موجة توقيفات لمعارضين ومدونين في مصر
في وقت يستعد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لأداء اليمين الدستورية، السبت، لولاية ثانية مدتها أربع سنوات، قامت أجهزة الأمن بحملة توقيفات جديدة شملت معارضين ومدونين وصحفيين وناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي.
وبدأت هذه الموجة عقب فوز السيسي بولاية رئاسية ثانية بنسبة 97 في المائة في الانتخابات التي أجريت في نهاية مارس الماضي، وهي الثانية منذ أطاح الرئيس المصري، عندما كان قائداً للجيش، بالرئيس الأسبق محمد مرسي – أول رئيس مدني منتخب في البلاد – في انقلاب الثالث من جويلية عام 2013.
وشملت التوقيفات خصوصاً شادي الغزالي حرب وحازم عبد العظيم ووائل عباس، وهي أسماء ارتبطت بثورة 2011 التي أسقطت حسني مبارك والتي فاجأت آنذاك كل مؤسسات نظامه بما فيها الجيش.
ويقول محللون، إن هذه الموجة الجديدة من التوقيفات تشكل استمراراً للسياسة “القمعية” التي ينتهجها نظام السيسي منذ توليه السلطة والتي أسكتت المعارضة إلى حد بعيد، ولكنها أيضاً مرتبطة بتزايد الاستياء لدى قطاعات كبيرة من المصريين بسبب ارتفاع كلفة المعيشة.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة مصطفى كامل السيد، إن هذه التوقيفات تشير إلى أن “شيئاً لم يتغير في السياسات الأمنية للنظام” المصري.
ويضيف “ما زال هناك تخوف من تكرار ما جرى في جانفي 2011، وهو ما عبر عنه الرئيس السيسي أكثر من مرة” في تصريحاته.
ويتابع “مع الزيادة المنتظرة في أسعار المحروقات والكهرباء”، يخشى “صناع القرار من أن يستغل الناشطون، خصوصاً ممن ارتبطت أسماؤهم بثورة 2011، الظروف لتعبئة المواطنين ضد نظام السيسي”، موضحاً أن “برنامج الإصلاح الاقتصادي تقع آثاره المتمثلة في ارتفاع الأسعار على الغالبية العظمى من المصريين”.
وأعلن مسؤولون مصريون مراراً، أن أسعار الكهرباء والمحروقات سترتفع مع بداية العمل بموازنة السنة المالية الجديدة مطلع جويلية 2018 من دون أن يحددوا نسبة الزيادة.
وتنشر الصحف الحكومية الثلاث وبعض الصحف الخاصة وبعض قنوات التلفزيون منذ أيام، جدولاً بعنوان “قيمة ما تتحمله الدولة نتيجة استيراد المنتجات البترولية عند 75 دولاراً للبرميل”. ويشير هذا الجدول إلى أن الدولة تتكبد قرابة 104 مليارات جنيه (5.8 مليارات دولار تقريباً) سنوياً لدعم الوقود.
ونددت منظمات حقوقية والاتحاد الأوروبي، الأربعاء، بتوقيف معارضين وشخصيات من المجتمع المدني في مصر بعد إعادة انتخاب السيسي.
وقالت مايا كوسيانسيتش، الناطقة باسم وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، إن “العدد المتزايد للتوقيفات بحق مدافعين عن حقوق الإنسان وناشطين سياسيين ومدونين في الأسابيع الماضية في مصر يشكل تطوراً مقلقاً”.
وأضافت المتحدثة: “في وقت تسعى مصر لترسيخ الديمقراطية ودولة القانون، من المهم احترام التعبير السلمي عن الرأي والانتقاد”.
وتابعت إن “الاستقرار والأمن الدائمين لا يمكن أن يتماشيا إلا مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والحريات الأساسية بموجب الدستور المصري والالتزامات الدولية”.
وردت وزارة الخارجية المصرية، مؤكدة “رفضها” هذه الانتقادات. واعتبرت أنه يمكن كذلك التنديد بسجل أوروبا في مجال حقوق الإنسان، مشيرة إلى “الصعوبات الجمة والمعاملة المزرية التي يعاني منها الكثير من المهاجرين واللاجئين، وتجاوزات سلطات إنفاذ القانون، فضلاً عن تصاعد الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة، وما يقترن بذلك من مظاهر العنصرية والتمييز والعنف وخطاب الكراهية”.
وقررت نيابة أمن الدولة العليا الأسبوع الماضي حبس المدون والصحفي البارز وائل عباس 15 يوماً احتياطياً بعد أن حققت معه بتهم عدة بينها “المشاركة في تنفيذ أهداف جماعة إرهابية”، و”نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”.
ويعرف عباس بنشر أشرطة فيديو حول التعذيب في أقسام الشرطة إبان نظام مبارك.
وكانت نيابة أمن الدولة العليا قررت في وقت سابق حبس الناشط السياسي شادي الغزالي حرب مدة 15 يوماً احتياطياً بعد التحقيق معه بتهم نشر أخبار كاذبة على فيسبوك وتويتر.
وقضت محكمة عسكرية، الثلاثاء الماضي، بحبس الصحفي والباحث إسماعيل الإسكندراني عشر سنوات. وكان تم توقيفه في نوفمبر 2015 بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها السلطات إرهابية منذ العام 2013.
ووفق منظمة “مراسلون بلا حدود”، فإن 33 مواطناً صحفياً ومدوناً يقبعون في السجن في مصر.
التوقيفات والغرب
يقول الباحث في معهد العلاقات الإستراتيجية الدولية في فرنسا كريم بيطار، إن التوقيفات “تشكل استمراراً لسياسات القمع التي انتهجت خلال السنوات الأخيرة والرامية إلى القضاء على كل السلطات القادرة على إحداث التوازن مع السلطة التنفيذية مثل البرلمان والقضاء والإعلام والمنظمات غير الحكومية والمثقفين وغير ذلك”.
ويتابع أن التوقيفات “مرتبطة من دون شك بالشعور المتنامي بالاستياء لدى قطاعات واسعة من المصريين وكذلك بشعور النظام بأنه قادر على الإفلات من العقاب بسبب قرار الغرب غض النظر عنه”.
ويعتبر بيطار، أن “التفضيل الغربي للسلطوية العربية يمنح الحكام في الشرق الأوسط شيكات على بياض تجعلهم يشعرون بأنهم مطلقو الأيدي في ما يتعلق بالقمع”.
المصدر: فرانس برس