موعد مع جنرال.. جنازة وهمية ونواح للإفلات من العقاب!
.. نعاهدكم ما نزيدش نستعمل البورتابل.. وليدي مريض عندو “الحمى”.. مرتي على وشك الولادة.. والله عندي جنازة.. عندي شرع.. دموع وتوسلات.. هذه عينة من الحجج والعلل التي قدمها مخالفون لقانون المرور للإفلات من العقاب وتفادي سحب رخصة السياقة، بعد أن تم ضبطهم من طرف فرقة أمن الطرقات الذين يباغتون صناع الموت بسيارات مموهة تابعة للأمن العمومي لأمن ولاية الجزائر.
من دون شك، فإن مستعملي الطريق السريع، الشمالي والجنوبي ومختلف الطرقات الفرعية والرئيسية للعاصمة، أوقفتهم أو طاردتهم أو على الأقل سمعوا عنها.. هي “مطلب شعبي” تحول إلى واقع يترصد تصرفات المتهورين من السائقين ومجانين السرعة والمناورات الخطيرة، تتميز بتنسيق أمني محكم، سرعة واحترافية عالية في رصد المخالفات، جدية في التعامل مع مختلف الحالات مهما كانت طبيعتها.
..عناصرها يتشاركون في قوة الملاحظة الدقيقة لجميع المخالفات المرورية مهما كان مرتكبوها، لا فرق بين مسؤول أو بطال، ولا بين فقير أو غني، الكل سواسية أمام القانون.. لكن كلّ هذا، لم يجرّدهم من الإنسانية واللطف في التعامل مع بعض الحالات الحقيقية خاصة الطارئة منها.. إنها فرقة أمن الطرقات المتنقلة على سيارات ودراجات مدنية أو “الشرطي المخفي”، كما يحلو للبعض تسميتها.
فرق مموهة تترصد صناع الموت عبر الطرقات
“الشروق” رافقت هذه الفرقة ووقفت على عملها، الذي يتركز أساسا على الوقاية من إرهاب الطرقات.. كانت بداية خرجتنا من مقر أمن ولاية الجزائر، أين حضرنا اجتماعا مصغرا، حيث قام ملازم أول للشرطة غلام قعنب رئيس الفرقة، بتحديد خصوصيات نطاق العمل لذلك اليوم، وإطلاع رجالاته الذين كانوا على أهبة الاستعداد للخروج في مهمتهم لرصد المتجاوزين عبر الطرقات..ومن خلال تنسيق عملياتي عالي المستوى، تبرز احترافية عمل مصالح هؤلاء عن طريق سيارات ودراجات مدنية لفرض منطق الأمن عبر الطرقات، خاصة مع تفاقم التجاوزات بعيدا عن نطاق الحواجز الثابتة للشرطة.
امتطينا سيارة مدنية مموهة من نوع “سكودا “بيضاء اللون، رفقة الملازم الأول للشرطة قعنب و3 دراجات نارية.. الرحلة بدأت وبدأ معها عالم كله علل وحجج واهية ومزيج من الابتسامة والصرامة، فبين محاولات السائقين التحايل على القانون، والإفلات من العقوبة، وبين تبريرات لاستعطاف رجال الأمن على غرار العبارات التي سمعناها ونحن في عين المكان “راني رايح لدار الشرع.. مرتي راهي تزيد.. وليدي مريض بالحمى.. خويا ومرتو تعرضو لحادث”.. لكن أغلب السائقين لا يعلمون أن فرق أمن الطرقات لا يهمها سوى مواجهة إرهاب الطرقات ووضع حد لتزايد المجازر المرورية وتأمين أكبر عدد ممكن من الأرواح.
“دار الشرع”.. كلهم متابعون قضائيا
البداية كانت على مستوى الطريق الرابط بين تافورة وساحة أول ماي من جهة الميناء، حيث رصد أعوان الفرقة، سيارة من نوع ” بيجو بارتنير” وهي تقوم بتجاوز خطير كادت أن تؤدي إلى حادث مرور قاتل، إذ توقف السائق على اليسار بدلا من اليمين بطريقة فجائية دون إشارة أو تنبيه، ليقوم رئيس الفرقة بإبلاغ أعوان الدراجين الناريين بوجود تجاوز خطير قام به السائق مع حرصه على توقيفه في نقطة تسمح بتفتيش السيارة وتمنع عرقلة حركة المرور.
وقام عون الأمن بوضع حواجز من أجل تنبيه السائقين الآخرين بوجود سيارة على جانب الطريق وتفادي حصول أي حادث، قبل أن يتقرب منه الدراج ويطلب منه وثائق السيارة ويسأله عن سبب توقفه غير القانوني، ليرد صاحب المركبة “سيارتي تكولات” أي أن محرك السيارة توقف فجأة، ليتأكد الدراج بعدها أنها مجرد حجة فقط للإفلات من العقوبة وسحب رخصة السياقة.
واصلنا جولتنا الميدانية ولم تمر لحظات، حتى توقفنا وهذه المرة بالقرب من الطريق المؤدي إلى المطار الدولي هواري بومدين، حيث تم توقيف صاحب سيارة كان مع ابنه الذي لا يتجاوز عام ونصف، ولما اقترب منه الشرطي الذي كان على متن الدراجة النارية، شارحا طبيعة المخالفة وخطورتها، كون أن القانون يمنع ركوب الأطفال في المقعد الأمامي للسيارة، برر السائق ما ارتكبه بأنه على عجلة من أمره قبل أن يظهر الدفتر الصحي لابنه ويقول للشرطي “وليدي طلعتلو الحمّة بزاف..لازم نديه للطبيب”، ويرد عليه الدراج قائلا: “راك تلعب بحياتك وحياة ابنك وجميع أفراد عائلتك”.
توسلات ودموع وعهود للحفاظ على الرخصة
وفي المحول المؤدي إلى الحميز اتجاه الجزائر العاصمة، تم رصد مخالفة أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها، والتي تعتبر من أهم الأسباب المؤدية إلى حوادث مميتة، حيث تم توقيف صاحب المركبة ونزلنا من السيارة “المموهة” وتوجهنا رفقة الملازم الأول للشرطة غلام، أين كان يقوم عون الدارجة النارية بطلب وثائق السائق وكذا الوثائق الخاصة بالسيارة بكل احترام.
وبعد تفتيش صندوق المركبة وكذا وثيقة التأمين وكل الوثائق أبلغ الشرطي السائق بالمخالفة التي ارتكبها طبقا لقانون المرور، والمتمثلة في استعمال الهاتف النقال أثناء القيادة، وهي المخالفة المصنفة في الدرجة الرابعة، فما كان على السائق سوى أن يذرف الدموع لاستعطاف أعوان الشرطة والتحجج بأنه لن يكرر ذلك، ويقول لرجال الشرطة: “نعاهدكم أمام الصحافة ما نزيد نديرها سامحوني هذه المرة برك”، مترجيا الشرطة بأن لا تسحب رخصته لأنه بحاجة إليها، ليرد عليه الشرطي قائلا “والله عجبا ما تغيضكش عمرك..؟”.
“يقتل” والده للإفلات من العقوبة
وعلى مستوى الطريق المؤدي إلى العاصمة وبالضبط بالقرب من منتزه “صابلات”، رصدت الفرقة سيارة قام سائقها بمناورة خطيرة، دون استعمال إشارة ضوئية، وعدم احترام المسافة الأمنية، ليتم توقيف صاحبها وهو شاب في الثلاثين من عمره، بعد أن أعلمه الشرطي بطبيعة المخالفة التي ارتكبها، وأخذ يتوسل الشرطي أن يتركه يمضي إلى حال سبيله، ومن بين ما قاله مبررا مخالفته “..أنا على موعد مع جلسة محاكمة بدار شرع” وأنه مضطر لذلك، وطبعا مثل هذه المبررات اعتاد عليها عناصر الفرقة.
وقال لنا الملازم الأول غلام إنه سبق لعناصره أن وقفوا على مخالفة بررها مرتكبها بتلقيه خبر وفاة والده، ونفس المبرر تحجج به نفس الشخص بعد يومين، أنه تلقى خبر وفاة والده، حيث إنه “قتل والده مرتين”، وما كان من الشرطي إلا أن أخبر السائق أنه ارتكب مخالفة من الدرجة الرابعة وعليه أن يدفع غرامة بـ 4000 دينار، بالإضافة إلى سحب رخصة السياقة.
عندي موعد مع جنرال.. مرتي راهي تولد أو عندي جنازة
وطيلة مرافقتنا للفرقة على محور الطريق السريع الرابط بين وسط العاصمة والدار البيضاء، لفت انتباهنا، عند تقربنا من سائقين، أن الكثير منهم على دراية بوجود فرق شرطة مموهة، غير أن التغيير الدوري لسياراتهم لا يسمح لهم بالتعرف عليها.. وبين الحجج الاستعطافية تتعدد التبريرات، حيث لم يجد أحد الشباب الذي تم ضبطه على مستوى بلكور في حالة تجاوز خطير سوى التحجج لرئيس الفرقة: “واللّه يا شاف عندي موعد مع الجنرال فلان”(..).. حجج مختلفة لتبرير السرعة المفرطة والتجاوزات الخطيرة واستعمال الهاتف النقال بينها أيضا “مرتي راهي تولد” أو “يما راهي مريضة”.
وبين هذا وذاك، تعوّد رجال الشرطة على حكايات مختلفة قد تتشابه وقد يوجد منها الحقيقي الطارئ الذي تفرضه ظروف استثنائية، لكن الأكيد أن الكثير منهم يحاولون التغطية على تجاوزات مرورية يعتبرونها بسيطة، لكنها أصبحت تصنع الرعب والموت عبر الطرقات.
هكذا تتورط شاحنات وحافلات الموت في المجازر
تمكنت فرقة الدراجين للأمن العمومي المموهة بالعاصمة، من وضع يدها على الكثير من المتهربين من تجاوزات كان يصعب التحقق منها في نقاط التفتيش الثابتة، باعتبار المموّهة مدنية ومفاجئة ومتنقلة، بشكل يسمح لها بمتابعة ومراقبة حركة السير، سيما على مستوى الطريق السريع من خلال رصد المخالفات الخطيرة والممنوعة.
ومن بين أهم وأخطر المخالفات المسجلة، لجوء بعض سائقي الحافلات والشاحنات لاستحداث محطات عشوائية جديدة على الطرق السريعة، حيث تم اكتشاف 167 منها، حسب ما كشف عنه عميد الشرطة رابح زواوي، واحتل استعمال الهاتف النقال حيزا هاما من المخالفات التي سجلتها فرقة الدراجات النارية المموهة، باعتبار أن الكثير من السائقين يتجنبون الحديث في الهاتف أمام النقاط والحواجز الثابتة للشرطة أو المصالح الأمنية الأخرى، بينما لا يجدون أي حرج في استعماله خلال السياقة دون أن يكون لديهم حسا مروريا بمدى خطورته.
وأبرز المسؤول ذاته، مدى خطورة الشاحنات التي أصبحت تتسبب في أخطر أنواع حوادث المرور وأمام المناورات التي كان يقوم بها سائقي الشاحنات، التي تتسبب في مجازر دموية.
كما أكد ممثل مديرية الأمن العمومي التابعة لأمن ولاية الجزائر، ملازم أول للشرطة غلام، أن فرقة أمن الطرقات أولا وقبل كل شيء تسعى إلى خلق نوع من الشعور بالرقابة الذاتية لدى السائقين، مما يجعلهم يحرصون على التقيد بقانون المرور وتجنـّب المخالفات، على طول الطرقات وليس فقط أمام الحواجز الأمنية ونقاط المراقبة، هذه المخالفات والتجاوزات المرورية الخطيرة التي تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، وبالتالي التقليل من ظاهرة إرهاب الطرقات ولما لا القضاء عليها.
عميد الشرطة رابح زواوي المكلف بالإعلام بأمن ولاية الجزائر
للأسف.. قانون المرور الغائب الأكبر في يوميات السائق الجزائري
أكد عميد الشرطة رابح زواوي، المكلف بالإعلام بأمن ولاية الجزائر، في لقاء مع “الشروق” أنه من خلال المخالفات المختلفة والمتنوعة التي تم تحريرها في الميدان كشفت بقوة أن الغائب الأكبر في يوميات السائق الجزائري هو قانون المرور، حيث سجلت فرقة أمن الطرقات “بي أس أر” للسيارات المموهة التي تعتبر بمثابة طفرة نوعية من أجل الحد من حوادث المرور قصد تكريس قواعد السلامة المرورية لدى مستعملي الطريق خلال السنة الماضية 12788 مخالفة خارج نطاق المراقبة الثابتة.
وفي التفاصيل، يقول زواوي إنه تم تسجيل 4032 حالة تتعلق باستعمال الهاتف النقال، 523 حالة خاصة بلوحات ترقيم غير قانونية، 462 مخالفة تتعلق بعدم احترام إشارة قف، دوران ممنوع 281 حالة، مناورات خطيرة 2127 حالة، تغيير الاتجاه دون إشارة 175 حالة، عدم احترام محور الدوران 43 حالة، التجاوز على اليمين 364 حالة، اجتياز الخط المستمر 635 حالة، الرجوع إلى الخلف في الطريق السريع 258 حالة، عدم السير في اتجاه ممنوع 343 حالة. فيما تم تسجيل 287 حالة للسير أقصى اليسار للوزن الثقيل، عدم احترام مسافة الأمان 292 حالة، السير على الرصيف الاستعجالي 224 حالة والوقوف على الرصيف الاستعجالي دون ضرورة ملحة 160 حالة.
ومن جهة أخرى، يطرح تهرب السائقين من تقديم رخص سياقتهم خوفا من السحب الكثير من التساؤلات، حيث تم تسجيل 119 حالة لم يتم فيها تقديم رخصة السياقة مقابل 18 حالة لانتهاء صلاحية شهادة التأمين الخاصة بالمركبة.
وأكد ممثل أمن ولاية الجزائر، أنه على هامش نشاطها الخاصة برصد المخالفات المرورية، سجلت فرقة أمن الطرقات قضايا تدخل في إطار الجرائم البسيطة والمتوسطة، حيث تم رصد 120 جريمة، منها 9 حالات مخدرات، 11 حالة السياقة في حالة سكر، 25 حالة دراسات للحالات المشبوهة و4 حالات حمل أسلحة محظورة.




