جواهر
عندما تتجاوز الوظيفة حدود الواجب..

موظّفات بدرجة السُوبّر؟!

أماني أريس
  • 5408
  • 8
ح.م

العمل خارج البيت؛ ليس مجرد وظيفة تؤمّن بها المرأة لقمة العيش، وتسعى بها إلى الحياة الكريمة، كما أنه ليس السبيل الذي تثبت به ذاتها، وتستثمر فيه كفاءاتها فحسب، إنما هو وظيفة حيوية تتعدى بها حدود الواجب وغاية المادة، وتسمو بها إلى درجة كبيرة من الإنسانية والتماهي الوجداني مع وسطها، والمشاركين لها في فضاء العمل وهو ما يدفعها خطوات للتفوق على شقيقها الرجل في العديد من المهن.

سرّ التفوّق  

ويكمن سر تألّق وتفوّق المرأة في آداء المهن التي تحتاج إلى تواصل وتفاعل، إلى طبيعتها النفسية حسب ما تشير إليه العديد من الدراسات الحديثة، منها دراسة جديدة أجرتها جامعة ” ويسترن أونتاريو” أكّدت أن النساء أفضل من الرجال في التعامل مع ضغوط العمل والأكثر التزاما بالهدوء عند حدوث الضغوطات والصدامات. 

 

اختلاف في التركيبة العقلية 

ولم يبتعد الأخصائي في علم النفس “مهدي بن حداد” عن نتائج الدراسات في رأيه حول الموضوع حيث يرى أن بعض المهن تكاد تكون تخصصا أنثويا محضا لكونها تحتاج بالموازاة مع الكفاءة المهنية إلى   مهارة في التعامل مع الغير بعواطف إنسانية تجمع بين رقة القلب و الصبر وسعة البال وهي ميزات متوفرة في المرأة غالبا دون الرجل.

 ويتابع الأخصائي حديثه لجواهر الشروق مشيرا إلى فرق جوهري بين المرأة والرجل عدى العاطفة، يجعلها تتفوق عليه في آداء بعض المهن التي تتشابك فيها الأعمال والأفكار، ويمكن في اختلاف الطبيعة العقلية لدى كل واحد منهما، فعقل المرأة- يقول الأخصائي- يتميز بطبيعته الشبكية اللولبية لذلك تستطيع أن تقوم بأكثر من عمل وتركز على أكثر من موضوع في وقت واحد، بينما يتميز عقل الرجل بطبيعته الصندوقية التتابعية، وبالتالي لا يستطيع القيام بأكثر من عمل أو يركز على أكثر من موضوع في وقت واحد. 

 

موظفات بدرجة السوبر 

وتلعب المرأة في بعض المهن أدوارا محورية مزاوجة بين واجبها المهني وعاطفتها، فتتحول إلى أكبر من موظفة، وتكون بمثابة الأم والأخت والابنة والصديقة والطبيبة النفسانية… وهذا ما رصدته جواهر الشروق من خلال بعض القصص والشهادات. 

 

أمنيتي وضع الحناء! 

كانت الحناء أمنية امرأة مسنّة قبل أن تفارق الحياة بأيام قليلة في أحد مستشفيات الشرق الجزائري، وهو الطلب الذي لم يضق به صدر الممرضة سعاد؛ التي استحقت لقب ملاك الرحمة بامتياز، وصديقة المسنّات كما يلقبنها زميلاتها، تقول سعاد : ” رافقتها لأكثر من شهر، يوم احضرها ابنها إلى المستشفى كانت تعاني من فيروس في الرئة، وارتفاع الضغط ومرض القلب، لم يعد يزورها سوى مرات قليلة، وأحيانا فقط تأتي أختها..كانت كلما رأت الزوار يدخلون على مرضاهم، تبكي بحرقة حتى تتدهور حالتها، شعرت أن مسؤولية تحسين نفسيتها، هي واجبي الأقدس من وضع الدواء، وقياس الضغط والسهر على علاجها. كانت بحاجة إلى أنس وحب واهتمام  بقدر حاجتها إلى الدواء والفحوصات، فأصبحت أتردد عليها كلما أنهيت عملي وأتبادل معها أطراف الحديث، وأمازحها وأضاحكها، حتى أنني اشتاق إليها في يوم إجازتي، كانت تناديني ابنتي وأناديها أمي. “هنا تتوقف سعاد عن الكلام، و تمسح دموعا شقت طريقها في وجنتيها ثم تستأنف بنبرة متقطعة يخنقها البكاء ” قالت لي ذات يوم وأنا أمازحها وأصف جمال ساقيها، كم أرغب في وضع الحناء، وتنهدت طويلا ثم قالت كانت لا تفارق قدمي عندما كنت قادرة ” في اليوم الموالي – تستأنف سعاد – أحضرت معي الحناء وحققت لها أمنيتها.. الجميع ضحك علي وبعضهن حذرنني من غضب الطبيب لكنني كنت مستعدة لمواجهة الموقف لأن ما قمت به لا يضرها بل يسعدها ويحسن نفسيتها.. لكنها للأسف فارقت الحياة بعد أيام بأزمة قلبية ”  

 

بمثابة إبني! 

رغم كل الانتقادات الموجهة للمعلم العصري، واتهامه بالتقصير وانعدام الضمير المهني، مازالت مهنة التعليم تعلق وسام النبل، وتحفظ ماء وجهها بقلة من المعلمين والمعلمات الذين علاوة عن آدائهم لأمانة التعليم بإحسان وإخلاص للمهنة، فهم يؤدون دور المربي وأكثر. هدى واحدة من هؤلاء تروي قصتها مع أحد التلاميذ تقول : ” اِلتحق بمدرستنا تلميذ مصاب بحالة غريبة، كانت تنتابه حالة من الغضب الفجائي فيبكي بصوت مرتفع ويبدأ في نتف حاجبيه وأشفاره، تم رفضه في مدرسة أخرى، ورفضه زميل لي في قسمه، وكان المدير بصدد كتابة تقرير لمصلحة التمدرس من أجل توجيهه إلى مركز خاص، لكن وبحكم علمي بوضع عائلته المادي الذي لا يسمح بتدريسه في مركز خاص، قررت تدريسه في قسمي، كنت أعتقد أنّه متخلف ذهنيا، لكنه فاجأني بذكاء كبير وقدرته الكبيرة على الفهم والحفظ، فبقيت أحاول دمجه مع بقية زملائه لفترة طويلة إلى أن تخلص من عقدة النطق، وقلت عنده كثيرا نوبات الغضب، لم أكن أشعر أننيّ أقوم إلّا بواجبي اتجاه أحد أبنائي، الجميع كان يشيد بنجاحي في التعامل مع هذا التلميذ، أما والدته فكانت سعيدة جدا بتحسن حالة ابنها، وتغدق علي بالدعاء الطيب والشكر كلما اِلتقتني..هو الآن في المتوسّطة “.

مقالات ذات صلة