-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بغياب الملك وحرب النفوذ وتحضير "الحسن الثالث" في مخابر مشبوهة:

كلّ أسرار القصر المغربي في كتاب “نهاية حكم”!

طاهر فطاني
  • 925
  • 0
كلّ أسرار القصر المغربي في كتاب “نهاية حكم”!
ح.م

يفضح كتاب “المغرب: نهاية حكم”، للصحفي عمر بروكسي، الأساليب الخفية التي يُدار بها القصر الملكي في المغرب، ويكشف عن بنية سلطة مغلقة تتحكم فيها ما يُعرف بـ”الدولة العميقة”، حيث تتركز خيوط القرار في يد دائرة ضيقة من المستشارين والقيادات الأمنية، المسماة بـ”المخزن” والذي يتحكم لمنطق الولاءات والمصالح الشخصية وتسيطر عليه شبكة من المستشارين والفاعلين الأمنيين، بينما تتراجع الأدوار الرسمية للحكومة والفاعلين الاقتصاديين إلى مجرد واجهة شكلية لا تعكس حقيقة موازين القوى.
وفيما يتعلق بالحالة الصحية للملك محمد السادس، يكشف الكتاب، حسب ملف الأسبوع الذي نشرته المجلة الفرنسية “لكسبرس” حول الكتاب، عن معطيات دقيقة حول تدهور صحة العاهل، مؤكدا إصابته بمرض “هاشيموتو” واضطرابات تنفسية مزمنة أثرت بشكل واضح على حضوره وقدرته على متابعة الشأن العام.


ووفق ما يورده بروكسي، فإن هذا الغياب المتكرر لم يكن من دون تبعات، إذ أدى إلى إعادة خلط أوراق النفوذ داخل القصر، وفتح الباب أمام صراع صامت حول من يتحكم فعليًا في مفاصل القرار داخل المملكة.
في قلب هذا المشهد، يظهر الملك في وضع متراجع، مثقلاً بالمتاعب الصحية وقليل الحضور داخل البلاد، ما فتح الباب واسعًا أمام صراعات نفوذ محتدمة داخل القصر.

هذا الغياب لم يمر من دون تداعيات، بل سرّع من تفكك التوازنات التقليدية، لتبرز إلى السطح مراكز قوى متنافسة تسعى إلى إعادة رسم خارطة النفوذ داخل الحكم.

ثلاث دوائر نفوذ في القصر

لا يكتفي الكتاب بوصف هذا الاهتزاز، بل يغوص في تفاصيل الصراع، كاشفًا عن ثلاث دوائر نفوذ تتنازع السلطة خلف الكواليس.
في مقدمة هذه الدوائر، برز المقربون من الملك، وعلى رأسهم الإخوة زعيتر، الذين تضاعف نفوذهم بشكل لافت إلى درجة التعامل معهم كجزء من صلب النظام. وتبرز في هذا السياق حادثة لافتة تكشف طبيعة هذا النفوذ، حين تم تسخير أجهزة أمنية كاملة للبحث عن كلب مفقود يعود لأحدهم بمدينة سلا، قبل أن ينتهي الأمر باعتقال مواطن عاطل عن العمل عثر عليه، في واقعة تعكس اختلالًا صارخًا في ترتيب الأولويات داخل دوائر القرار.

في المقابل، تقف دائرة المستشارين الكبار، وعلى رأسهم فؤاد عالي الهمة، الملقب بـ”نائب الملك”، إلى جانب عبد اللطيف الحموشي، مدير الأمن الداخلي، وياسين المنصوري، مدير المخابرات الخارجية، ومحمد منير الماحيدي، السكريتر الخاص للملك، في حالة تنافس مستمر، حيث تُدار الخلافات بينهم عبر شبكات النفوذ والإعلام، في صراع صامت، لكنه عميق على مراكز القرار داخل القصر.


أما داخل العائلة الملكية، فتبرز صورة مختلفة لا تقل دلالة عن صراعات النفوذ، حيث يكشف الكتاب عن مرحلة حساسة أعقبت طلاق الملك من سلمى بناني سنة 2017، حين فُرض عليها تهميش واضح داخل القصر، غير أن هذه المرحلة كان لها وقع خاص على ولي العهد، والذي ظل مرتبطًا بوالدته بشكل وثيق، مدركًا لتعقيدات وضعها بعد الانفصال.
في هذه النقطة، يسلط الكتاب الضوء على صمود الأميرة سلمى بعد طلاقها وتهميشها، واصفا صبرها بمثابة انتصار سياسي من خلال علاقتها الوثيقة بولي العهد الذي يرفض التخلي عنها، ما مكنها سنة 2025 من العودة للسكن في إقامة “دار السلام” الملكية، وهو ما يمهد لعودة قوية لرد الاعتبار لها عند اعتلاء ابنها العرش.
ومع بلوغه سن الثامنة عشرة، اختار “ولي العهد” الاقتراب أكثر من والدته، سواء من خلال مساره الدراسي أو نمط حياته اليومي، في إشارة واضحة إلى تمسكه بهذا الرابط رغم حساسية السياق داخل القصر.
ومع مرور الوقت، استعادت الأميرة جزءًا من استقرارها، ونجحت في الحفاظ على مكانتها لدى ابنها، في وقت ظل فيه هذا التقارب قائمًا عبر تفاصيل الحياة اليومية، من فترات العطل المشتركة إلى الأنشطة التي تجمعهما داخل المغرب وخارجه.
هذا البعد العائلي، الذي يبدو في ظاهره شخصيًا، يحمل في عمقه دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن مرحلة ما بعد محمد السادس، وما قد يرافقها من إعادة تشكيل لمحيط السلطة في القصر الملكي.

الأمير وسلمى في مواجهة الدولة العميقة
في سياق الصراعات الحادة حول مرحلة ما بعد محمد السادس، يقدّم كتاب “نهاية حكم” معطيات مثيرة حول مستقبل السلطة في المغرب، معتبراً أن ملامح مرحلة انتقالية بدأت تتبلور في كواليس القصر، في نظام لا تزال فيه موازين النفوذ مرتبطة بشكل كبير بالأشخاص أكثر من ارتباطها بالمؤسسات. ويشير الكاتب إلى أن العلاقة القوية بين الأمير الحسن ووالدته سلمى قد تشكّل أحد العناصر المؤثرة في هندسة المشهد السياسي القادم، بل سيكون لها انعكاس مباشر وحاسم على إعادة صياغة موازين القوى داخل القصر بعد اعتلاء الأمير الشاب العرش.
كما يطرح الكتاب فرضية حدوث تغييرات داخل الدائرة المحيطة بالقصر بمجرد تولي الأمير شؤون المملكة، حيث ستكون البداية بإبعاد بعض الوجوه المثيرة للجدل، على غرار (أصدقاء الملك!؟)، الإخوة زعيتر الذين تربطهم علاقة مشبوهة بمحمد السادس، وهذا ما أزعج الطرف الآخر في الصراع – المخابرات والعائلة الحاكمة – والذي يكنّ حقدا دفينا للإخوة الثلاثة، حيث يقول الكاتب بأن “البعض يجزمون بأن ساعاتهم في المغرب ستكون معدودة بمجرد غياب الملك الحالي، وسيكون خيارهم الوحيد هو مغادرة المغرب في أول طائرة باتجاه ألمانيا لتجنّب غضب الملك الجديد”.

صراع جديد في الأفق
إذا كانت “عملية التطهير” المرتقبة لتنحية الوجوه الطارئة على القصر -وفي مقدمتهم “آل زعيتر” – تبدو سهلة فإن معركة كسر العظام الحقيقية تكمن في قدرة الثنائي، “الحسن الثالث” ووالدته سلمى على التحرر من إرث ثقيل صاغته سنوات من مرض محمد الخامس ومدى قدرتهما على الاستغناء عن خدمات “الحرس القديم”؛ والذي يعرف “بدولة داخل دولة” والتي يجسدها فؤاد عالي الهمة (نائب الملك) وعبد اللطيف الحموشي (قائد المنظومة الأمنية والرجل الأكثر اطلاعاً في المملكة) وياسين المنصوري، مدير المخابرات الخارجية. قوة هذا الثلاثي تضاعفت بشكل لافت نتيجة الفراغ الذي خلفه مرض الملك، لدرجة أنهما باتا يُعتبران دولياً ومحلياً الحاكمين الفعليين في القصر، مما يجعل محاولة تجاوز وصايتهما بمثابة عملية جراحية معقدة قد تؤدي إلى صدام مباشر بينهما وبين الملك الشاب ووالدته.

مُربّي “ملك المستقبل” و”وثائق إبستين”
في الوقت الذي يحتد فيه الصراع حول مستقبل العرش، يكشف الكتاب عن ملامح الخطة التي يخطط لها تحت قيادة “مصطفى التراب”، الرجل الذي يمسك بمفاتيح الفوسفاط في المغرب، ليلعب دوراً أكثر حساسية في “الظل” كموجّه لملك المستقبل. كشف بروكسي أن الأمير ولي العهد الحسن قد وُضع تحت إشراف مصطفى التراب، المدير القوي الذي تلقى تكوينه في الولايات المتحدة الأمريكية. وتتم عملية صياغة شخصية الملك القادم داخل أسوار جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) ، وهي المؤسسة التي يعد المكتب الشريف للفوسفاط (OCP ) ممولها الرئيس، وذلك بهدف تكوين وتحضير “الحسنIII ” بعيداً عن صراعات الأجنحة التقليدية في القصر.
الصدمة التي فجرها الكتاب تتعلق بظهور اسم مصطفى التراب في سياق غير متوقع تماماً. ففي فبراير 2026، ومع كشف القضاء الأمريكي عن ملايين الوثائق المتعلقة بقضية “جيفري إبستين” (الملياردير المتهم بجرائم استغلال قاصرين)، ظهرت رسائل إلكترونية تعود لعام 2011 تصف التراب بـ”رئيس وزراء المغرب القادم”.

وفي إحدى هذه الرسائل التي اطلع عليها مؤلف الكتاب، تكتب لكسبرس، يصف إبستين مصطفى التراب بأنه شخص “ذكي جداً ولطيف”، مشيداً بنجاحاته في خصخصة قطاع الاتصالات وتحقيقه مليارات الدولارات لخزينة الدولة، فضلاً عن قيادته لأكبر شركة في المغرب.

15 سنة من صراع المخابرات
تُعدّ غيابات الملك محمد السادس المتكررة الوقود الذي يغذي نيران الصراعات الدفينة داخل المربع الأمني الضيق للسيطرة على مفاصل السلطة الفعلية، وهي حرب ضروس تمتد لأكثر من خمسة عشر عاماً بين أقطاب المخابرات. وتكشف كواليس هذه المواجهات عن طرق “خبيثة” للإطاحة بالخصوم، كما حدث في “مؤامرة الرياض” عام 2005، حين قام عبد اللطيف الحموشي بنصب “كمين” لمديره السابق أحمد الحرايري؛ حيث صاغ له عرضاً حول الإرهاب ليهاجم فيه “الوهابية” أمام القادة السعوديين، ما تسبب في إقالة الحرايري فوراً وتعيين الحموشي مكانه في الليلة ذاتها.
ومع مرور الوقت، تحول الحموشي إلى الرجل الأكثر اطلاعاً في المملكة، مدعوماً من “صديق الملك” فؤاد عالي الهمة، لكن هذا التحالف واجه “حرباً إعلامية” قذرة قادها قطب أمني آخر هو ياسين المنصوري، مدير المخابرات الخارجية وصديق دراسة الملك. فخلال أحداث “الربيع العربي” عام 2011، استغل المنصوري الغضب الشعبي ليوجه ضرباته تحت الحزام لخصومه (الهمة والحموشي) عبر تسريبات إعلامية منسقة.

وتشير الوثائق إلى أن المنصوري كلف رجله المقرب، محمد خباشي، بعقد جلسات سرية في مقاهي الرباط مع صحفيين لتشويه صورة ثنائي “الهمة-الحموشي”، وصلت إلى حد اتهام مدير المخابرات الداخلية صراحةً بالتعامي عن تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 وتركها تحدث. هذا الانقسام داخل “السيريل” (الدائرة المقربة) يظهر أن الأجهزة الأمنية المغربية، التي يفترض أنها تحمي العرش، منخرطة في “تصفية حسابات” متبادلة، مستغلة الفراغ الذي يتركه الملك، مما يجعل من قمة الهرم الأمني ساحة لتصفية الحسابات الشخصية والسياسية بعيداً عن مصلحة الدولة.
المؤلف كشف الستار ايضا عن شخصية غامضة، لكنها نافذة في إمبراطورية الظل: محمد منير الماجيدي والذي يعتبر من أهم أطراف معادلة صراع القوى في القصر. تقدّم تقارير استخباراتية، الماجيدي، على أنه شخصية غامضة، لكنها أكثر نفوذاً داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالملك محمد السادس، لأن دوره لا يقتصر على مهامه كسكرتير خاص لمحمد السادس، بل يمتد ليشمل الإشراف على ملفات مالية حساسة، ما جعله يُوصَف بـ”الصندوق الأسود” وكاتم أسرار المؤسسة الملكية.
وتشير هذه المعطيات إلى تعدد واجهات نفوذه من الثقافة والرياضة والسياسة والاقتصاد، ما يفسر حضوره القوي في دوائر تدبير الأصول والاستثمارات المرتبطة بالقصر مثل شركة “ديشانال” (Deschanel) التي تدير الثروة الملكية بفرنسا، كما أعادت تسريبات دولية، على غرار “وثائق بنما”، إدراج اسم الماجيدي ضمن قوائم شخصيات ارتبطت بشركات أوفشور في جزر فيرجن البريطانية، وهي المعطيات التي تناولتها تقارير إعلامية باعتبارها جزءاً من منظومة مالية عابرة للحدود.
يقدّم “نهاية حكم” صورة لنظام لم يعد قادرًا على إخفاء تصدعاته، حيث تتصاعد الصراعات وتنكشف هشاشة التوازنات، في ظل حكم يبدو أقرب إلى مرحلة انتقالية مفتوحة على كل الاحتمالات، أكثر منه نظامًا مستقراً كما يُراد له أن يظهر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!