منوعات

ميهوبي للشروق: المثقفون الجزائريون مرتبطون بالفايس بوك أكثر من الهيئات الثقافية

الشروق أونلاين
  • 4707
  • 12
الشروق
الشاعر والروائي والوزير الأسبق عز الدين ميهوبي

بمجرد استلام الشاعر والروائي والوزير الأسبق عز الدين ميهوبي مهامه بصفته مديرا للمكتبة الوطنية، عاد هذا الصرح إلى المهام التي يحدّدها له القانون المنظّم، وهذا ما أدى إلى بعض الانتقادات خاصة بعد أن كانت المكتبة الوطنية في عهد مديرها السابق أمين الزاوي فضاء للتنشيط الثقافي.

ويكشف عز الدين ميهوبي في هذا الحوار لـ “الشروق” أنه لا يُعجزه أن يجعل من المكتبة الوطنية مكانا للتنشيط الثقافي لو كان القانون يسمح بذلك، لكنه ملتزم بدور المكتبة في حفظ الكتاب والمخطوط والوثيقة والإيداع القانوني ومنح الرقم المعياري الدولي للكتاب. كما يجيب ميهوبي في هذا الحوار عن عدد من الأسئلة ذات العلاقة بالشأن الثقافي في الجزائر.  

.

 تحمّلتم مسؤولية إدارة المكتبة الوطنية الجزائرية عقب مديرها السابق أمين الزاوي، ما هي الإنجازات التي تحققت في عهدتكم؟ 

المكتبة الوطنيّة، في عُرف اليونيسكو، وتقاليد الأمم العريقة ليست مركزا ثقافيا نقيم فيه الأمسيات الشعريّة والندوات الفلسفيّة، والملتقيات ذات الصلة بالاقتصاد والإدارة والسياسة.. إنّها مؤسسة حفظ الكتاب والمخطوط والوثيقة والإيداع القانوني ومنح الرقم المعياري الدولي للكتاب كأهداف أساسيّة، ثم تأتي النشاطات المرتبطة بهذه المهام.. ومن هنا فالذي يقوم بالنشاط الثقافي هو مؤسسات أنشئت لهذا الغرض.. بمعنى أنّ المكتبة لا تحلّ محلّ مؤسسات ثقافية أخرى. وتعلمون أنّني من الذين نشأوا في بيئة الفعل الثقافي منذ أيّام اتحاد الكتاب الجزائريين، وكذا في فترة إدارتي للإذاعة الوطنية، وفي هذين الفضاءين، قدّمت الكثير من الفعاليات الثقافية وطنيا ودوليا.. فلو أنّي رأيت من مهام المكتبة القيام بنشاط ثقافي وأدبي وفكري لجعلت منها مؤسسة لا تتوقف ساعة واحدة، وأنا أعي ما أقول.. لكنّني ملتزم بوظيفة المكتبة، والجهد منصبٌّ على الكتاب والمخطوط ومتابعة مسار الرقمنة الذي يعد من بين التحديّات الكبرى لقطاع الثقافة، ولعلّ من الأشياء المهمّة التي تقوم بها المكتبة الوطنية حاليا هي منح الرقم المعياري بعيدا عن أيّ اعتبارات، فللناشر أن يقدّم أي مؤلف، ولا يحقُّ لمصالح المكتبة أن تبدي رأيا فيما يقدّم، لأنّ تلك مهام القضاء وحده.. ثمّ إنّنا سنزوّد المكتبة بكمّ هائل من الإصدارات الأجنبية، مع استكمال البيبليوغرافيا السنوية للمنشورات، فضلا عن عدد من الملتقيات التي ترتبط بمهام وتاريخ ومحتويات المكتبة الوطنية الجزائرية. مثلما يأخذ التكوين حيّزا هاما في سياسة المكتبة لتحسين أداء إطارها البشري. 

.

قلت في أحد الحوارات الصحفية السابقة أنه ليس من مهام المكتبة الوطنية أن تكون فضاء للمطالعة، وهذه الخدمة تعتبر الآن من أهم الخدمات التي تقدّمها المكتبة الوطنية خاصة لطلبة الجامعات والباحثين، هل من الممكن أن تحدثنا عن المهام المنوط بالمكتبة الوطنية القيام بها بحسب قانونها المنظم؟ 

طبعا المكتبة الوطنية ليست للمطالعة العمومية، بمعنى أنّ طلبة الثانويات لن يجدوا كثيرا مما يهمّهم، لأنّ الكتاب المدرسي لا يوجد إلاّ في المكتبات العمومية، وهي من المكاسب الجديدة لقطاع الثقافة الذي تعزّز بعدد هام منها عبر الولايات، لها إطارها ووظيفتها.

أمّا المكتبة الوطنية فإنّها مفتوحة أمام الباحثين والأكاديميين وطلبة الدراسات العليا الذين يستفيدون من الرصيد الموجود، من مخطوطات وكتب نادرة ومؤلفات ذات صلة بما يبحثون فيه.. ونحن نسعى لتحسين أداء المكتبة في هذا المجال، من توفير شروط البحث، وكذا توسيع الخدمات التي يقدمها الموقع الإلكتروني. 

.

من الانتقادات التي تُوجّه للمكتبة الوطنية أنها الآن غائبة عن التنشيط الثقافي الذي كانت فضاء له على عهد مديرها السابق أمين الزاوي، هل هذه الانتقادات مؤسّسة؟ 

كما أسلفتُ..ليس من مهام المكتبة الوطنية أن تتحوّل إلى مركز ثقافي.. وهو ليس أمرا صعبا بالنظر إلى ثراء الساحة الثقافية الوطنية.. لكنّني فضلت الالتزام بدور المؤسسة والتقيّد بمهامها، وأنا أتفهّم انتقادات من يسعون للمقارنة بين المراحل. أنا مهمّتي الأولى الكتاب. 

.

يمكن لمن يطّلع على مهام المكتبات الوطنية في أكثر من بلد عريق كمصر، إيران، الولايات المتحدة، المغرب وغيرها من البلدان أن يقف على بعض الاختلافات في مهام المكتبات الوطنية لهذه الدول.. هل تختلف مهام المكتبة الوطنية من بلد لآخر، وعلى ماذا يعتمد هذا الاختلاف من أسس؟ 

ليست هناك اختلافات كبيرة أو جوهريّة، فالمكتبات الوطنية ذات مرجعيّة واحدة هي اليونيسكو التي تضبط مهامها، باعتبارها حاضنة وحافظة الكتاب والوثيقة، وقد سمحت لي بعض الزيارات بالإطلاع على وظائف المكتبات المشابهة، ولم أر فرقا كبيرا، بل إنّ بعضها تضاف إليه حقوق التأليف. أمّا النشاط الثقافي الذي يركّز عليه بعض النّاس فله مؤسساته، ويمكن أن تسأل عنه. 

.

في أحد الحوارات السابقة التي أجريت معك عقب تسلمك مهام إدارة المكتبة الوطنية قلت إنك بصدد وضع تصوُّر جديد للمكتبة الوطنية على ماذا يعتمد، وما هي النسبة التي أنجزتموها من هذا التصور؟ 

وضع الكتاب في المكتبة الوطنية بحاجة إلى عناية أكبر، فليس هناك من يجرؤ على القول بأنّ في المكتبة كذا من نسخة، لأنّ المقرّ القديم، لا زال بحاجة إلى جهد أكبر لترميم وترقيم كتب تعود إلى القرن التاسع عشر.. وبسبب قدم المبنى فإنّ العمل على تحقيق هذا المسعى يبقى صعبا، رغم ما يبذل من جهد. وأيّ تصوّر يبقى قاصرا، لأنّ الرهان الأساسي هو عصرنة المكتبة والنفاذ إلى التكنولوجيا لتكون مؤسستنا على تماس مع المكتبات العربية والعالمية. 

.

في مجال حماية المخطوط هل يمكن أن تعرض لنا تصورك في هذا المجال، وكم عدد المخطوطات التي تمكنت المكتبة الوطنية من جمعها، وهل لك أن تذكر لنا بعضها؟ 

من المكاسب التي حققتها المكتبة الوطنية في مجال المخطوطات هو أنّها نجحت في رقمنة ما يقارب الأربعة آلاف مخطوط، حتّى يتسنّى للباحثين استغلال ذلك دون عرض المخطوط الأصلي لما من شأنه أن يتلفه أو يؤثّر على بعض معالمه وملامحه. مع الإشارة إلى أنّ المكتبة نظّمت عددا من الدورات التدريبية في مجال معالجة المخطوط مع خبراء أجانب لهم تجربة واسعة في هذا المجال. أمّا فيما يتصل باقتناء المخطوطات، فإنّ المكتبة الوطنية تسعى باستمرار إلى الحصول على ما أمكن من مخطوطات ذات قيمة تاريخية وعلمية، إلاّ أنّ إجراءات الاقتناء تبقى ثقيلة نوعا ما مما يحول دون إقبال ذوي الوثائق الهامة على بيعها وحتّى اهدائها.

.

ما هي العلاقة التي تربط المكتبة الوطنية بوزارة الثقافة؟

هناك تنسيق دائم بين المؤسسة والوصاية، وتحتضن قاعة المحاضرات للمكتبة الوطنية عديد النشاطات التي تنظمها بعض المؤسسات التابعة لقطاع الثقافة. وتحرص السيدة وزيرة الثقافة على أن يستكمل مشروع الرقمنة بأسرع وقت وضمن المعايير الدولية.

.

في مجال التعاون مع مكتبات البلدان العربية، أو حتى الأجنبية ما هي الأسس التي تحكم هذا التعاون، وما الذي تم تحقيقه على هذا المستوى؟

التعاون مسألة طبيعية بين المكتبات، سواء فيما يتعلّق بتبادل الخبرات، وخاصّة فيما يتعلّق بعصرنة المكتبة الوطنية، إذ أنّنا نبحث باستمرار عن أفضل النظم التقنية المستخدمة في البحث والجرد، وتلقينا عشرات العروض من باحثين جزائريين وأجانب يعرضون خدماتهم. وهناك أيضا علاقة أقامتها المكتبة الوطنية مع هيئة الفهرس العربي الموحّد التي بلغت مستويات متقدّمة جدّا في إدخال تقنيات عملية في تسيير المكتبات.

أما المكتبات الأجنبية فتربطنا بكثير منها علاقات تعاون موثّقة باتفاقيات، وأخرى نحن بصدد الإعداد لها.

.

كيف يرى عز الدين ميهوبي مسألة المقروئية في الجزائر؟

الجزائريون يقرؤون، إنّما في الفضاءات المغلقة (المكتبة والبيت..وليس المقهى أو الساحة العمومية)، وليس أدلّ على ذلك من أنّ معرض الجزائر الدولي للكتاب هو من أهمّ المعارض عربيا ودوليا، سواء من حيث عدد دور النشر أو الجمهور الذي يقصده، بشهادة المهنيين.

ويمكنني أن أقول بأنّ نسب نشر الكتاب في ارتفاع واضح، إمّا بسبب الفعاليات الكبرى التي نظمتها الجزائر (سنة الجزائر الثقافية بفرنسا 2003، الجزائر عاصمة للثقافة العربية 2007، المهرجان الإفريقي الثقافي الثاني 2009، تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية 2011، وبرنامج السيد رئيس الجمهورية لدعم الكتاب..)، وكلّها أسهمت في بروز مؤسسات نشر جديدة، ربّما تتجاوز الثمانمائة، ويتجاوز عدد ما ينشر سنويا العشرة آلاف عنوان من كل التخصصات.. ونتلقى في المكتبة يوميا طلبات من مؤسسات ومراكز ثقافية ومؤسسات تربوية تطلب تزويدها بكتب.. وهو دليل على أنّ العلاقة بين المواطن والكتاب بدأت تتوثّق.

.

معروف عنك نشاطك المكثف من خلال مساهماتك في الكتابة عبر عدد من الصحف العربية، وكذا في مجال التأليف إضافة إلى إدارتك لهذا الصرح، وهو المكتبة الوطنية، كيف يوفق ميهوبي بين كل هذه الانشغالات؟

عملي بالمكتبة الوطنية لا يحدّ من استمراري في الكتابة والتأليف، بل إنّه ساعدني أكثر في تنويع كتاباتي، إذ أنني خلال عامين تمكنتُ من تأليف ثمانية كتب بين الشعر والرواية والمقالات وكتابين أحدهما يتناول سيرة جدّي محمّد الدراجي (المجاهد المصلح) والآخر حول الحروب اللغوية في العالم. إلى جانب أكثر من سيناريو.. دون أن يكون ذلك كلّه على حساب مهامي على رأس المكتبة، إلى جانب مشاركتي في عدد من الملتقيات الوطنية والدولية محاضرا.

.

هل يمكن أن تُقدّم كمثقف تشريحا للوضعية الثقافية في الجزائر، وهل أنت راض عن أداء المثقفين الجزائريين محليا وإقليميا ودوليا؟

المثقفون الجزائريون، في السنوات الأخيرة، صاروا يعتمدون على علاقاتهم، وهم يرتبطون بشبكات إعلامية وثقافية تتيح لهم المشاركة في عديد الملتقيات والمهرجانات الدولية، والفضل يعود للأنترنيت والفايس بوك..وقليل منهم من صار يرتبط بالتنظيمات الثقافية التقليدية كاتحاد الكتاب والجاحظية والاختلاف.. ووجد كثير راحته في هذا الأسلوب.

مما أدى إلى بروز أسماء لم تكن معروفة، ونجحت أخرى في تكريس حضورها وطنيا وعربيا ودوليا.. وهناك مستوى آخر من الكتاب الذين صاروا أقرب إلى السياسة منهم إلى الإبداع، وأصبح اهتمامهم بتسويق أسمائهم يأخذ جهدا أكثر مما ينتجون من أدب.. لكن كلّ هذا يبقى أمرا طبيعيا في ظلّ طغيان الصورة على ما وراءها. وأبقى متفائلا بأنّ السنوات القادمة ستعرف بروز أسماء تمنح الأدب والثقافة الجزائريين ملمحا عولميا مفيدا، بالنظر إلى الغليان الذي يعرفه مجتمعنا ومحيطه.

.

ما هي أهم الروايات الجزائرية التي صدرت برأيك عام 2012، وكيف ترى الرواج الذي تحقّقه أعمال أحلام مستغانمي عربيا؟

الرواية في الجزائر تنتشر بصورة مذهلة، حتى لدى الشعراء، وأنا واحد منهم، ربّما هذا لا يعجب الروائيين أصلا، لكنّها الحقيقة، فأحمد حمدي كتب رواية “حومة الطاليان”، وهو شاعر، وربيعة جلطي كتبت رواية “الذروة” وهي شاعرة، وأنا كتبت “اعترافات أسكرام” ولم أتوقف عن كتابة الشعر، لكنني لم أسمع أن واسيني الأعرج أو مرزاق بقطاش نشرا مجموعات شعرية.. أما أحلام مستغانمي، فلم تعد بحاجة إلى من يسوّق اسمها، وكلّ ما تكتبه ولو كتيّب في السودوكو أو الكلمات المتقاطعة يجد رواجا له.. فهي الآن ماركة مسجّلة. هنيئا لما تنجزه.

.

قدّمت عددا من السيناريوهات لأفلام تاريخية مهمّة، هل من مشاريع جديدة في الأفق على هذا المستوى؟

أنا سعيد بما يحقّقه فيلم زبانا من نجاحات، ففضلا عن كونه مرشحا باسم الجزائر لجوائز الأوسكار، هو ثاني فيلم يسوّق لقاعات السينما في إيطاليا بعد “معركة الجزائر”، وقد حضرتُ مؤخرا عرضه في دبي.. وكان العرضان مملوءين عن آخرهما.. وأمّا مشاريعي الأخرى فقدّمت مشروعا بعنوان “المروحة والداي” للتلفزيون، وهناك عديد المسرحيات والمونولوغات…

مقالات ذات صلة