الرأي

مَن أشدّ منّا قوة؟!

سلطان بركاني
  • 895
  • 0

إثرَ الإعلان عن قرب اجتياح رياح عاتية لشمال الجزائر، تصل سرعتها 120 كم/سا في بعض المناطق؛ امتلأت مواقع التواصل الاجتماعيّ ليلة الأربعاء الماضي بمنشورات تدعو إلى أخذ الحيطة والحذر، بأسلوب هزليّ ساخر؛ لقيت رواجا كبيرا في المجموعات، وتفاعلا واسعا بين الشّباب… ولا شكّ أنّ قصد هؤلاء الشّباب لم يكن الاستهزاء بآية من آيات الله، ولكنّ سلامة القصد لا تبرّر خطأ الفعل الذي تتوارد نصوص القرآن والسنّة على التحذير منه، ووصف مقترفيه بما يدلّ على غفلتهم وقسوة قلوبهم، مثل قوله تعالى: ((أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُون)).

روت أمّ المؤمنين عائشة –رضي الله عنهـا- أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- كان إذا رأى غيمًا أو ريحًا، عُرِف ذلك في وجهه؛ فقالت: يا رسول الله! الناس إذا رأوْا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأَراك إذا رأيتَه عُرفتْ في وجهِك الكراهية؟! فقال: «يا عائشة، ما يُؤمنني أن يكون فيه عذابٌ؟ قد عُذّب قومٌ بالريح، وقد رأى قومٌ العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا» (مسلم)… مثل هذا الموقف لو أظهره مسلم رقيق القلب في زماننا هذا، ربّما وجد من يتّهمه بالبعد عن الواقعية والتنكّر للعلم الذي أصبح في إمكانه تحديد وجهة الرياح وسرعتها وتحديد ما يمكن أن تحمله… وهذا لا شكّ من الغرور الذي لا يقدر صاحبه الخالق –سبحانه- حقّ قدره ولا يعرف سننه في خلقه ولا يتابع بقلبه وعقله آيات القدير –سبحانه- في إنذار من تغرّهم الأسباب المادية ويكرّرون خطأ أشباههم في كلّ زمان: ((فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون))

قبل هذه الرياح العاتية التي تجتاح الشّمال الإفريقيّ، كان جنوب أوروبا قد تعرّض لعاصفة متوسطية قوية، تسببت في فيضانات جارفة، وانهيارات أرضية، وأمواج عاتية بلغ ارتفاعها 16 متراً، وبالتزامن معها -تقريبا- شهدت الولايات المتّحدة الأمريكيّة عاصفة ثلجية تدنّت معها درجة الحرارة إلى (-45 درجة)، وحاصرت 200 مليون مواطن أمريكي، وأودت بأرواح العشرات منهم. كما تسبّت في خسائر فادحة في البنية التحتية وأدّت إلى انقطاع الكهرباء عن مئات الآلاف من الأمريكيين، ما اضطرّ 20 ولايات أمريكية إلى إعلان حالة الطّوارئ، وأجبر شركات الطيران على إلغاء عشرات الآلاف من الرحلات الجوية.

لا أحد يشكّك في مدى التطوّر الذي بلغته الولايات المتّحدة الأمريكيّة في مجال الأرصاد الجوية، وفي توقّع الكوارث، كما لا يجادل أحد في أحد أنّ هذه العاصفة لو نزلت بإحدى دول العالم الثالث لكانت الفاتورة أفدح بكثير. لكنّنا لو نظرنا إلى أثر هذه النّازلة على أمريكا، في غمرة الخطاب الأمريكيّ المستعلي على البشرية، في الأيام الأخيرة، فإنّه سيرنّ في أذهاننا قول الله –تعالى-: ((فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُون)).

تمنّينا لدُولنا المسلمة لو سارت في ركب التطوّر وسعت حثيثا في امتلاك أسباب القوة، لتقف في وجه الغطرسة الأمريكيّة… وتخلّفُ الأمّة الحضاري والتكنولوجيّ لا يبرّره دين ولا عقل، والدّين لم يكن يوما سببا في هذا التخلّف، ونحن المتشبثين بهويتنا لا ندعو –كما يزعم العلمانيون- إلى القعود وانتظار عقوبة الله لتحلّ بأمريكا، إنّما نتكر بشدّة تأخّر دول المسلمين عن السّباق الحضاريّ، لكنّنا لا نحمّل المسؤولية للمتديّنين الغيورين على دينهم وأمّتهم كما هو ديدن العلمانيين، إنّما نحمّلها لمن يستوردون زبَد الحضارة الغربية ويغضّون طرفهم عن زبدتها!

ما يحلّ بالعالم -مسلمه وكافره- من كوارث وقوارع، ينبغي أن يكون حاديا لأولي الألباب على الاعتبار بضعف البشر أمام الغيب المستور الذي قد يقف العلم على شاطئه لكنّه لن يستطيع خوض لججه، كما ينبغي أن يحمل المؤمنين خاصّة على التضرّع للخالق –سبحانه- بأن يلطف بخلقه، وأن يخصّ بنكاله الظّالمين المتجبّرين، وإن أنزل بعضا منه على عباده المؤمنين المستضعفين، فالمرجوّ أن يكون كفّارة لذنوبهم ورفعة لدرجاتهم.

الآية من آيات الله، قد تنزل بالمؤمن والكافر، وقد تنزل بالظّالم كما تنزل بالمظلوم، لكنّ حكمتها وأثرها لا يكونان سواءً على من نزلت بهم؛ فهي للكافر والظّالم (ولو كان مسلما) عقوبة ونكال وإنذار، وللمؤمن -خاصّةً- تكفير للسيئات ورفعة للدّرجات… وعلى ذلك، فلا محلّ لاعتراض العلمانيين على حديث المؤمنين عن عقوبة الله للكافرين والظّالمين، بقولهم: وها هي الكوارث تصيب المسلمين. وما حلّ بأمريكا، حلّ مثله بأفغانستان المسلمة، وقد يحلّ مثله بدول مسلمة أخرى… هذا الاعتراض لا تقوم له قائمة عند عبد يفهم عن الله سننه في تدبير شؤون خلقه، ويتعامل مع الأحداث بعقله وإيمانه.

مقالات ذات صلة