نجاح ترمب وفشله
كل يوم جديد يحمل على صفحاته تقديرات متناقضة لأداء إدارة الرئيس الأمريكي ترمب على الصعيد الخارجي حيث النجاحات لاسيما في وطننا العربي وعلى الصعيد الداخلي حيث المشكلات العميقة اقتصاديا وسياسيا، فعلى الصعيد الداخلي فشل تلو فشل واختلالات أمنية متنامية وتوسع في الانقسام الاجتماعي وتشكل شرائح ثقافية وسياسية متناقضة تهدد صيرورة المجتمع الأمريكي متعدد الثقافات والانتماءات.. فيما يحقق ترمب نجاحات كبيرة على الصعيد الدولي وأهم نجاحاته في منطقتنا العربية حيث يسيِّر التناقضات وإدارتها بروح التاجر المعاصر الذي يعرف كيف يمكن إغراء الزبون بتقديم تسهيلات كبيرة في الإقراض فيما هو في حقيقة الأمر يتملك كل شيء.
في المشرق العربي والإسلامي انسحب ترمب قليلا ليدفع بقوى إقليمية ودولية أخرى إلى اقتحام المشهد ويحقق من ذلك جملة أهداف أولها الاستنزاف الكبير لثروات الإقليم والدول وتوريط القوى الدولية في أوحال المنطقة وتعقيداتها، ومن جهة أخرى يحافظ ترمب على كل خيوطه الفاعلة في المنطقة ويحركها وقتما شاء كما فعل مع الدواعش وقوات سورية الديمقراطية والانفصاليين الأكراد والقوى الطائفية المنتشرة في منطقة العراق وبلاد الشام..
واستطاع ترمب من خلال الترويج لنظرياته الاقتصادية في إثارة الشغف لدى دول الخليج والمنطقة عموما فحلب أموال المنطقة وأغرقها في سباق تسلّح وأعاد صياغة العلاقات مع الدول والمنظمات بطريقة غير عادية تبدو في كثير من الأحيان أنها مغامرات لا حساب فيها.
في مواجهة ترمب الذي يتحرك بعنجهية وبحيلة التاجر المرابي يبدو أن القلاع العربية في المشرق العربي تتهاوى الواحدة تلو الأخرى وأن ما يجري في الجزيرة العربية سواء التشاحنات بين الأقطار أم الخلافات داخل الأنظمة والمنظومات الحاكمة يعني بوضوح أننا أمام مرحلة قادمة تحمل في ثناياها مخاطر مصيرية على البنية الأساسية للدول العربية وأن تشكيلا جديدا لطبيعة الدولة المستقبلية سيجد طريقه إلى النور عما قريب على أنقاض دولة مركزية كانت تعطي كثيرا من الإشارات بأنها دولة المواطن.
ترمب الفاشل أمريكيا ناجح في منطقتنا العربية؛ فلقد أخذ أموال العرب وفتح أسواقهم على وسعها للمصانع الأمريكية ودفع بالجميع في المنطقة إلى حالة صراع لا فكاك منها، وهو الآن بصدد الإعلان عن صفقة القرن بخصوص القضية الفلسطينية.. ولأن الرجل يمتلك سمعة أنه يغضب ولا يترك مساحات للخلاف والنقاش مع المخالفين، فإنه يسير الآن إلى التقدم بمقترحات حاسمة للفلسطينيين والصهاينة، في حين إنه أدخل النظام العربي جميعه غرفة التجميد ينتظر الإشارة للتطبيع مع الكيان الصهيوني والاعتراف بـ”شرعية” احتلاله فلسطين.
في كل المنطقة تظهر بصمات ترمب المصرّ على تفكيك القوى الإقليمية بتوريطها حينا ودفعها إلى الاشتباك البيني حينا آخر، وهو يشرف على المعركة لتهيئتها للتفكك والتدمير.. تولانا الله برحمته.