الرأي

موطن العقل السياسي المدبر

حبيب راشدين
  • 3013
  • 6

أكاد أتعاطف قليلا مع الأمين العام لجبهة التحرير، وقد وُضع في عين الإعصار، ينال الضرب بالوكالة عن فريق العهدة الرابعة. فقد ظل شتات المعارضات يكيله شتى التهم، لأنه سبقهم إلى رفع لواء الترشيح القسري للرئيس بوتفليقة، قبل أن ينهال عليه ضربا وبكل شماتة، بعد رسالة الرئيس الأخيرة، التي ذكّر فيها الجميع، وبعبارة مبهمة، أنه “لا يحق لأحد مهما تعالت المسؤوليات، أن يعرض الجيش الوطني الشعبي والمؤسسات الدستورية الأخرى إلى البلبلة”.

وقد حق للسيد سعيداني أن يدعي: أنه لم يكن مستهدفا بالرسالة، فالرسالة كانت محض إثبات موقف من الرئيس، الملزم دستوريا بحماية مؤسسات الدولة، ولم تقترب من الملاسنة الساخنة بين سعيداني و”أحباب” الفريق توفيق، وقد تجاهل كثير منهم أن الرسالة إنما نشرت بعد تعاظم جلبة المدافعين عن الفريق توفيق، خاصة من بين متقاعدي الجيش الوطني الشعبي، وتحديدا من ضباط سابقين بمديرية الاستعلامات والأمن، يكون قد اكتشف فيها الرئيس يدا خبيرة تدير ـ خلف الستار ـ حملة أخرى غير الرد على سعيداني، كان أخطرها على الإطلاق خرجة الجنرال المتقاعد بن حديد، في حوار مزدوج مع يوميتي الخبر والوطن، هاجم فيه الفريق صالح ڤايد، وشكك في إدارته لأركان الجيش، وفي ولاء الضباط السامين لقيادة الأركان.

ومن هذه الزاوية، فإن رسالة الرئيس تكون قد وجهت للفريق توفيق نفسه، وتحمل تحذيرا لمن بقي من أنصاره، سواء داخل فروع المديرية، أو في باقي مؤسسات الدولة، حتى لا ينساق بعضهم إلى المغامرة بالدخول من الباب الخطأ في معركة إعادة توحيد رأس المؤسسة.

فالسيد سعيداني ـ ومهما علت مسؤولياته على رأس جبهة التحرير ـ ليس له ذلك السلطان الذي قد تتأذى منه مؤسسة الجيش، لا هو، ولا أي مسؤول حزبي من الموالاة أو من المعارضة، أو هو من القوة حتى يحتاج الرئيس معه إلى تنبيه يشهد فيه عليه الرأي العام.

أبرز ما في خرجة الرئيس الأخيرة، أنها أدخلت أقطاب المعارضة في حيرة، وقد كان بوسعهم أن يرتاحوا لها من أكثر من جهة. فلو صدق أنها كانت موجهة لسعيداني، فهي تعني أن الرئيس يكون قد صرف النظر نهائيا عن العهدة الرابعة، وإلا ما كان ليضحي هكذا بحليف متحمس مثل سعيداني، وأنها إذا كانت موجهة لسعيداني، فهي مؤشر على دعم الرئيس للفريق توفيق، أي لطرف لم يخف “أحبابه” عداءهم للعهدة الرابعة.

كل ما كشفه لنا هذا الفصل من المسلسل الهزلي “توفيق ـ سعيداني” أن البلد يبقى بلا نخبة سياسية تفكر بعقل سياسي، هي في كل الأحوال خارج اللعبة، إن لم تكن مكوناتها محض أدوات، في لعبة يديرها عقل سياسي حاضر داخل مركز السلطة الفعلي في المؤسسة العسكرية، التي لم تقبل باقتسام السلطة مع مؤسسة الرئاسة أو التسليم بقيادة الرئيس، سوى في عهد الراحل هواري بومدين، أو مع الرئيس بوتفليقة، وأنها لم تنجح حتى الآن في العثور على خليفة لهما من ذات العيار.

مقالات ذات صلة