الرأي
في ذكرى رحيله العاشرة

مهري يفكك معضلة السياسة اللغوية في الجزائر (2/2)

لمباركية نوّار
  • 1254
  • 0

يتابع الأستاذ عبد الحميد مهري تفكيك معضلة السياسة اللغوية في الجزائر، وينتقل إلى ملف مطلب اللغة الأمازيغية بكل تشعُّباته وهواجسه، فيؤكد أن الأصوات التي تنادي به وتناصره وتعمل من أجل تثبيت وجوده قد تعالت وزادت حدة منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي من بعد حركة ما يُعرف بـ”الربيع الأمازيغي”. ولم يحجب الإماءة إلى المخاوف التي يحتمل مرافقتها لهذا المطلب. وحتى لا يبقي الحبل على الغارب، كما يقولون، فإنه يحدد هذه المخاوف من غير أن يضخمها. ويشير إلى أن هناك محاولات تختفي وراءه إذا أُسيء توظيفه، وترمي إلى إحداث فالق يفرق بين اللغة العربية وقريباتها في المنبت وشريكاتها في التاريخ، وهذا ما يعبر عنه في قوله: (وهناك المطلب الأمازيغي، أو مطلب اللغة الأمازيغية. فهذا المطلوب موجود على الساحة، ومتبلور بالأخص منذ الثمانينيات. واصطدم هذا المطلب في جانب منه بالخوف في أن يستعمل كأداة لتمزيق الوحدة الثقافية أو وحدة البلاد بصفة عامة. وفي اعتقادي أن هذا الخوف مبالغ فيه مع أنه لا ينكر أن هناك محاولات لاستعمال المطلب الأمازيغي المشروع هذا الاستعمال، ومصدر هذه المحاولات كلها تأتي، وهو مسجّل ومكتوب، في المسعى الفرنكفوني الذي يريد إيقاع القطيعة بين اللغة العربية ومحيطها الاجتماعي سواء الأمازيغي أو العربي العامّي). (ص: 15)

ولكي لا تتيه السبل بدعاة مطلب اللغة الأمازيغية، يحاول الأستاذ عبد الحميد مهري أن يرسم لهم الطريق الذي ينبغي السير فيه حتى لا ينفلتوا من عقال الوطنية، ويتسبّبوا في شج لحمتها وتمزيق نسيجها. ويضع في منطلق هذه الطريق علامتين بارزتين للاهتداء بهما واتقاءً لانحراف الأقدام والتدحرج مع اتجاهات رياح الأهواء، ويشرحهما فيما يلي: (والطرح الصحيح لهذا المطلب يجب أن ينطلق من أمرين في اعتقادي:

ـ الأول: ينطلق من عقيدتنا وتراثنا واعتبارنا لموقف الإسلام من اللغات واختلاف الألسنة والألوان. بمعنى أن هذا الاختلاف اللغوي في حضارتنا شيء أساسي، والنظر إليه بهذا المعنى هو الكفيل بمواجهة الاستعمالات السلبية التي يراد زرعها فينا.

ـ الثاني: إن أي توجُّه ديمقراطي حقيقي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المطالب النابعة من صميم المجتمع، أو من صميم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع. ولا شك أن محاولات الإيقاع بين اللغة العربية واللغة الأمازيغية هو نفس محاولات التقسيم الذي يقوم به الاستعمار في كل قطر وفي كل زمان يطغى فيه). (ص: 15 و16)

لا يريد الأستاذ عبد الحميد مهري أن ينهي كلامه حول هذا المطلب، أي المطلب الأمازيغي، من دون أن يمحض دعاته بنصيحة موجزة يعلنها في قوله: (والمهم في رأيي هو أن يُؤخذ هذا المطلبُ بشحنته المهذبة، وأن يوضع على أساس الرغبات الحقيقية لأهله والناطقين به). (ص: 16)

لا يتجاوز الأستاذ عبد الحميد مهري اللهجات العامّية المستعملة في التخاطب اليومي بين الجزائريين وفي تواصلهم. وبذلك يرفع الغطاء عن الطرح الملغم فيما يتعلق بوضع اللهجات العامية، والتي يراد لها أن تحلّ محل اللغة العربية الفصحى رغبة من بعضهم في الوصول إلى إخلاء الساحة وتعبيد الطريق أمام اللغة الفرنسية حتى تنتشر وتسود. وهو ما يعبِّر عنه بالقول: (وهناك أيضا، لا أقول مطلب، ولكن واقع اللغة العامّية أو لغة الخطاب اليومي. وهو أيضا واقع لغوي لا يمكن تجاهله، ولا يمكن تجاهل ما يراد من مناورات عن طريقه. وهناك الطرح الخاطئ والمغلوط الذي يدعو إلى استعمال العامّية بديلا عن اللغة العربية الفصحى، وهناك من جهة تجاهل واستخفاف بواقع لغوي من صميم تراثنا). (ص: 16)

يقف الأستاذ عبد الحميد مهري في   موقف المدافع عن اللهجات العامية اعتبارا لمزيتها ولقربها وتقاطعها مع اللغة العربية الفصحى مبيّنا حضورها الزاخر في الثقافة وفي الأدب، ومشيدا بما امتدحه بها ابن خلدون حتى يقيم الحجة على معارضيها. وهذا ما نستشفّه من قوله: (وهذا الوضع اللغوي الهام ـويقصد العاميةـ يمثل من الناحية الأولى الربط بين الناطقين باللغة العربية في جميع أنحاء الوطن. كما أن كل علماء اللغة متفقون أن العامّية العربية رغم اختلافها ورغم اختلاف لهجاتها ظلت واحدة. وظل الناطقون بها قادرين على التفاهم بشيء من التجانس والملاءمة. وهي عنصرٌ هام أيضا في صورة المجتمع وفي ثقافته وفي أدبه. وفي اعتقادي، أن الذي نفذ ببصيرته إلى هذا الموضوع هو ابن خلدون لما تعرّض للشعر العامّي والشعر الملحون، وأشار إلى أن بعض المعلمين لا يعتدّون بهذا الشعر ولا يعتدّون بقيمته، ويحكم ويقول إن هذا الشعر أصيلٌ والفساد في أذواقهم). (ص: 16 و17).

يدافع الأستاذ عبد الحميد مهري عن اللهجات العامية، ولا يقبل أن توضع في خانة الإهمال وأن تُترك في هوامش التجاهل، وإنما ينبغي أن تكون مستهدَفة بالتطوير والإنماء والإثراء طالما أنها تمتلك ميزة المرونة، ويفصِّل ذلك في السطور الموالية: (لأن هذه اللغة قد تتطوّر نظرا لما عندنا من تطور تكنولوجي ووسائل التبليغ، وفيها ذخائر لا يمكن أن نستغني عنها لإثراء الفضاء اللغوي والثقافي في العالم العربي). (ص: 17). وينبه إلى الامتناع عن مواصلة تسليم هذا الدور إلى ذوي الأهداف المغرضة والنيّات الخبيثة، ويحذر، أيضا، من محاولة استبدال اللغة الفصحى بالعامّية. ويوضح فكرته هذه في قوله: (لكن يبقى أن هذه العناية التي يتولى أمرَها الكثيرُ من المستشرقين لغاية أخرى يجب أن تقف عند خط واضح. وأن الطرح الذي يرمي إلى تعويض العامّية باللغة العربية هو طرحٌ خاطئ. لأن العامية لا تستطيع أن تقوم بالوظائف حتى تصبح فصيحة، وتصبح في درجة تُخرجها عن لغة الخطاب اليومي). (ص: 17 و18).

تربَّع مطلب اللغات الأجنبية في محاضرة الأستاذ عبد الحميد مهري على أوسع مساحة من الحديث بسبب تعدُّد عناصره وكثرة أوهام المغالطات والاستدلالات الزائفة التي ترافقه. ويستهل المرور إلى هذا المطلب بقوله: (وهناك مطلبُ اللغات الأجنبية، وهذا المطلب مليءٌ أيضا بالمغالطات مع أن حضارتنا وأصولنا وماضينا يُثبت أن العرب والمسلمين استطاعوا أن ينفتحوا على الحضارات واللغات التي كانت سائدة، واستفادوا منها… ولهذا أساسا ليس هناك رفضٌ أو انكماش أو انغلاق على اللغات الأجنبية في حضارتنا وثقافتنا). (ص: 18)

كان الأستاذ عبد الحميد مهري صريحا وواضحا في تشخيص واقع اللغات الأجنبية في الجزائر، ولم يتردد في التلويح بيده إلى من عمل ويعمل على فرض نظرته في هذا الباب. ونجده يقول: (وإنما التجربة القاسية، تجربة فرنسا كوّنت بعض العُقد، وأيضا بعض الأطروحات التي تخلط بين ما يمكن أن تقوم به اللغاتُ الأجنبية من وظائف مكمِّلة وبين الهيمنة للغةٍ واحدة مازالت القوى التي فرضتها بالأمس تسعى إلى فرضها اليوم بطرق مختلفة). (ص: 18 و19).

ينفي الأستاذ عبد الحميد مهري عن الجزائريين انصرافهم عن تعلّم اللغات الأجنبية نفيا قاطعا، ويدحض فكرة الابتعاد عن محاولة إتقانها مستعينا بملاحظاته المعيشة ميدانيا في مساره المهني الطويل. وفي نبرة الواثق من نفسه يقول: (ولا أعرف -على طول اتصالي بميدان الثقافة وميدان التعليم- جزائريا واحدا يُنكر أو يتصدى لتعليم اللغات الأجنبية، حتى أن بعض المشايخ المتزمِّتين في كثير من الأحيان أشهد إنهم كانوا حريصين على تعليم أبنائهم اللغات الأجنبية. لكن هذه الصورة التي تعطى للخارج بأن هناك فريقا من الجزائريين  يعادون تعليم اللغات الأجنبية هي صورة خاطئة ومضرّة بالبلاد). (ص: 19)

إن أي توجُّه ديمقراطي حقيقي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المطالب النابعة من صميم المجتمع، أو من صميم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع. ولا شك أن محاولات الإيقاع بين اللغة العربية واللغة الأمازيغية هو نفس محاولات التقسيم الذي يقوم به الاستعمار في كل قطر وفي كل زمان يطغى فيه.

يغوص الأستاذ عبد الحميد مهري في شرح مشكلة تعلم اللغات الأجنبية في الجزائر، ويكشف عن زيف عللها وعن بطلان آراء المائلين المتحيزين في أقوالهم ومخططاتهم عن جادة الصواب. ويورد في هذا المضمار ما يلي: (وللخروج بصورة واضحة عن هذا الموضوع، نبدأ بفصل اللغات الأجنبية وحتى الفرنسية عن الفرنكفونية التي هي في أساسها سياسة لغوية وضعتها الحكومة الفرنسية والمجتمع الفرنسي. وانطلقت هذه السياسة من مطالب فوقية، وهي المطالب المهيمنة والمستمرّة إلى حد اليوم بأشكال مختلفة. والمثقفون الذين يتبنّون مطلب اللغات الأجنبية في مواصلة تأصيل الجزائر اللغوي يتجاهلون أن سياسة الفرنكفونية وُضعت لفرنسا ووُضعت لإشعاع فرنسا في غيرها من البلدان. وهي بالفعل تتوسل بكل الوسائل لفرض الهيمنة. وبودي لو تتاح الفرص للتعمق في هذه النقطة بالذات؛ لأن فيها ما كتب مستفيضا في إستراتيجية تمكين اللغة الفرنسية خارج الحدود الفرنسية؛ فعلى سبيل المثال هناك أحد منظري الفرنكفونية له بحث حول إستراتيجية العمل للتمكين للّغة الفرنسية، وجاء فيه من الضروري أن نصل إلى وضع تكون فيه اللغة الفرنسية هي لغة النخبة، وأن تكون اللغة الفرنسية هي لغة الخطاب في المحافل الدولية، وأن ندعو إلى ازدواجية اللغة في المغرب العربي وإلى تعدّد اللغات في أوروبا. وازدواجية اللغة في المغرب العربي تجعلنا وجها لوجه مع اللغة العربية فقط. أما الازدواجية في أوروبا فاللغة الانجليزية تستطيع أن تحل محلنا. ولهذا ندعو إلى تعدُّد اللغات. ويقول أيضا: يجب أن نحدث الانطباع بأن اللغة الفرنسية هي لغة العلم والتقنيات). (ص: 19 و20).

يحث الأستاذ عبد الحميد مهري على مقاومة انحياز وجهات النظر المعروضة من الطرف الآخر، ويحذر من التسليم بها كأمر واقع وقبوله على علله وشبهاته وخدعه، وينص في كلامه على المجابهة الندية لإبطال سيطرة اللغة الفرنسية بالقول: (إذن، بقدر ما هناك من استمرارية في سياسة إبقاء الهيمنة للغة الفرنسية في مناطق العالم التي كانت فرنسا تحتلها، بقدر ما هناك من إمكانات لمجابهة هذه الخطة بطريقة مدروسة). (ص: 21)

أملي أن تكون هذه القراءة قد ألمّت بجلّ الأفكار التي جاءت في محاضرة الأستاذ عبد الحميد مهري. واعتقد أن تحليلاته ستبقى من بين أهمّ الكلمات المضيئة والمفيدة التي نستنجد بها كلما وضعنا ملف السياسة اللغوية في الجزائر على بساط البحث والمناقشة.

مقالات ذات صلة