نادي بيلدلبرغ.. الحكومة السرية العالمية
تم الاعلان عن عقد اجتماع للحكومة العالمية السرية في أحد المدن الالمانية.. فهل في هذا العالم حكوماتٌ غير التي نسمع عنها ونراها، والمنبثقة عن البرلمانات والانتخابات الشعبية أو التعيينات الرسمية المعروفة بأشخاصها وتحديد ملفاتها؟ كيف وبمن يدار عالمنا المعاصر؟ هل من خلال وزراء الخارجية الذين يملأون صفحات الجرائد بتصريحاتهم وأخبار تنقلاتهم ومؤتمراتهم الصحفية؟ أم أن هناك عالما خفيا؟ هل يترك الأوربيون والأمريكان العالم يتململ ويتحرك في تجاذب وتنام الى حيث يريد دونما تخطيط لمواجهة احتمالات مآلاته؟ هل يكفي لقيادة العالم وجود رئيس في البيت الأبيض أو سواه من مقرّات الرؤساء الاوربيين؟
إن الموضوع ليس بحثا جديدا في أبواب المؤامرة.. إنها محاولة لقراءة بعض الأسطر التي سمحوا بنشرها، ومحاولة فهم السبب الذي يقف وراء نشرها؟ وللأسف إننا نعاني من التسطيح في كل شيء لاسيما فيما يخص مستقبلنا وواقعنا وننصرف الى الكلام التافه الذي لا علاقة له بحياتنا، والانشغال بالهوامش وتقديس التأويل مع ترك الأصل، ونعود كما البهلوانات في سيرك يلاعبنا على حباله مدرِّبٌ مجرم حوَّلنا إلى أشباه آدميين لا نكترث الا بما تكترث به البهائم من اقتناء الأشياء بلا أفكار ولا قيم فيما هم يستحوذون على عملية التخطيط والتفكير والتنفيذ والنهب واللعب بنا.
نقلت الاخبار احتضان مدينة دريسدين الألمانية ابتداء من يوم الخميس الفائت الى غاية الأحد المقبل اجتماعات “نادي بيلدلبرغ” أو ما يُدعى “الحكومة السرية للعالم”.. وسيكون على طاولة البحث ملفات: احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأوراق بنما السرية الخاصة بالتهرب الضريبي، وكيفية ادماج المهاجرين المسلمين في اوروبا.
تأسس هذا النادي في سنة 1954 في سرية مطلقة ولكن بدأ ينشر لائحة أعضائه وعناوين مواضيعه مع حرصه على عدم حضور الصحافة او تسريب النقاشات الجارية في اروقته.. ويتكون اعضاء هذا النادي من الشخصيات المؤثرة في العالم من ملوك ورؤساء شركات ووزراء ومسؤولي اجهزة امنية وشخصيات قد تتولى مناصب حساسة وطنية او عالمية يتراوح عددها ما بين 120 الى 150 شخصية.
وتأسس نادي بيلدلبرغ بهدف تعزيز العلاقات الأطلسية بين أوروبا والولايات المتحدة ورسم الخطوط الاستراتيجية وتعديلها بما يناسب استمرار سيطرة الغرب على العالم ومراقبة التطورات الحاصلة على الضفة الاخرى. ويسمي الاعلام الدولي هذا النادي بـ”الحكومة السرية للعالم”، لكن هناك آراء أخرى تتحدّث عن جمعيات أكثر سرية لا يتسرّب عنها أي شيء الى الصحافة والرأي العام العالمي.
ويبرّر المنظمون سرية النقاشات بالسماح للمشاركين بإبداء رأيهم في الملفات المعروضة بدون أدنى قيد أو تخوف من انعكاسات عليهم أمام مواطنيهم والرأي العام الدولي
وبقي النادي طيلة عقود من الزمن مقتصرا فقط على أوروبا الغربية والأمريكان، ولكنه بدأ ينفتح خلال السنوات الأخيرة على أوروبيين من الشرق وبعض المسؤولين من أمريكا اللاتينية وتركيا، ولا يسمح للعرب نهائيا بحضوره. وحاول بعض الأمراء من السعودية المشاركة خاصة الأغنياء منهم، لكن لم تتم تلبية طلباتهم.
وجاء في لائحة الحضور هذه الدورة، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هينري كيسنجر، ومدير المخابرات الأمريكية السابق دفيد بيتراوس، ورئيس غوغل وملك هولندا وزوجة ملك اسبانيا، الملكة “ليتيسيا” ومديرة البنك الدولي كريستين لاغارد.
لا ندري لماذا تغيب عن الوعي العربي متابعة هذه المؤتمرات والاجتماعات ويغيب عن اهتمامنا نتائجها وسير اعمالها في حين يبدو ان الهدف الرئيسي لهذه المؤتمرات واللقاءات انما هو استمرار التدفق الشيطاني في محاربة وجودنا الانساني وفيها من التخطيط والاجراءات التي تنفذ حرفيا ونلاحظ في ذلك مراهنة من قبل العدو اننا لانقرأ واذا قرانا فإننا لا نملك القرار فما فائدة القراءة؟
ان الامر صادم بلا شك لأن السؤال الكبير يصفع وجوهنا: اين صناع القرار العربي من قراءة ما يُكتب ويُنشر في الغرب عن الصراع معنا؟ هل لو قام صناعُ القرار في بلداننا بمتابعة ما يُكتب ويُنشر هناك ستكون هذه نتيجة الصراع بيننا والغرب؟
أذكر انني حصلت في سنة 1993على كتيب صغير بعنوان “الاخطار الكبرى امام الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط وكيفية مواجهتها”، وهو من انتاج مركز دراسات الشرق الاوسط التابع لوزارة الخارجية الامريكية لعام 1984 وهو مترجم إلى العربية سنة 1986.. في هذا الكتيب كلام واضح تماما عن برنامج تم تنفيذه بالحرف فيما بعد.. يقول الكتاب ان هناك ثلاثة اخطار تتهدد المصالح الاستراتيجية الامريكية: 1- الثورة الاسلامية في ايران. 2- الحركات الاسلامية الراديكالية في المنطقة. -3 الجيش العراقي.. ومن الملاحظ ان الكتيب قد وضع قبل توقف الحرب العراقية الايرانية بعدة اعوام.. وهنا لابد من التنبيه إلى ان التحذير الإسرائيلي كان سابقا من تنامي قوة الجيش العراقي فمنذ عام 1981 والمحللون الصهاينة يحذرون من قوة الجيش العراقي.. الخطير في الموضوع ان كتيب وزارة الخارجية الامريكية يوضح كيفية التعامل مع الجيش العراقي بعد ان اكد ان محاصرة ايران طائفيا وقوميا سيكون السبيل الأنجع، اما الحركات الاسلامية فيكفي ان يتم اثارة الصراع بينها والانظمة العربية، اما الجيش العراقي فلقد وضعوا لتدميره خطة محكمة والغريب انها معلنة منشورة.. يقولون فيها انه لابد من جرّ الجيش العراقي الى تورط في الخليج يستوجب تدخلا دوليا ويتم القضاء على خطر الجيش العراقي بشكل مبرَّر تماما.
ان الامر صادم بلا شك لأن السؤال الكبير يصفع وجوهنا: اين صناع القرار العربي من قراءة ما يُكتب ويُنشر في الغرب عن الصراع معنا؟ هل لو قام صناعُ القرار في بلداننا بمتابعة ما يُكتب ويُنشر هناك ستكون هذه نتيجة الصراع بيننا والغرب؟
من هنا بالضبط لابد من الالتفات الى الحكومة السرية في العالم التي يخطط ويفكر فيها عشرات العقول الاستعمارية ويضعون التصورات للحفاظ على تسيّد الغرب وعلى العلاقات الاستراتيجية للاطلسي.. ومن هنا ندرك ان هذه الحروب الناشبة في بلداننا هي عملية مهياة تماما في مطابخ القرار الغربي، والمراقب للحراك الدولي الغربي حولها من خلال المبعوثين الدوليين الى بلداننا ومن خلال صيغ التسوية وقرارات دولية تهدف الى تكريس التمزق والتجزئة والانفصال..
اننا بلا شك ضحايا جهل معظم أولي الامر “حكاما ومثقفين وعلماء دين واحزاب سياسية” وتعاملهم الفوقي وعدم اهتمامهم بما هو خلف الابواب المغلقة في الغرب وعدم ترك فرصة للتغلغل وراء المعلومة والخبر وترصّد الموقف الغربي بدقة لكي لا نقع في احابيل يجيد صناعتها لاسقاطنا في الكمين.. لقد قادنا الجهل الى نسج علاقات مواددة مع العدو الاستراتيجي تشمل التنسيق الامني والتورّط في تحالفات مهينة فسقطنا منذ البداية في المواجهة، فهل يبقى هذا الجهل هو المتحكم في رؤيتنا للغرب؟ ام ان جيلا جديدا في الامة سينهج الوعي والثقافة فنخرج من الهامش ونقتحم دائرة الوعي والفعل؟.. تولانا الله برحمته.