مواطنون يقتنون المكسرات والشوكولاتة الأوروبية بـ”الكريدي”
صارت ظاهرة “الكريدي” في المحلات التجارية الخاصة ببيع المنتجات الغذائية عادية، فالمواطن يضطر أحيانا لقضاء بعض احتياجاته أثناء مروره بأزمة مالية خانقة من عند أحد التجار أو محلات المقربين منه على أن يستوفي دينه عندما يتيسر حاله، غير أن الغريب أن بعض المواطنين تخلوا عن فكرة الضروريات في “الكريدي” ليتصدر التبناج والمكسرات والشكولاطة قائمة الطلبات، خاصة في المناسبات الدينية والميلادية.
تجاوزت الطلبات على “الكريدي” حدود المعقول في بعض المحلات التجارية، فبعد أن كانت تقتصر على الأساسيات التي قد يحتاجها صاحب المنزل وليس بإمكانه الاستغناء عنها كالكبريت والملح والزيت والحليب فكان يطلبها على خجل ومضض، فإنه في وقتنا الراهن لم يعد المواطن يجد أدنى حرج في اقتناء الكماليات بالقرض.
هذا ما وقفنا عليه خلال تواجدنا في أحد المحلات لبيع المواد الغذائية في حسين داي، حيث رحنا ندردش رفقة البائع “محمد” عن طبيعة المقتنيات غير المدفوع ثمنها والمدوَّنة في دفتره العتيق والذي تغير لونه إلى الأصفر وتطايرت أوراقه لقِدمه، حيث أكد لنا أن المواطن صار يعشق المظاهر والتباهي حتى وإن لجأ إلى الاستدانة فقط كي لا يكون أقل شأنا من جيرانه، مستطردا انه في ليلة رأس السنة الميلادية وصلت قيمة البضاعة التي منحها لزبائنه “كريدي” إلى أكثر من 5 ملايين سنتيم، وجميعها عبارة عن كماليات كان بالإمكان الاستغناء عنها، حيث فتح “محمد” أمامنا دفتره وراح يقلِّب صفحاته المتناثرة، فمثلا هذه عائلة “ك” أخذت مجموعة من المكسرات متمثلة في اللوز، الفول السوداني، حلوة الترك، 6 علب شكولاطة سويسرية وألمانية فاخرة وعلبتي “حلقومة” اسبانية، بالإضافة إلى العصائر والمشروبات الغازية وقد بلغت ديونهم 7 آلاف دينار جزائري في ليلة رأس السنة فقط.
واستمر صاحب المحل يقلب في صفحات دفتره ليتوقف عند عائلة “ص” والتي كانت مقتنياتها أغرب من سابقتها، فقد ضمت كمية كبيرة من الجبن الأبيض والأحمر والفطر، وأسماك مجمدة بمختلف أنواعها بالإضافة إلى ثلاثة كيلوغرام من الجمبري و”الفانديس”، وهو نوع من الحوت المقطع والمغلف بالخبز الجاف، وهو ما يعني أن عشاء الاحتفال كان بحريا وعبارة عن أسماك، وإلى جانبه مكسرات وحلويات وشكولاطة، بل حتى أكياس “الشيبس” تمَّ أخذها بـ”الكريدي” أيضا، زيادة عن المشروبات. وتشابهت بقية القوائم الأخرى، ورغم أن قيمة القرض قد تقلّ أو تزيد، لكنهم جميعا يشتركون في اقتناء الكماليات و”التبناج”، ويقول صاحب المحل: أن البعض من أصحاب الديون وعدوه بسدادها بمجرد أن يقبضوا مرتباتهم، إلا أن هذا لا يعني أنهم لن يقتنوا كماليات أخرى في المناسبات المقبلة، فبالتأكيد سيجددون طلباتهم في مناسبة رأس السنة الأمازيغية والمولد النبوي الشريف، فالبعض منهم يسدد دين الشهر، ومباشرة يأخذ أغراضا أخرى على شكل قروض، مردفا أن هناك من يشتري الفواكه بـ”الكريدي”، فلقد صار الأمر ظاهرة مرضية تخطت حدود المعقول، فحتى الجيران فيما بينهم يستعيرون أغراضا كمالية فقط من أجل التباهي والتفاخر.
إلى ذلك، دعا الشيخ “جلول قسول” إمام مسجد القدس بحيدرة، المواطنين إلى الاعتدال في المصاريف وفقاً لإمكاناتهم المادية لقوله عز وجل “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”؛ فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها، واضطرار المرء للاستدانة من أجل اقتناء الضروريات مكروه في الدين، فإذا توفي صاحبُه قبل أن يسدده يُحاسَب عليه، لذا يتعجل أقاربه تسديده قبل الصلاة عليه، وهذا حكم الضروريات، فما بالك بالكماليات، يكمل الشيخ “قسول” حديثه، على المؤمن الاكتفاء بالضروريات فقط وفقا لمدخوله وقدرته الشرائية.