مواطنون يودّعون “الكماليات” والمقاهي تشتكي هروب زبائنها
قبل أن تطلب الدولة من المواطنين التقشف، بادروا هم بطريقتهم الخاصة بعملية شدّ الأحزمة، وهناك من العائلات من دبّ الخوف في قلوبها، قبل أن يدبّ في قلب السلطة، التي أبدت عدم الاهتمام بعد هبوب النسائم الأولى للأزمة، فحضّروا أنفسهم جيدا لكل الصدمات الممكنة، وكل حسب إمكاناته المادية.
وبعيدا عن الدولة التي أسرفت في إنفاق المال العام ومازالت، فإن الجزائريين يعترفون جميعا بأنهم نسوا أنفسهم وانصهروا في البحبوحة المالية التي مسّت فعلا شريحة كبيرة من المواطنين، بدليل أن حظيرة السيارات مثلا، صارت مزدحمة بقرابة ثمانية ملايين سيارة، أي بمعدل سيارة لأقل من أربعة مواطنين جزائريين، وهو معدل لم تسجله الكثير من البلدان الأوروبية التي تنتج السيارات، وبدليل تواجد ما لا يقل عن ثلاثة ملايين فيلة في الجزائر، أي بمعدل فيلا واحدة لكل عشرة أفراد أو لكل عائلتين .
كما أن أرقام الاستهلاك من الطعام ومن اللباس ومن الأدوية تضاعفت بأرقام فلكية، وكلها بملايير الدولارات، ولكن الواقع اختلف بعد انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، حيث لن يجد المواطنون المال لأجل عيش هاته البحبوحة، التي لم تظهر على الطبقة الثرية وإنما امتزجت مع عادات الطبقة المتوسطة، سيجرّها بالتأكيد لأن تعيش هذه المرة حسب إمكاناتها، وليس مطاولة للأثرياء.
وداعا للكيوي وأيام الاستجمام طويلة المدى
قدّم شهر رمضان في نسختيه الأخيرتين واللتين تزامنتا مع شهر الحرارة نماذج من البذخ، تجاوزت المعقول إلى درجة أن بعض العائلات وهي ليست من الثرية، صرفت ما لا يقل عن خمسين مليونا في الشهر الواحد، وكلها صٌرفت في مختلف المعاجن والطواجن من خلال “عزومات” واختيار الأطعمة غالية الثمن، كأن تذبح الخرفان في كل أسبوع أو أقل، وتصنع البوراك بالجمبري الملكي، واقتناء الكافيار، وغيرها من الفاكهة القادمة من القارات الخمس.
وإذا كان الجزائريون إلى غاية نهاية الألفية الماضية لا يعرفون عن فاكهة الكيوي مثلا إلا اسمها، فإنهم جميعا تناولوها الآن برغم سعرها الذي لم يقل أبدا عن 500 دج، ولكنهم بعد أن وصل خنجر الأزمة المالية إلى حلقهم كما ـ يقول محمد يوسفي ـ وهو مهندس في الثالثة والأربعين من العمر، مطالبون الآن بتغيير ريجيم أكلهم، فأرقام المصابين بالسكّري التي فاقت الثلاثة ملايين مصاب، حسب أرقام رسمية، ما كانت لتكون لولا انتقال التغذية الجزائرية من حدود الجوع إلى التخمة، بدليل ازدحام محلات المرطبات بشكل دائم، رغم ارتفاع أسعارها التي وصلت إلى رقم 100 دج للقطعة الواحدة.
وبالرغم من أن أساليب الأكل هي عادات من الصعب تغييرها، إلا أن غالبية المحلات التجارية لاحظت عزوف المواطنين عن الشراء بنفس السخاء، كما فقدت المقاهي الكثير من زبائنها أو قلت حركتهم حيث صار يكتفي الزبون بارتشاف فنجان قهوة مدمن عليه، وتخلى عن بقية الطقوس التي كان يقوم بها في المقهى من تعاطي الشاي والشيشة والمشروبات الغازية وحتى الأكل، كما رصد “علي بوشارب” صاحب مقهى ظل يشغّل أربعة شبان وقد يستغني عن بعضهم إن زاد تقشف الزبائن عن حدوده، وسيجد أصحاب محلات الشواء والأطعمة الخفيفة أنفسهم مضطرين للتعامل مع الوضع الجديد، لأن أكل الشوارمة بعيدا عن وجبتي الغذاء والعشاء، وأكل الشواء والبيتزا من دون مبررات أو حاجة بيولوجية لن يكون له فائدة، أمام مستقبل مبهم إن لم نقل مظلم بالنسبة للجزائريين بعد أن تزعزع مصدر رزقهم الوحيد، وهو برميل النفط.
وعلى بعد بضعة أيام من الاحتفال بالسنة الميلادية الجديدة، وجدت الفنادق والمطاعم الفاخرة، صعوبة كبيرة في إقناع الزبائن لقبول عروضهم الاحتفالية، وهناك بعض الفنادق الفخمة ألغت حفلاتها بسبب نقص توافد المحتفلين مقارنة بالسنة الماضية بالرغم من أن الأثرياء الكبار لم يغيروا أسلوب حياتهم، وطاروا إلى عواصم العالم وأكبر فنادقها لأجل ما يسمونه بليلة العمر، لكن الطبقة المتوسطة التي سافرت في نهاية السنة الماضية، والتي قبلها إلى اسطنبول وإلى دبي وماليزيا، لأجل الاحتفال بنهاية السنة الميلادية، تابت هذا العام بسبب الصعوبات المالية المحتملة مع بداية السنة الميلادية القادمة، كما اعترفت السيدة “لبنى عويني” التي تمتعت العام الماضي رفقة ابنتها صاحبة الأربعة عشر سنة بأربعة أيام من الأحلام في دبي.
وتفتقد تونس الآلاف من السياح الجزائريين الذين صار بعضهم يحجّ إلى منتجعاتها ليس مرة في السنة وإنما في كل فصل من الفصول، وقد يكتفوا برحلة واحدة وإلى فنادق النجوم الثلاثة، وليس الخمسة نجوم كما تعوّدوا في السنوات الأخيرة، وربما سيكتفوا بكراء مساكن في مختلف المدن السياحية التونسية، بعيدا عن المركبات السياحية بكل مستلزماتها وخدماتها.
دعوة للسماح باستيراد الشيفون.. و”باي باي” للدروس الخصوصية
تمرّ السنة الرابعة على التوالي منذ بداية منع استيراد الشيفون الذي كانت له أكثر من عشرة مصانع غسل وتوضيب في ولاية تبسة الحدودية، حيث كانت الدولة تسمح باستيراد أطنان منه، ولكن منذ تحسن الوضعية المالية لغالبية الجزائريين وباقتراح من حزب العمال، أقرّت الحكومة منع ارتداء الجزائري الألبسة القديمة لغيره بحجة إهانة الجزائري ونقل الأمراض وغيرها من الحجج، ولم يعد المتجوّل في شوارعنا يجد صعوبة في مشاهدة شاب أو طفل ومن الجنسين يرتدي حذاء سعره يزيد عن 20 ألف دينار جزائري، أو معطف فاق سعره العشرة ملايين سنتيم، فازدحمت خزانات ودواليب مساكن الجزائريين والجزائريات بمختلف الألبسة وجميعها من ماركات أجنبية، واختفت نهائيا الألبسة المحلية، وصار من يرتدي اللباس التركي أو الصيني يعتبر من الطبقة السفلى، كما ظهرت محلات بيع الساعات اليدوية التي يزيد سعرها عن ثلاثين مليون سنتيم والعطور باهظة الثمن، ولكن الجزائريين مطالبون الآن بالتقشف في اللباس أيضا من خلال الاكتفاء بالقليل، وعدم شراء ما لا يحتاجونه كما حدث في السنوات الأخيرة، حيث صار الشراء أشبه بالمهنة التي يمارسها الجزائريون بصفة يومية، ويرى “سامي علاق” وهو مستورد ألبسة جاهزة من إيطاليا ذلك بالمنطقي الذي يجب التأقلم معه، وبدأت الأصوات تطالب بالعودة لاستيراد الشيفون أو الألبسة المستعملة، لأن عيد الفطر المبارك القادم قد يضع الجزائر أمام مئات الآلاف من طالبي هاته الألبسة بسبب الوضع المادي الجديد للعائلات الجزائرية بعد أن تم غلق أبواب التوظيف، ما يعني ظهور بطالين جدد وفقراء أيضا.
وعلى صعيد آخر، فإن الجزائريين لم يحتجوا أبدا على أساليب جرّ أبنائهم إلى الدروس الخصوصية، وتعتبر الجزائر هي البلد الوحيد في العالم الذي يذهب كل التلاميذ فيه إلى الدروس الخصوصية، ليس في المرحلة الثانوية والإكمالية فقط، وإنما أيضا في المرحلة الابتدائية من السنة الأولى إلى الخامسة ابتدائي، ولا أحد يناقش أيضا الأسعار المقترحة من المعلمين والأساتذة برغم غلائها، كما ظهرت مدارس خاصة تقوم بتعليم مختلف اللغات والمواد التعليمية، وتجد إقبالا كبيرا، فيه الكثير من البذخ بعيدا عن الحاجة العلمية الحقيقية، والمعلمون الذين نالوا الكثير من حقوقهم المادية في السنوات الأخيرة، من مرتبات ورتب، لن يصمت عليهم الأولياء بعد حلول السنوات العجاف، لأن الوليّ سيكون مضطرا على التخلي عن الدروس الخصوصية إلا في سنوات الامتحانات النهائية مثل الخامسة ابتدائي والانتقال إلى السنة الأولى ثانوي وشهادة البكالوريا، وسيكون مجبرا على دفع المعلمين والأساتذة على العودة إلى السنوات الخوالي عندما كان ما يقدمونه للتلاميذ في المقررات الرسمية في المدرسة كافيا لتفادي إرسالهم إلى الدروس الخصوصية، وحتى ممارسة الرياضات الجمالية من آيروبيك وكمال أجسام وغيرها ستجد صعوبة في الاحتفاظ بممارسيها.
كما ستفقد قاعات الحلاقة النسائية بالخصوص معظم زبوناتها، وستكتفي النسوة بالاعتماد على أنفسهن في حلاقة بيتية، بدلا من زيارة صالون الحلاقة أسبوعيا، كما أن امتلاك غالبية الجزائريين لحمامات في مساكنهم لن يجبرهم على التوجه إلى الحمامات الشعبية والفردية بمناسبة ومن دونها.
إعادة هيبة الخبز وللسيارة أبّهتها
عندما دعت فيدرالية المستهلكين يوم السبت الأخير من العاصمة، إلى شدّ الأحزمة أمام عاصفة الأزمة الاقتصادية التي ستقتلع الكثير من أشجار البذخ، قدمت رقما مؤلما عن تبذير الخبز الذي نستورد كل المواد التي تدخل في صناعته، حيث قالت الفيدرالية إن الجزائريين يرمون ما لا يقل عن 22 مليارا يوميا من الخبز ومن المشروبات في المزابل، وكلها من أموال النفط وبالعملة الصعبة، وعودة الجزائري إلى رغيف البيت أو الكِسرة أو المطلوع، مازالت مؤجلة بسبب غلاء السميد مقارنة بالخبز الذي يقتنيه المواطنون من المخابز، وبالتأكيد، فإن الطلب على الخبز سيزداد، وسيقل الطلب على الخبز المحسّن المصنوع من السميد، كما أن رقم 8 ملايين سيارة في شوارع الجزائر فيه الكثير من المبالغة، حيث لم تعد لكل عائلة سيارة، بل أحيانا نجد في نفس العائلة أربع سيارات سواء للزوج وزوجته وأبنائه بطريقة غير معقولة وغير منطقية، إذ أحصت فيدرالية المستهلكين استيراد الجزائر سنويا قرابة سبعة ملايير دولار من السيارات، وهو رقم فلكي لا يوجد في أي بلد من العام الثالث بما فيها التي جاوز عدد سكانها ربع المليار نسمة.
وقد اقترح بعض رجال الاقتصاد رفع أسعار البنزين والمازوت بأضعاف، وتدعيم المواطنين في فواتير الكهرباء والغاز الطبيعي والماء، حتى يتوقف تهريب الوقود ويتوقف استعماله محليا في الفسحة الفارغة، وعودة رياضة المشي التي غابت نهائيا، حيث لم يعد الناس يشاهدون الجزائري إلا واقفا أو جالسا أو داخل سيارته، وإذا ارتفع سعر السيارات فعلا بثلاثين بالمئة كما هو مُحتمل، فإن سوق السيارات سيكون المتضرّر الأول من حالة التقشف المعلنة التي باشرها المواطنون، الذين من المفروض أن يركبوا السيارة في زمن الحاجة ويمتلكونها لأجل أن توصلهم إلى مكان عملهم وليس من أجل الامتلاك والبريستيج، إذ إن مختلف الماركات وسيارات المئتي ألف أورو التي تجوب شوارعنا ستنقص وربما تنقرض من شوارعنا، فالسيارة كانت دائما للضرورة وليس للتفاخر، والمنطق يقول بأن الأب هو الذي ينقل ابنته الطالبة الثانوية أو الجامعية إلى مقاعد الدراسة، وليس أن تنقل هي بسيارة فاخرة سعرها يساوي جمع مرتبات عمرها إن اشتغلت طبيبة أو مهندسة في القطاع العمومي.
وإذا كان الخبز الذي لا يصنعه الجزائري من قمحه المحلي وخميرته المحلية، قد أهين بطريقة قبيحة كما لم يهن حتى في البلدان التي تعتبر من أكبر منتجي القمح في العالم مثل الصين، فإن السيارة أيضا أهينت في الجزائر التي تحتل المركز الثامن عالميا في حوادث المرور، التي تقتل أربعة آلاف جزائري وتبيد أضعافا من السيارات سنويا من مختلف الماركات، كما أن السيارة صار يقودها كل من هبّ ودبّ، وفي الطرقات وفي المرتفعات، ولم تعد للسيارات رباعية الدفع أي معنى في الجزائر، ولا للمرسيدس بعد أن امتلكها أثرياء الموضة الأخيرة وحتى سكان بعض الأكواخ القصديرية.
وإذا كنا نتفق على أن تبذير الدولة، وإغماض عينها عن ناهبي المال العام، ولا نقاش في تورّطها، فإن تبذير الشعب أيضا فاق التصوّر، لأن الجزائري لم يعد سوى مستهلك يقضي يومه في الأكل وفي ركوب السيارة وفي الحديث بالهاتف النقال والسكايب والفايس بوك، وكلها أساليب استهلاك فقط كما بصم على ذلك أستاذ الاقتصاد منير رحابي.
الدولة لها احتياطي صرف بـ 200 مليار دولار.. والشعب أيضا
إذا كانت مختلف الحكومات بطاقمها الوزاري لم تفكر أبدا في ما بعد البترول أو في احتمال انهيار أسعاره، حيث كان كل مسؤول أو وزير يفكر في عائلته الصغيرة، من أجل تأمين مستقبلها في أي طارئ سواء داخل أو خارج الوطن، فقد انتهى شهر العسل عندما كان سعر النفط فوق المئة دولار وتهاطل آلاف الملايير من الدولارات من دون أن تحقق الجزائر مشروع أمّة يخرجها من استعباد النفط لها، فإن الكثير من المواطنين ساروا على نفس النهج، فقد بلغ عدد الجزائريين في السنة الأخيرة من الذين اشتروا مساكن في إسبانيا قرابة خمسة آلاف وهم بالتأكيد ليسوا من القيادات ومن الأثرياء فقط، كما أن الكثير من الجزائريين، فتحوا أرصدة بالعملة الصعبة، وضخموا من أرصدتهم بالعملة المحلية، واشتروا محال ومساكن حتى بلغ عدد المحال المغلقة في الجزائر أكثر من مليوني وحدة، ونفس العدد من المساكن المغلقة التي تمثل أرصدة مالية بالنسبة للذين اشتروها، بالرغم من أن مثل هذه الأزمات في العالم تؤدي دائما إلى انهيار في العقار بشكل عام.
وتفيد كل التقارير التي قدمتها مختلف الوكالات العقارية عن الانهيار غير المسبوق لأسعار المساكن إضافة إلى كساد هاته السوق التي عرفت انتعاشا رهيبا في سنوات المئة دولار لبرميل النفط، جعل سعر السكن في العاصمة أوفي أي مدينة كبرى في الجزائر، ينافس أسعار المسكن في نيويورك وطوكيو وباريس، قبل أن تنقلب الأمور رأسا على عقب، بعد هبوب عاصفة الأزمة، ويشير السيد محمد بوعلامي صاحب وكالة عقارية إلى خوف يخالج الشاري الذي لا يريد صرف ماله لأن إشارات أخبرته بمزيد من الانهيار والبائع أيضا الذي يحلم بمزيد من الارتفاع في الثمن، وهو ما شلّ المهنة بشكل غير مسبوق.
هذه الطبقة من الشعب وهي ليست بالآلاف وإنما بمئات الآلاف قد لا يهمّها التقشف الذي سيدخله الجزائريون مجبرين، وليسوا مخيّرين، وهو ما يهدّد النظام الاقتصادي الذي قرّر كل مواطن الدخول فيه، بعد انهيار أسعار النفط، لأن ممارسات البعض قد تترك المجتمع في حلقة العناد الفارغة، ويواصل الجزائريون استهلاك أكثر من إمكاناتهم، حيث يصرّ كل العرسان من دون استثناء على أن تكون حفلاتهم في قاعات وبكل توابل الحفلات الكبرى التي تستهلك أحيانا مبالغ خرافية، واختيار فنادق خارجية لقضاء شهر العسل، وفي مثل هاته العادات الاجتماعية يصعب وربما يستحيل التقشف حتى ولو بيع البترول بالدينار الجزائري؟