الرأي

مُنعنا الغيث بشؤم معاصينا

سلطان بركاني
  • 2021
  • 1

نعيش في هذه الأيام بلاءً كان يفترض أن يهزّ نفوسنا ويحرّك قلوبنا بالخوف من الله: بلاء هذا الجفاف الذي طال أمده، حتّى صرنا ونحن في شهر نوفمبر كأنّنا في شهر ماي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. هو بلاء عظيم يا إخوة الإيمان، لكنّنا -مع كلّ أسف- لا ندرك عظمته، لأنّنا نرى القمح الذي نستهلكه يستورد من دول أخرى بمعدّل يفوق 7 ملايين طن سنويا، ونجد الخبز في مخابزنا والسّميد في محلاتنا.. لا ندرك خطورة الأمر لأنّنا ربّما لم نصدّق بعد أنّ العالم يتّجه إلى أزمة مياه خانقة، والعلم عند الله، وأنّ استمرار القحط سيؤدّي إلى جفاف العيون والآبار والسّدود، وسيؤدّي إلى هلاك الزروع والثّمار وحتّى الحيوان، وسيؤدّي إلى انتشار الأمراض والأوبئة.. والأضرّ من هذا كلّه أنّ حبس المطر وطول الجفاف ربّما يدلّ على أنّ غضب الجبار سبحانه قد حلّ علينا.

كلّنا ندرك ونقول بملء أفواهنا إنّ هذا الجفاف هو بسبب غفلتنا وذنوبنا ومعاصينا التي بلغت عنان السّماء.. كلّنا نقولها من دون تردّد عندما نتحدّث عن هذا الجفاف: “هذا بفعايلنا”.. نعترف بألسنتنا، لكنّنا لا نعترف بقلوبنا ولا بأفعالنا.. “فعايلنا” التي كانت سببا في حبس المطر، لماذا لا نتركها ونتوب منها ونتحوّل عنها إلى ما يرضي الله عنّا.. أخرج الإمام البيهقي عن جعفر بن سليمان الضبعي -رحمه الله- قال: كنا نكون عند مالك بن دينار، وكانت الغيوم تجيء وتذهب ولا تمطر، فقال مالك: ترون ولا توافون، أنتم تستبطئون المطر، وأنا أستبطئ الحجارة!”.. يقول هذا في عصر التابعين، كيف لو رأى زماننا هذا؟!

نقول: “المطر ما كانش بسبة فعايلنا”، ثمّ نصبح نياما عن صلاة الفجر، فلا يصليها منّا في بيت الله إلا بضع عشرات! نقول: “المطر ما كانش بسبب ذنوبنا”، ثمّ نصرّ على هجر القرآن.. نقول: “المطر ماكانش لأنّنا حنا اللي ماناش ملاح”، ثمّ نصرّ على أن نبقى ما ناش ملاح!! نصرّ على الغشّ والتطفيف، على أكل الحرام وأخذ الأموال بالباطل، على جحد الدّيون والمماطلة في أدائها.. نصرّ على الكذب والغيبة، وعلى التنافس غير الشّريف والتباغض والعداوة لأجل الدّنيا.. نصرّ على عقوق والدينا وإضاعة أبنائنا وبناتنا، وعلى قطيعة أرحامنا وإساءة جوارنا.. نصرّ على قيام الليل مع “التليفونات”، وعلى منع الزّكاة والبخل بالصّدقات.. نصرّ على نسيان الحجّ وإهماله، وتصرّ نساؤنا وبناتنا على التبرّج.. نصرّ على ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتّى أصبح الواحد منّا يسمع سبّ الله جلّ في علاه، فيطرق برأسه ويمضي في سبيله.

المطر قد حبس عنّا لأنّنا استكبرنا في الأرض وغرّتنا أموالنا ومناصبنا وسياراتنا، حتى أصبح من يلقي السلام على الناس يُنظر إليه على أنّه “دخايصي” و”ديمودي”! حتّى في الأماكن التي يفترض أن نتواضع فيها ونكسر نفوسنا، نأبى إلا أن نتكبّر ونستعلي؛ في المقابر التي يفترض أن نطرق فيها برؤوسنا، نرى من يضع النظارات السوداء على عينيه ويشمخ بأنفه، ونرى من يضحك، ومن ينشغل بمفاتيح سيارته، ومن يتمنّى أن تدفن الجنازة سريعا لينصرف إلى دنياه.. حتّى في بيوت الله، نرى من عباد الله من يستكبر ويأبى إلا أن يجلس خارج بيت الله، ولا يجلس وسط إخوانه؛ لا رغبة عنده في سماع درس ولا خطبة… يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [الأنعام: 42، 43].. حتّى عند خروجنا لصلاة الاستسقاء، لا نستشعر الفقر ولا نظهر التذلل، بل نخرج إليها كما نخرج إلى الأسواق، خلاف ما كان عليه قدوتنا -عليه الصّلاة والسّلام-، فعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: “خَرَجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم للاستسقَاء مُتَذَلِلاً، مُتَواضِعاً، مُتَخَشِعاً، مُتَضَرِعاً” (صحيح سنن الترمذي).

المطر قد حبس عنّا بسبب لهفنا في طلب الأموال وحرصنا الشّديد على جمعها، حتّى ما عاد الواحد منّا يلتفت إلى حرام أو حلال، وحتى استشرى الغشّ والتحايل في المعاملات، واستمرأ كثير من التجار التطفيف في الميزان، حتّى غدا التاجر الصادق الأمين الذي تطمئن إليه النفوس نادرا بين النّاس! يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن”، ثم ذكر منها: “ولم يَنْقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم” (صحيح سنن ابن ماجة).

أمسكت السّماء خيرها لأنّ بيننا كثيرا من عباد الله الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله، ويصلون الخمس ويصومون رمضان، لكنّهم لا يخرجون زكاة أموالهم.. بيننا مِن عباد الله من يكنزون مئات الملايين في حساباتهم البنكية ولا يخرجون زكاتها، وبيننا من النساء من تكنز من الذّهب غير المستعمل ما تبلغ قيمته النصاب ولكنّها لا تخرج زكاته.. وبيننا من لا يخرج زكاة تجارته بحجّة أنّ الحساب قد صعب عليه، وبيننا من يجني ويحصد كلّ عام غلّة وفيرة من خيرات الأرض التي يملكها، لكنّه لا يخرج الزّكاة بحجّة أنّ التكاليف كبيرة وأنّ “الدّوك ما زال ما سلكوش”! وبيننا من يخرج الزكاة كأنّه يدفع الضريبة، يخرجها متثاقلا كارها، وبيننا من يعطيها غير مستحقيها؛ يعطيها ابنته أو ابنه أو أخاه.. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34، 35]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القَطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا”.

لو كنّا نخرج الزكاة في وقتها ونضعها في أيدي مستحقيها، طيّبة بها نفوسنا، ونزيد عليها الصدقات، لأغدقت علينا الخيرات وحلّت بنا البركات: روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتا في سحابة: “اسق حديقة فلان”، فتنحى السحاب، فأفرغ ماءه في حرة (أرض بها حجارة سوداء)، فإذا شَرْجَة (مسيل الماء) من تلك الشِّراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته (بمجرفته)، فقال له: “يا عبدا لله، ما اسمك؟”. قال: “فلان”، للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: “يا عبد الله، لِمَ تسألني عن اسمي؟”. فقال: “إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: “اسق حديقة فلان”، لاسمك، فما تصنع فيها؟”. قال: “أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثه”.

المطر قد حبس عنّا بسبب كثرة معاصينا وذنوبنا، وليس هذا فحسب بل الأنكى من هذا مجاهرة كثير منّا بالمعاصي وتباهيهم بها، وقلّة من ينكر، وهذا يعمّ المعاصي التي يقترفها الخاصّة قبل العامّة والرعاة قبل الرعية، قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: “كان يقال: إن الله -تبارك وتعالى- لا يعذّب العامّة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمل المنكر جهارا، استحقوا العقوبة كلهم” (رواه مالك في الموطأ).. وشؤم هذه الذنوب التي اجترحها الحكّام والمحكومون، والخاصّة والعامّة، يمتدّ إلى كلّ المخلوقات؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رجلا يقول: “إن الظالم لا يضر إلا نفسه”، فقال أبو هريرة: “بلى والله، حتى الحُبارَى (طائر) لَتموتُ في وكرها هزالا من ظلم الظالم”، وقال مجاهد: “إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم”، وقال عكرمة: “دواب الأرض وهوامها، حتى الخنافس والعقارب تقول: منعنا القطر بذنوب بني آدم”.. فهل نرضى لأنفسنا أن تحيق بنا لعنات كلّ المخلوقات بسبب إفسادنا في الأرض؟

يتبع بإذن الله…

مقالات ذات صلة