الجزائر
خبراء وجمعيات يحللون واقع انهيار القدرة الشرائية:

موجة الغلاء تهوي بالجزائريين تحت عتبة الفقر!

الشروق أونلاين
  • 10413
  • 26
الأرشيف

أثقلت الزيادات المتكررة في مختلف المنتجات الاستهلاكية والخدمات اليومية كاهل المواطنين الجزائريين، لاسيما محدودي الدخل الذين تدحرجوا إلى ما تحت خط الفقر بعد أن بات الدخل الوطني الأدنى المضمون لا يكفيهم قضاء احتياجات أسبوع واحد.. فكيف يواجهون ما بقي من الأيام.

“الشروق”، تطرقت من جديد إلى واقع المواطنين الزوالية، في ظل هذه الزيادات التي استقبلتهم في العام الجديد، وأكدوا أن قدرتهم الشرائية قد انهارت وأنّهم باتوا يتمّون شهرهم بالاستدانة من فلان وعلان ومنهم من لجأ إلى البحث عن فرص عمل إضافية في أيام العطل أو بعد الدوام.

والأدهى من كل هذا، أنّ بعض من كان يعارض فكرة عمل زوجته أو ابنته وافق مرغما على عملها في بعض المهن البيتية لانتشال أسرته من الضياع في ظل غلاء الأسعار وتكاليف الإيجار التي قفزت هي الأخرى. 

أكد كاتب الدولة الأسبق للاستشراف والإحصائيات، الخبير الاقتصادي، بشير مصيطفى، في حديثه إلى “الشروق”، بخصوص موجة ارتفاع الأسعار التي تعرفها بلادنا، أن ظاهرة الغلاء باتت عابرة للحدود وليست حكرا على بلادنا، وإنما تعرفها العديد من الدول على غرار تونس والسودان ومصر وغيرها.. وهي كلّها دول مستوردة لجزء مهم من احتياجاتها والجزائر واحدة من هذه الدول.

وقدّر مصيطفى الحدّ الأدنى للأجر الذي قد يضمن عيشا أساسيا لأسرة جزائرية من 5 أفراد بـ 60 ألف دج شهريا. وهو الحد الفاصل لعتبة الفقر الذي يهدد الأسرة في أي لحظة بالتدحرج إلى الطبقة الفقيرة، بينما يعتبر الأسرة التي تتقاضى أجرا مقدرا بـ 18 ألف دج أسرة فقيرة، أمّا الأسر التي تتقاضى ما دون 18 ألفا، فتعد حسب المتحدث أسرا تعيش تحت عتبة الفقر حسب مقياس الأمم المتحدة. أمّا العيش الكريم، فيتطلب ما لا يقل عن 10 ملايين لمجرد الاستهلاك دون الادخار أو الاكتتاب في حصص الشركات، وهي أيضا وضعية مهددة بالتنقل إلى مرتبة أخرى أقل في ظل عدم استقرار الأسعار وارتفاعاتها الفجائية.

واستطرد المتحدث قائلا إنّ “منع استيراد بعض المنتجات وما صاحبه من زيادات عشوائية وغلاء يتطلب وقتا لا يقل عن 6 سنوات كمرحلة انتقالية لاستعادة المنتج الوطني مكانته في السوق. وهو ما يتطلب أيضا خطة حكومية مبنية على إحلال الواردات والدعم الفني واللوجستي للمنتج المحلي.”

وقال مصيطفى إنّ الحد الأدنى المضمون من الأجور يتطلب مراجعة عاجلة بعد ما أصبح لا يتماشى والمستجدات الاقتصادية بالنظر إلى تراجع أسعار صرف العملة الوطنية مقابل النقد الأجنبي خلال السنوات العشر الأخيرة في اقتصاد منفتح على الاستيراد.

وعاد مصيطفى إلى فترة إقرار قيمة الحد الأدنى للأجر المضمون “السميق” بـ 15 ألف دج في عام 2011 عندما كان الأورو يعادل 90 دج حسب سعر الصرف الرسمي قبل أن يراجع في 2015 ويقفز بنسبة طفيفة إلى 18 ألف دج. والنسبة تعادل آنذاك ما قيمته 180 أورو. وهي الآن تعادل قيمة أقل، حيث إن 18 ألف دج تساوي تقريبا 130 أورو.

ويفهم من تصريحات المتحدث أنّه يجب رفع الحد الأدنى للأجور المضمون إلى 36 ألف دج على الأقل للاستجابة لحاجة العائلات، ليواكب المستجدات الحالية.

الحد الأدنى للأجر المضمون لم يتغير منذ 7 سنوات وهو ثابت بالقيمة الاسمية في حين تراجع بنحو 50 بالمائة بالقيمة الحقيقية.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن “الأجور في الجزائر يهيمن عليها الوظيف العمومي أمّا القطاع الخاص والقطاع الاقتصادي فيخضع الأمر بالنسبة إليه للتفاوض والاتفاقيات القطاعية وفيها هامش كبير للمناورة على أرض الواقع وهو راجع إلى تفاوض العمال وضغطهم”.

وأضاف: “ضبط الأجور يتم على جانبين هما رفع الحد الأدنى للأجر المضمون ومرونة أكبر للأجور بحيث يجب أن ترتفع الأجور مع التضخم وارتفاع الأسعار وأن نربط الأجور بقيمة الدينار وما يعادلها من السعر الرسمي للصرف.

ودعا الخبير الاقتصادي الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية القدرة الشرائية للمواطن من الانهيار، حيث قال: “حان الوقت لإعادة النظر في الوضعية الراهنة لتجنب التطور المتوقع لسلسلة الاحتجاجات والإضرابات وهي مؤشرات قد تتطوّر ولا حلّ سوى التوجه إلى مرونة الأجور بما يتوافق وإنتاجية العامل”.

وأشار إلى وجود 17 ألف شركة عمومية في القطاع العام أغلبها يعاني ضعفا في الإنتاجية، وعليه يتطلب رفع أجر عمالها من خلال زيادة الإنتاجية التي تحتم بدورها إجراءات هيكلية للحكومة وكذا تدريب العاملين والتوسع في الإنتاج والشراكة مع القطاع الخاص وتقييد الواردات لصالح المنتج الوطني وهو جزء من دعم الحكومة. 

 

الجزائريون الذين يتقاضون أقل من ثلاثة ملايين “أحياء أموات”

ومن جهته، أكد الخبير الاقتصادي كمال رزّيق، انهيار القدرة الشرائية إلى 50 بالمائة، بسبب انهيار أسعار الصّرف، والتضخم، وارتفاع الأسعار إلى قرابة 75 بالمائة، في وقت بقي فيه الأجر القاعدي الأدنى ثابتا منذ سنوات.

والحديث عن توفير العائلات للمال “صار ضربا من الخيال”، بحسب تعبيره، لظهور طبقات في المجتمع تحت خط الفقر، أما الغالبية فعائلات متوسطة الحال، وهو ما جعله يؤكد أن الراتب الذي يضمن للمواطن العيش بطريقة “عادية” “لا بد من أن يساوي أو يفوق 80 ألف دج شهريا، و200 ألف دج شهريا إذا أردنا العيش بقدر قليل من الرفاهية”. وأضاف المتحدث: “ما يجنيه المٌواطن سواء من راتبه أم من تجارته البسيطة، يصرفه في اليوم نفسه… فمثلا إذا قسمنا مصروف شهر واحد لعائلة مكونة من 4 أطفال ووالديْن، فيلزمها 4 قفف مليئة بالخضر وبعض الفاكهة، وعلى الأقل دجاجتان أو قليل من اللحم، إضافة إلى الزيت والسكر والبقول الجافة والفرينة والسميد… دون نسيان مصاريف العلاج واللباس والتعليم، فكم سيتبقى لهذه العائلة من راتب لا يتعدى غالبا 45 ألف دج، حتى توفره لوقت الحاجة؟ أمّا أصحاب الرواتب تحت 30 ألف دج، فيمكن اعتبارهم “أحياء أمواتا”.

 

عائلات ودعت اللحوم والفواكه والادخار.. 

أمّا رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلك، مصطفى زبدي، فرد على الموضوع بالقول إنّ منظمته ظلت تنادي على مدار السنتين الماضيتين بأن الأسرة الجزائرية المكونة من 5 أفراد يلزمها على الأقل 50 ألف دج لتحقيق احتياجاتها، غير أن توالي الزيادات بشكل غير عقلاني أدى إلى انهيار القدرة الشرائية تماما، وهو ما جعل منظمته تنادي برفع قيمة الدخل إلى 60 ألف دج على الأقل بالنسبة إلى نفس الأسرة المكونة من 5 أفراد لتوفير أبسط احتياجاتها، أمّا من يتقاضى أجرا أقل أو يعادل الدخل الأدنى المضمون، فهو حسب زبدي لا يعيش في وضعية سوية، ويعيش تحت خط الفقر، فالكثير من العائلات، بحسبه، ودعت الكماليات من لحوم وفواكه.. بسبب تراجع قدرتها الشهرية. 

وعلق زبدي على الزيادات المتتالية بأنها انعكست سلبا على القدرة الشرائية التي تتدهور من سنة إلى أخرى، فالأسعار في تذبذب وتتدخل فيها عوامل غير اقتصادية، مؤكدا ارتفاع سعر قفة الجزائري بنسبة لا تقل عن 15 بالمائة مقارنة مع ما كانت عليه سابقا، وهذا أقل تقدير يمكن الإشارة إليه.

عامل العرض والطلب، ليس وحده المتحكم في تسعيرة المنتجات والخدمات، وإنما يوجد أيضا عامل المضاربة المتحكم بامتياز، لاسيما المضاربة بالمنتجات الممنوعة من الاستيراد، بالإضافة إلى الأحوال الجوية وغرف التبريد.

وتأسف زبدي لارتفاع أسعار بعض المنتجات المحلية بعد زوال عامل المنافسة على إثر إصدار قرار منع الاستيراد لبعض المنتجات حيث قال: “كنا ننتظر بعد التسهيلات الأخيرة لصالح المنتج الوطني استقرارا في الأسعار، غير أن العكس هو ما حدث وبشكل لا يستطيع تحمله المستهلك الجزائري، حتى إنّ بعض المنتجات لا تجد لارتفاعها تبريرات مقنعة، وعليه لا بد من أطر ضبطية كيلا يكبر الجشع”.

مقالات ذات صلة