الرأي

مَن يتحكّمُ في تنظيم عملِ المُوّرّثات؟

لمباركية نوّار
  • 322
  • 0
ح.م

رغم أن قدّ الخلية، وهي أصغر لبنة في بناء جسم أي كائن حيّ، مختزل الأبعاد، ولا تُرى إلّا بالاستعانة بالمجاهر والمكبرات، إلا أن أسرارها المكتومة كثيرة وعجيبة. ولا تكاد هذه الأسرار أن تنتهي، إنما هي في تزايد مستمر بفضل الاكتشافات العلمية في معامل علم الأحياء.
ومما زاد في تضاعف المعلومات المفسّرة للظواهر الوظيفية للخلايا الحية هو اكتشاف أصناف الأحماض النووية التي يتوزع وجودها بين النواة والهيولى (السيتوبلازم). وإثر الاكتشاف الفعلي للحمض النووي منقوص الأكسجين (L’ ADN) في سنة 1953م من طرف العالمين الأمريكي جيمس واتسون والبريطاني فرنسيس كريك، انبلج فجر جديد في حياة دراسة علم الخلية الحيّة.
فاز بجائزة نوبل في الطب في العام الماضي (2024م) باحثان أمريكيان هما فيكتور أمبروس وجاري روفكون. ويشتغل الأول أمبروس (70عاما) في كلية الطّب في ماساتشوستس، فيما يعمل الثاني رافكون (72 عاما)، وهو أستاذ في علم الوراثة، في كلية الطب بجامعة هارفارد. وقد تمكنا من توسيع قائمة الأحماض النووية، وأضافا لها صنفا جديدا هو الحمض النووي الريبوزي الدّقيق MicroARN، ويدعى أيضا بالحمض النووي الريبي الميكروي بعد أن توصّلا إلى الوقوف على الدّور الذي يلعبه في تنظيم المورّثات “الجينات”.
يعدّ هذا الاكتشاف مثيرا، وهو لم يأت إلا من بعد سنوات طويلة من الجهد المضني المبذول في ظلام مخابر البحث والتجريب. وتتحدّد خدمته الطبية في تطوير علاج الإصابات المرضية الوراثية التي تصيب الإنسان بدرجة أولى. وما يعرف إلى حدّ الآن هو أن الجينوم البشري (ويسمّى أيضا: المجين البشري: الحقيبة الوراثية للإنسان) الذي يعبّر عن الحمولة الوراثية الكاملة في الصبغيات يشفّر لأكثر من ألف حمض نووي ريبوزي دقيق. ويدلُّ هذا العدد الذي يمضي بلا شك نحو التصاعد على عظمة هذا المكوّن الخلوي، وعلى مقدار أهميته في نشاطات الخلايا الحيّة.
تبدأ عملية إنشاء البروتين الذي يؤدّي دورا تمييزيا في نواة الخلية الحية بعد أن ترسل الحمض النووي الريبي الرّسول (المرسال). ويكتمل التصنيع في فضاء الهيولى عقب ترجمة الرسالة على مستوى الأجسام الريبية (الريبوسومات) بمساعدة الأحماض النورية الريبية وفق عملية متسلسلة تسمى: النّسخ.
يتكوّن جسم كل كائن حي من أشكال مختلفة من الخلايا تختلف في البنية وفي الوظيفة أساسا، ولكنها تتفق جميعها في الحمض النووي L’ADN الذي تحتويه، والذي يساهم في إنتاج بروتينات تعبّر عن الهُويّة البيولوجية للفرد من دون مساس بنوعية الخلايا وتخصصها. ولا يتحقق ذلك، إلاّ إذا ضبط نشاط المورثات ضبطا مستمرا ومحكما مع محاولة التّكيّف مع المتغيّرات الطّارئة. وتفسّر الاختلالات التي تترتّب عنها أمراض خطيرة كالسّرطان وفقدان المناعة والسّكري في حدوث أخطاء مرتبطة بتنظيم اشتغال المورّثات.
مثل من سبقهم في طريق البحث في علم الوراثة، لم يوظف الباحثان أمبروس وروفكون اللذان كانا يشتغلان على انفراد الإنسان في أبحاثهما لاعتبارات معروفة. وإنما توجّها إلى تسخير دودة الربداء الرشيقة التي عُزلت لأول مرة من التربة في الجزائر من طرف العالم إميل موباس وأكمل وصفها في سنة 1900م. واسمها العلمي: Caenorhabditis elegans.
ووقع الاختيار على هذه الدّودة لصغر حجمها إذ يبلغ طولها عند البلوغ ملمترا واحدا مع سرعة تكاثرها وتلاحق أجيالها التي تنهي دورتها الحياتية في ثلاثة أسابيع مما يساعد على اختصار زمن الانتظار بعد كل معالجة مخبرية. وهي كائن غير خطير وغير طفيلي، ويقتصر غذاؤه على الميكروبات أساسا. ويمكن أن تتحمل الجوع مدة أسبوعين من دون أن تتأثر.
كما أنها تتوفر على صفة أخرى تمييزية، وهي امتلاكها العديد من أنواع الخلايا المتخصصة كالخلايا العصبيّة والخلايا العضليّة التي تتوفّر عليها الحيوانات الأكبر حجما والأكثر تعقيدا. وقد أهّلتها هذه المواصفات لتجعلها نموذجا ماديا مفيدا للتحقيق في كيفية تطور الأنسجة.
ودرس الباحثان سلالتين متحوّلتين من الدودة المذكورة، هما: السلالة “لين-4” والسلالة “لين-14” وكتب لدودة الرّبداء الرّشيقة أن تدخل تاريخ علم الوراثة جنبا إلى جنب مع نبات البازلاء ونبات شبّ الليل وحشرة ذبابة الخل. وكان من عادة علماء الوراثة ابتكار أسماء طريفة يدلّعون بها هذه الكائنات التي يسخّرونها كمواد في أبحاثهم. وقد أطلقوا على حشرة ذبابة الخل الشهيرة، مثلا، اسم طريفا هو “Sophie” ولم نعرف لدودة الربداء الرشيقة اسما مبتكرا يدل على الدّلال والغنج الذي يراد أن يحيط بها. ومما يلاحظ أن شكل جسمها المفلطح والمنتفخ في جزء منه لا يوحي بأي رشاقة أو أناقة أو وسامة. ولست أدري كيف وُصفت بـ “الرشيقة”؟.
لم تكن الألغاز العلمية الملتقطة من الممارسات الطويلة التي أجراها العالمان سهلة التفكيك والحل، وهي ألغازٌ يتأرجح فعلها بين التنشيط والتثبيط، ويتذبذب بين الاشتغال والتوقف.

منذ تأسيس جوائز نوبل التي تُمنح في تخصصات علمية مختلفة ما عدا الرياضيات التي تنفرد بجائزة خاصة بها، سمِّيت الجائزة التي تُعطى في التخصص المعرفي الذي نحن بصدد الحديث فيه بجائزة نوبل في الطب أو في الفيسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء). وهذه التسمية، ومن وجهة نظري، يشوبها خلط وتشويه، ولا تتمتع بالصدق الكامل؛ ذلك لأن أغلب الفائزين بها باحثون في علوم الأحياء (البيولوجيا)، ولم يفز بها منذ تأسيسها إلا عددٌ محصور من الأطباء. وإن كنا لا ننكر الخدمات الجليلة التي ترمي بها هذه الاكتشافات الرائدة على الميدان الطبي في العلاج وفي التشخيص، فإن الفضل يبقى بيولوجيًّا بكل المقاييس، وبلا منافس.

وتوصّل كل واحد منهما إلى اكتشاف مبدأ جديد لتنظيم الموّرثات يجري بواسطة نوع غير معروف سابقا من الحمض النّووي الرّيبي، وهو الحمض النّووي الرّيبي الدّقيق MicroARN، كما ذكرنا.
ونشرت النتائج الأولية عام 1993م في مقالتين مستقلتين في مجلة “الخلية” العلمية. ومثلما حصل مع سلفهما الأول غريغور مندل مؤسس علم الوراثة في البداية، فقد قوبلت النتائج المنشورة بصمت مطبق من جانب
أهل التخصص رغم أنها كانت ملفتة للانتباه. ولمّا اعتبرت الآلية غير العادية لتنظيم المورّثات من سمات ديدان “الرّبداء الرّشيقة”، قيل، من باب النقد والتجريح، إن خلاصة النتائج المحصل عليها من دراسات انصبّت على ديدان قد لا تكون لها علاقة بالبشر والحيوانات الأخرى الأكثر تعقيدا.
يعمل الحمض النّووي الرّيبي الدّقيق على ضبط التّنظيم الجيني، أي حمايته من التّشوّهات.
وتكون نشأته في النواة، وهو خال من التّرميزات التي تقبل الترجمة لاحقا. ويعتقد أنه يشكل بين 1 إلى 5 بالمائة من الجينوم البشري. وترتبط جزيئاته بالحمض النّووي الرّيبي الرّسول فتعيق قراءة شفراته وتكبت ترجمتها من خلال منع ارتباطه بالحبيبات الريبية التي تمثل مصانع للبروتينات.
لم يدم الموقف السلبي والمشوب بالحذر للمجتمع العلمي الأحيائي من هذا الاكتشاف المدهش طويلا. وتلاشت معارضته شيئا فشيئا؛ فبعد سنوات قليلة تالية، تغيّر إدراك معظم العلماء المشكّكين وتراجعوا بعد أن اكتشف علماء أحياء آخرون أنماطا من الحمض النوّوي الرّيبي الدقيق إضافة إلى وضع خرائط وراثية جديدة لها.
أشادت لجنة جائزة نوبل في بيان لها بهذا الإنجاز العلمي المتقدّم، وقالت: (إنّ جائزة نوبل لهذا العام تكافئ عالمين وفّقا في اكتشاف مبدأ أساسي يحكم تنظيم نشاط الجينات). وأضافت للإشادة بهذا الاستحقاق التكريمي ذي الصبغة العالمية قولها: (يمكن أن يؤدي الاختلال في تنظيم الجينات إلى أمراض خطيرة مثل السرطان أو السكري أو أمراض المناعة الذاتية، ولهذا كان فهم تنظيم نشاط الجينات هدفا مهمّا لعقود).
في حين علّق أحد الفائزين المتّوجين وهو جاري رافكون مازحا للإذاعة السويدية العامة بعد أن بلغه الخبر قائلا: (كان ذلك هائلا. إنه أشبه بزلزال. كلبُنا لا يفهم لماذا نركض في كل مكان في المنزل فيما الظلام دامس في الخارج؟). وفي المقابل، قال زميله فيكتور أمبروس: (إنه أمر لا يصدَّق!. لم أكن أعرف ذلك).
منذ تأسيس جوائز نوبل التي تُمنح في تخصصات علمية مختلفة ما عدا الرياضيات التي تنفرد بجائزة خاصة بها، سمِّيت الجائزة التي تُعطى في التخصص المعرفي الذي نحن بصدد الحديث فيه بجائزة نوبل في الطب أو في الفيسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء). وهذه التسمية، ومن وجهة نظري، يشوبها خلط وتشويه، ولا تتمتع بالصدق الكامل؛ ذلك لأن أغلب الفائزين بها باحثون في علوم الأحياء (البيولوجيا)، ولم يفز بها منذ تأسيسها إلا عددٌ محصور من الأطباء.
وإن كنا لا ننكر الخدمات الجليلة التي ترمي بها هذه الاكتشافات الرائدة على الميدان الطبي في العلاج وفي التشخيص، فإن الفضل يبقى بيولوجيًّا بكل المقاييس، وبلا منافس. فمتى يعدّل اسم هذا الجائزة حتى يصبح مطابقا لواقع الحال؛ لأنه لا يجوز أن يكون المنجز أحيائيًّا والتشريف طبيًّا.
يقتضي قانون المواكبة ملاحقة مثل هذا الاكتشاف العلمي بشكل سريع وآني ومن غير إبطاء أو انكفاء، وتحويل الحقائق الثابتة المستخلصة منه من مستوى علم العلماء الراقي إلى عتبة المعارف المدرسية التي تقبل التداول في درجة أدنى استنادا إلى أسلوب تبسيطي يحافظ على جوهرها، ويجرِّدها من غموضها من غير الإخلال بمضامينها لتسريع دمجها في المناهج التعليمية، وتناولها في الأقسام الدراسية.
لست أدري متى يجد موضوع الحمض النّووي الريبي الدقيق مكانا ينوخ فيه بين مواد مقرَّراتنا المدرسية في مبحث علوم الطبيعة والحياة؟.

مقالات ذات صلة