الرأي

نحترق ولا نفترق

توجّهتُ، في صبيحة يوم الاثنين 31/ 8/ 2026، صحبة الدكتور عبد المالك بوعمرة سونة، تلقاء مدينة الجلفة، لزيارة الأستاذ مختار أحميدة بعد أن شفاهُ الله –عز وجل- من مرض.

استقبلنا الأخ مختار بما هو معهودٌ منه عند مدخل مدينة الجلفة، وإذا به يخبرنا بأنّ أحد أبناء الجلفة وهو سليمان ابن الموفّق قد توفّاه الله وهو في طريقه إلى جيجل ليوصل لإخوانه هناك ما جاد به عليهم إخوانُهم في الجلفة. وكان سبب وفاته انقلاب شاحنته بالقرب من مدينة بوسعادة.

توجّهنا مباشرة إلى منزل المتوفّى فوجدنا المكانَ ممتلئًا بالمعزِّين، فقدَّمنا تعازينا لأهل الفقيد، وتفضّل الإخوة ورحَّبوا بنا ترحيبا ليس غريبا عنهم رغم مصابهم، وقد وجدناهم راضين بما قدّر الله –عز وجل- فخورين بابنهم الذي أتاه اليقين وهو في عمل خيري.

ثم طلبوا كلمة فعزّيتُ الجزائرَ كلها في هذا الأخ، وأوصيتُ نفسي والحاضرين بوجوب الرضا بما قدَّره الله –عز وجل- ولم يكونوا في حاجة إلى توصية، فقد كان الإيمانُ يعلو وجوههم، وكانت الكلمات تترجم عن هذا الإيمان.

وأجمل ما سمعتُه من أحد أقرباء الفقيد قوله باسم الجزائريين إنّنا “نحترق ولا نفترق”، وخنقته العبراتُ فكان “العجزُ عن التعبير أبلغ من كلّ تعبير” كما قال أحدُ البلغاء.

وبينما نحن كذلك أعلن أحدُ الإخوة أنّ إخوةً من جيجل بلغهم نبأ وفاةِ الأخ سليمان ابن الموفّق فأبت عليهم شهامتُهم ومروءتُهم إلا أن يأتوا إلى مدينة الجلفة لتعزية إخوانهم، رغم المأساة التي كانت عليها منطقتهم، فكانت لفتة أبلغ من كلّ كلام… وأبت شهامة الأستاذ مختار إلا أن يضيِّف هؤلاء الإخوة الذين تجشّموا عناء السَّفر من منطقة جيجل إلى مدينة الجلفة، متحدّين بُعد المسافة، وحرارة الجوّ…

إنّ ما دعا الأخ سليمان إلى المسارعة إلى نجدة إخوانه المنكوبين في جيجل، وما دعا الإخوةَ من جيجل إلى القدوم إلى الجلفة هو هذا الدينُ الحنيف، الإسلامُ، الذي أكرمنا الله –عز وجل- به، وهدانا إليه، وهو ما ثبّتنا في جميع ما أصابنا. وقد صدق الفرنسيون أعداؤُنا عندما سمّوا الإسلام “العنصر الموحِّد” وهو ما يحاول -عبثًا- سفهاؤُنا وأراذلنا أن يستبدلوا تفاهاتهم به، متستّرين خلف شعارات كبرقِ خُلَّب، وما علينا إلا أن نكشف هذه الغربان الناعقة، ونبيّن سفاهة ما تدعونا إليه، ونزداد تمسُّكا بهذا الدين الحنيف الذي يجعلنا إخوة على غير أنساب، ويجعلنا كالجسد الواحد إذا اشتكى منع عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى، كما جاء على لسان من لا ينطق عن الهوى.

صبرًا إخوتي في جيجل وبجاية وسكيكدة وتيزي وزو، وفي كلّ مكان تعرّض لأبسط مكروه، ورحم اللهُ شهداءنا، وأفرغ صبرًا على ذويهم وعلينا جميعًا، وثبّتنا بالقول الثابت في هذه المواقف التي تطيرُ فيها أحلامُ ذوي الأحلام، وأخرس اللهُ ألسنة الشامتين، ولا حقّق أمانيهم بسقوط الجزائر، وتركيع الجزائريين.

مقالات ذات صلة