الأوضاع إلى العسكرة بسرعة، وتقلُّ الخصوبة وتزداد الشيخوخة. وكأن الأقدار تقول للفارِّين من بلدانهم المسلمة من أجل الحياة الدنيا: لن تنالوا خيرا مما تريدون، ما دمتم على خطى أجدادكم لا تقتفون.
العدلُ والمُلك
في الوقت الذي تتصالح فيه الحكومة السورية مع القيادة الروسية التي تأوي بشار الأسد وبعض أركان حكمه، وتستبقي نفوذا روسيا محدودا قابلا للتمدد والتقلص على إيقاع المصالح المتقلبة للدولتين خاصة في القاعدتين حميميم وطرطوس، يُلقى للناس هذا الحكم المتوقع بحق حليف روسيا والفارّ إليها بشار الأسد. وبغضّ النظر عما ارتكب المحكوم عليه من جرائم تستحق الإعدام، فإن هذا الحكم أتى غيابيا وستعاد محاكمته حينما يُقبض عليه ويُجلب للعدالة كما هي الإجراءات الجزائية السارية المفعول، كما أنه لا يجوز قتل النفس بالنفس إلا بحكم مستمدٍّ من الشرع الحنيف لا من القانون الوضعي المطبَّق حاليا، وهو ما لم يبيِّنه منطوق الحكم القضائي.
وللمفارقة فإن قتلةَ الشعب السوري من الروس طيارين وضباطا آمرين لا يزالون يستمتعون بإقاماتهم في القاعدتين على الساحل السوري آمنين، ولو كانت محاكمة الرئيس المخلوع جدية لكانت حدثت مقايضة، رهينة بمثلها، وهي مقايضة لا تزال متاحة بين أيدي السلطات السورية حتى اليوم، وهي ما تعني الشعب السوري لا مراكز التدريب المشتركة بين القوات الروسية والسورية.
العدلُ هو أساسُ الملك وليس الإنماء الاقتصادي، الذي هو وجهٌ من وجوه الحكم الراشد لا أساسه. وإن قتل نفس واحدة بغير حق كقتل الناس جميعا، في ظرف تحتاج فيه سورية إلى كل قطرة دم ورشحة عرق. إن عودة العائلات وأبنائها إلى أهاليهم وعشائرهم من مخيم أبي الهول يرفع الظلم عن ضعفة الخلق، أما المجندون في تنظيم “داعش”، فدونهم أعمال كفائية هم عنها لاهون، ومن يريد التمكين لدين الله عليه أن يبدأ بدفع شر الشرين؛ التمدد الصهيوني على أراض سورية ورفع القهر عن إخوان العقيدة في فلسطين. أما استنزاف القوات السورية فلا مسوغ شرعي له، بل هو انحرافٌ عن حقيقة الجهاد.
هنالك ذهنية مسيطرة على التفكير الرسمي المستبد، الذي يخاف من الحقائق العلمية ومن النقد الموضوعي، وتراهم من فرط مكابرتهم وعنادهم يقلِبون الحقائق ويضخِّمون الإنجازات ويخفون المعايب والإخفاقات، بل ويتأبطون شرا بكل من يصر على مواجهتهم بالأخطاء. إنه إذا استمر مصير مصر بأيدي هؤلاء المنكرين لتغير المناخ وارتفاع منسوب البحار، فلن تغرق الإسكندرية وحدها، بل ستغرق مدنٌ كثيرة بالسواحل الجنوبية للبحر المتوسط، وستغرق معها الأصول التي استحوذ عليها الفاسدون، وسينجّي الله الذين آمنوا وكانوا يتقون.
إذا كانت إيران وحدها تقاتل في هذه المعركة واستطاعت أن تكسر زخم الحملة الأمريكية الجديدة على المنطقة، فما بالك إذا تحالفت دول المنطقة المسلمة كلها على ذلك وتحكمت في التجارة العالمية من حيث الطاقة والمضايق؟ ثم ما مصير التحالف الثلاثي للدفاع المشترك الذي أعلِن عنه مؤخرا؟ هل يستطيع حماية التجارة وممراتها إذا تقهقرت الولايات المتحدة وسحبت قواتها؟ ستزداد شهية المستشرفين لمستقبل الأنظمة في الخليج بعدما تُعرَّى عن الحماية الغربية التي راهنت عليها منذ زمن طويل.