مواقع كسر الحواجز!
أشرنا ضمن مقال سابق عنوانه “مسابقة ملك جمال الرّجال.. وماذا بعد؟!” إلى أنّ مواقع التواصل بدلا من أن تكون وسيلة للتواصل المثمر الذي يخدم ديننا وأمّتنا وتصلح به دنيانا، زادت واقع بعض شبابنا ابتذالا وصارت معولا خفيف الحمل بأيديهم يكسرون به الحواجز، حتى غدت بعض المجموعات ساحة يتخلّى فيها بعض شبابنا عن قيم رجولتهم وتتجرّد فيها بعض فتياتنا من حيائهنّ!
شباب يعتكفون بين أسوار المجموعات على مواقع التواصل ولا يغادرونها إلا قليلا؛ لا شغل لهم إلا نشر ومشاركة ما يثير الضّحك ويستحثّ النقاشات الطّويلة، خاصّة ما تعلّق منها بشؤون المرأة والزّواج والخلافات الزّوجية.. لا همّة لهم في بثّ الخير وتقديم النّصح، إنّما همّهم الأوحد كسر الحواجز وتعويم الأخطاء وتعميمها وإشاعة ثقافة “الكلّ كيفكيف، ونورمال، وما فيها والو”.. سقطت هممهم إلى الغبراء، حتّى أصبح كلام بعضهم لا يختلف عن أحاديث النّساء في الحمّامات والأعراس! شباب يدخل أحدهم مع النّساء في نقاشات تافهة حول الطّبخ والطّعام المفضّل، وماذا تحبّ المرأة وماذا تكره.. شباب يضعون العقبات والمتاريس على طريق كلّ من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ إذا شاركهم في مجموعاتهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر سلقوه بألسنة حداد: “واش بيك معقّد؟! التهى بروحك.. الكلّ ولّيتو تفتيو.. نهار كامل ونتوما عاسّين في النّاس.. نهار كامل نتوما عاسّين في النساء تحرّمو عليهم كلّ شيء…”!
شباب يَضيقون ذرعا بالمنشورات النّافعة التي تحثّ على الجدّ والتحفّظ، وتنقبض قلوبهم من المنشورات الدينيّة التي تذَكّر بالهدف من الوجود، وتجلّي حدود الله وتذكّر بالحلال والحرام! فتراهم في كلّ مرّة يردّدون عبارتهم الشّهيرة: “الكلّ وليتو تفتيو”، حتّى ولو كان الموضوع لا علاقة له بالفتوى، إنّما يتعلّق بحكم شرعيّ واضح، أو بنصيحة أخوية يوجّهها شابّ صالح إلى إخوانه الشباب!
ما يحيّر أكثر في حال شبابنا هؤلاء -أصلحنا الله وإياهم- هو اعتدادهم بأنفسهم، ورفضهم النّصيحة.. الواحد منهم ربّما فشل في دراسته وتوقّف في مراحل دراسية متقدّمة، وفشل في حياته، ومع ذلك يجلس ليُنظّر ويكتب فيما يجب فعله، وما يجب تركه، وربّما ينصّب نفسه حكَما على ما يقوله العلماء والدّعاة والأئمّة، وما أسهل عليه أن يردّ على ما لا علم له به بالقول: “ما كانش منها” أو يضع وجها ضاحكا.. في مقابلهم فتيات كأنّما لا شغل لهنّ في هذه الدّنيا إلا العكوف في المجموعات لخوض النقاشات التافهة مع الشّباب الفارغ. تجد الفتاة المسلمة من ضحايا مجموعات الابتذال هذه، ترضى لنفسها بأن تكون مطية لشباب تخلوا عن رجولتهم يقتلون معها أوقاتهم الضائعة، ينتظرون بشغف دخولها لتضاحكهم وتمازحهم وتخوض معهم كلّ النقاشات وفي كلّ المواضيع.. إذا لم يكن عندها دين، فأين حياؤها الذي فطرت عليه؟ المرأة من دون حياء ومن دون حدود وحواجز امرأة سلفع لا يحبّها الله.
إذا لم تخش عاقبة الليالي * ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير * ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير * ويبقى العود ما بقي اللحاء.
إضافة إلى إزهاق الرجولة وإهراق الحياء، فإنّ مجموعات كسر الحواجز أصبحت شيع بين شبابنا ثقافة المجاهرة بالمعاصي والذّنوب والأخطاء، بحجّة أنّ من يخفي ذنوبه وأخطاءه عن النّاس، إنسان منافق يُظهر عكس ما يخفي! وأنّ من يتحدّث عن ذنوبه وأخطائه بين النّاس متصالح مع نفسه، وليس منافقا! هذا ما يتداوله كثير من شبابنا على مجموعات التواصل، من زخرف القول الذي يوحي به الشّيطان إلى ضعاف النّفوس.. وهو مخالف تماما لفطرة الحياء التي فطرت عليها النّفوس، ومخالف لشرع الله الذي يحثّ من بُلي بخطأ أن يستر نفسه ويدعو الله بأن يتوب عليه.. المجاهر بالذنوب والمعاصي حقُّه أن يسمّى “فاسقا” وليس “متصالحا مع نفسه”، والمجاهرة بالذنب معصية أخرى تضاف إلى المعصية نفسها، بل إنّ بعض العلماء عدّوا المجاهرة من الكبائر، يقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه”.. وفي المقابل: من يعصي في السر بضعف نفس، وهو يكره المعصية ويتمنّى أن يوفَّق للتّوبة منها، هذا “عاصٍ”، وليس “منافقا”، وهو خير من المجاهر بالذنب. يقول النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام-: “اجتنِبوا هذه القاذوراتِ التي نهى اللهُ تعالى عنها، فمن ألَمَّ بشيءٍ منها فلْيستَتِرْ بسِترِ اللهِ، ولْيَتُبْ إلى اللهِ، فإنه من يُبدِ لنا صفحتَه، نُقِمْ عليه كتابَ اللهِ”؛ كما أنّ المجاهرة بالمعصية لها أثر سيّئ على الأمّة، إذ تجرّئ الآخرين على اقتراف الذّنب، عملا بالمبدأ الشيطاني: “إذا عمّت خفّت”!
شباب المساجد، والشّباب الرسالي النّاشط على المواقع في نشر الخير، مطالبون بتكثيف جهودهم للأخذ بأيدي إخوانهم الشّباب الذين هانت عليهم رجولتهم، وغرقوا في مجموعات السّقوط والابتذال، لعلّهم يدركون بعض شبابنا قبل أن يتخلّوا عن رجولتهم كما تنكّروا قبل ذلك لدينهم.. وأخواتنا الصّالحات أيضا مدعوات لتكثيف جهودهنّ في نصح فتيات الإنترنت اللاتي سجنّ أنفسهنّ في مجموعات الابتذال وانحدرن إلى درك سحيق من الجرأة والصّفاقة وانعدام الحياء.. والله نسأل أن يحفظ شبابنا ويبصّرهم بما يحاك لهم من مؤامرات تهدف إلى إسقاط هممهم وإبعادهم عن دينهم وقضايا أمتهم.