نحذر من «شرق أوسطة» قضية الصحراء الغربية ومقايضة التطبيع بدعم المغرب
في تحذير من تداعيات توظيف الحسابات الجيوسياسية في مسار تسوية قضية الصحراء الغربية، نبّه أبي بشراي البشير، المستشار الخاص لدى رئيس الجمهورية الصحراوية، إلى تنامي محاولات إخراج النزاع من إطاره القانوني المرتبط بتصفية الاستعمار وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وإخضاعه لحسابات المصالح الدولية، محذرا من «شرق أوسطة» القضية، عبر ربط التطبيع المغربي مع إسرائيل بالحصول على دعم لموقف الرباط داخل مجلس الأمن الدولي.
واعتبر المسؤول الصحراوي في هذا الحوار مع الشروق، أن هذا التوجه يهدد بتحويل مسار التسوية إلى مقايضة سياسية على حساب الحقوق المشروعة للشعب الصحراوي، محذرا من أن تداعياته لن تقتصر على الإقليم، بل قد تمتد إلى المنطقة برمتها. كما تناول دلالات الاتصالات الأخيرة مع واشنطن، وموقف جبهة البوليساريو من مقترح الحكم الذاتي والضغوط الدولية، مؤكدا أن أي حل لا يحترم حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره لا يمكن أن يحقق تسوية عادلة ونهائية للنزاع.
بعد اللقاء الأخير مع الجانب الأمريكي، هل يمكن القول إن واشنطن بدأت تتعامل مع جبهة البوليساريو باعتبارها الطرف الصحراوي الذي لا يمكن تجاوزه في صياغة أي حل للقضية؟
اللقاءات الأخيرة مع المسؤولين الأمريكيين، تندرج ضمن سياق عام يتعلق بالمسار السياسي عموما، وآخر يتعلق بالولايات المتحدة نفسها. في ما يتعلق بالسياق العام، فنحن في شهر أكتوبر حين تزدحم أجندة الأمم المتحدة سنويا بخصوص الصحراء الغربية، فالأمين العام للأمم المتحدة قدم للتو تقريره السنوي لمجلس الأمن بموجب قراره 2797 (31 أكتوبر 2025) في أفق المداولات وصدور قرار جديد نهاية الشهر، إضافة إلى جلسات اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار في أفق صدور قرار جديد عن الجمعية العامة نهاية السنة. أما السياق الخاص، الذي يجعل من الولايات المتحدة بلدا مركزيا في الديناميكية الحالية، فهو واقع أنها الراعي الثاني للمحادثات رفقة الأمم المتحدة، والأهم أنها حاملة القلم حين تحرير مسودة قرار مجلس الأمن المرتقب. وبالتالي، فاللقاءات تجري في هذا الإطار، وهذه ليست هي المرة الأولى، وبالتأكيد واشنطن بحكم موقعها في العالم وحضورها في النزاع منذ البداية إلى الآن، تعرف أن جبهة البوليساريو هي الطرف الآخر في النزاع مع المملكة المغربية، وأن رأيها جوهري للتوصل إلى حل متفق عليه، كما يشير القرار 2797 بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي.
المغرب يواصل الترويج لمقترح الحكم الذاتي وفرضه كخيار وحيد لتسوية القضية الصحراوية، في محاولة لتجاوز حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، كيف تردون على هذا الطرح، وهل يمكن لأي حل أن يكون شرعيًا إذا جرى فرضه خارج إرادة الشعب الصحراوي؟
يجب أن نعرف أن الترويج للحكم الذاتي لم يبدأ اليوم، فبصفة رسمية، تم منذ سنة 2007. نحو 20 سنة بعد ذلك، ما زال المقترح يراوح مكانه ولم يتم تكريسه، بالرغم من حماس بعض القوى الغربية النافذة، كحل أو قاعدة وحيدة للحل. السبب، يرجع أساسا إلى تناقضه مع جوهر النزاع والوضع القانوني للإقليم وميثاق الأمم المتحدة في ما يتعلق بحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير، الذي أكد عليه قرار مجلس الأمن الدولي 2797 وشدد عليه، بصورة لافتة، تقرير الأمين العام المقدم الآن إلى المجلس. التناقض، يكمن في أن ممارسة الحق في تقرير المصير، تعني أن الشعب المعني بهذا الحق، يحدد الوضع النهائي للإقليم بخصوص السيادة. مقترح المغرب، يحدد الوضع النهائي ويعطي المغرب السيادة بشكل دائم، في عملية سابقة ومنعزلة عن رأي الشعب الصحراوي. ولكي يكون الحل شرعيا، لا بد من أن يتأسس على ميثاق الأمم المتحدة وتقاليدها في تصفية الاستعمار.
ماذا تعني هذه التطورات الأخيرة في واشنطن ومجلس الأمن للقضية الصحراوية؟
هناك مقاربتان مختلفتان في التعامل مع تسوية النزاع في الصحراء الغربية، الأولى سياسية وتتأسس على الدفع نحو الحل العادل على أساس التوافق والقانون والشرعية الدولية، أو على الأقل الحد الأدنى منها. هذه المقاربة من الممكن أن تقود إلى الحل العادل والنهائي إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لدى جميع الأطراف، وهذه هي المقاربة التي تتبناها الجبهة والأمم المتحدة بأمينها العام وجمعيتها العامة وغالبية دول العالم. أما المقاربة الثانية، فهي المقاربة “الجيوسياسية”، التي تخرج النزاع وجهود تسويته من سياقها الطبيعي إلى حسابات المصالح وتغليب موقف أحد الطرفين على الآخر، انطلاقا من قرب أحدهما أو بعد الآخر من أجندة القوى النافذة دوليا. للأسف الشديد، على مستوى واشنطن، وتدريجيا على مستوى مجلس الأمن الدولي، هذه المقاربة هي التي تسيطر على الأمور. في هذا الإطار، يجب فهم القرار الأخير 2797 ومسار المصادقة عليه، و”المسودة الصفر”، التي تم رفضها من طرف المجلس لكنها ظلت تلقي بظلالها على إدارة التفاوض والوساطة بعد ذلك. ههنا، دعني أحذر من هذا النزوع المتزايد، من طرف المغرب وبعض داعميه، إلى “شرق أوسطة” النزاع في الصحراء الغربية، وجعل المغرب يقبض ثمن “التطبيع” مع إسرائيل من خلال دعم موقفه في مجلس الأمن. تلك الرؤية ستكون وبالا على الجميع وقد تتعدى تداعياتها الكارثية حدود إقليم الصحراء الغربية.
إلى أي حد أصبح الرهان المغربي على حشد الاعترافات وفتح التمثيليات الدبلوماسية في الصحراء الغربية عاجزًا عن حسم القضية، في ظل استمرار تمسك الشعب الصحراوي بحقوقه ورفض جبهة البوليساريو لأي حل مفروض؟
الترويج لاعترافات، غالبا مبالغ فيها وأحيانا لا أساس لها، وتمويل قنصليات أجنبية في الصحراء الغربية المحتلة والجهود الإعلامية داخل المغرب وخارجه لفرض سردية معينة، يدخل في إطار DE BONNE GUERRE، كما يقول الفرنسيون، لكنه لا يغير في الجوهر الأساس، المتكون من ثلاثة عناصر رئيسة: – إقليم الصحراء الغربية مازال مصنفا من طرف الأمم المتحدة باعتباره “غير مستقل ذاتيا”، بصدد عملية تصفية استعمار غير مكتملة، – ممارسة الشعب الصحراوي لحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير هو أساس وهدف التسوية، – جبهة البوليساريو هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي. وما دام الوضع القانوني والشرعي واضحا والشعب الصحراوي مستعدا لرفع التحدي ومواصلة الكفاح تحت قيادة الجبهة، فتلك “المكاسب” التي يتحدث عنها الاحتلال، تبقى ثانوية، وغالبا ما تكون للاستهلاك المحلي أكثر من أي شيء آخر.
ما الذي ستطالب به جبهة البوليساريو تحديدًا في المرحلة المقبلة حتى لا تتحول الضغوط الدولية من أجل التسوية إلى محاولة لفرض حل جاهز على الشعب الصحراوي؟
لدى جبهة البوليساريو هوامش كبيرة للمناورة، ومساحات رحبة للتعاطي مع المسار وكافة المقترحات، شريطة أن يتم احترام حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير بشكل حقيقي وأصلي وفق ميثاق الأمم المتحدة ومبادئها. البوليساريو تستطيع أن تفاوض، وتتنازل أو لا تتنازل في حدود ما تمتلك حق التصرف فيه انطلاقا من التفويض الذي حصلت عليه من طرف الشعب الصحراوي، لكنها، في النهاية، لا تستطيع أن تحل محل الشعب الصحراوي وتتخذ قرارا بخصوص ما لا تملك، ألا وهو حق الشعب في تقرير المصير. حق تقرير المصير وتحديد الوضع النهائي للإقليم ملكية حصرية للشعب الصحراوي، في ما عدا ذلك هوامش التفاوض كثيرة، إذا ما توفرت الإرادة والنية الصادقة للحل. إلى حد الساعة، الطرف الآخر لا يمتلك تلك النية، ومواقف بعض الدول النافذة تبعث له بإشارات مغلوطة تشجعه على الاستمرار في نهجه.
بعد سنوات من الحرب والجمود السياسي، هل تعتقدون أن المعادلة اليوم أصبحت أكثر ملاءمة لجبهة البوليساريو لفرض حضورها كطرف رئيسي في أي ترتيبات سياسية مقبلة؟
حضور جبهة البوليساريو انتزعته بقوة القانون والتفويض الشعبي الذي حصلت عليه منذ بداية النزاع إلى الآن، إذ يكفي فقط أن تعودوا إلى تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة (أكتوبر 1975)، الذي يعكس مستوى التفاف الشعب الصحراوي في الإقليم وفي البلدان المجاورة حول الجبهة وأهدافها. تلك الزيارة والتقرير الصادر بعدها يشكلان، بشكل أو بآخر، الاستفتاء الشعبي الذي وعدت به إسبانيا وأجهضه الاحتلال المغربي. والحضور انتزعته أيضا بقوة السلاح والمرافعة الدبلوماسية التي كرستها معلمة بارزة في تاريخ حركات التحرر في العالم. لا أعتقد أن تجاوزها مطروح في أي مقاربة، وإذا حدث، فدروس التاريخ واضحة في هذا الصدد. لقد حاولت إسبانيا، من خلال اتفاقيات مدريد (نوفمبر 1975) تجاوز الجبهة، بسبب قراءة مغلوطة لميزان القوة آنذاك، لكن الأحداث في ما بعد كرست البوليساريو الرقم الأهم في المعادلة إلى يومنا هذا.
هل أفضت الاتصالات الأخيرة مع واشنطن إلى تفاهمات جديدة بشأن شكل المسار السياسي المقبل، وما الذي يمكن أن تكشفوه عن مضمون هذه الاتصالات؟
موقفنا واضح، كما أشرت سلفا، وقد أبلغنا واشنطن وباقي الدول الأعضاء الدائمين وغير الدائمين في مجلس الأمن الدولي به، وهو معروف للجميع. وكما أعربنا أكثر من مرة، فنحن مستعدون للتعاون والمساهمة البناءة والانخراط في المفاوضات بحسن نية على أساس مبادئ وميثاق الأمم المتحدة، وعلى أساس روح القرار 2797 في كليته وليس بناء على القراءات المجتزأة التي تكتفي بـ”لا تقربوا الصلاة…” دون إتمام الآية الكريمة.
ما رسالتكم إلى الدول التي دعمت الطرح المغربي: هل حان الوقت لإعادة النظر في هذه المواقف والتعامل مباشرة مع ممثل الشعب الصحراوي، بدل دعم مقاربة تقوم على فرض أمر واقع سياسي؟
بشكل عام، القوى التي تدعم الطرح المغربي الآن بحماس، هي نفس تلك القوى التي دعمته وشجعته على تنظيم المسيرة الخضراء وغزو الإقليم سنة 1975. السؤال الذي يطرح نفسه، هل أدى ذلك الدعم إلى القضاء على تطلع الشعب الصحراوي للحرية وتقرير المصير؟ وهل أدى ذلك الدعم إلى تسوية النزاع من خلال تكريس الأمر الواقع؟ أبدا، على الإطلاق. صمود الشعب الصحراوي، ومقاومته لأكثر من 50 سنة بالرغم من كل المتغيرات التي شهدتها المنطقة والعالم، تحمل الدليل الكافي على أن “اختزال” رؤية التسوية في دعم موقف الرباط، هو “اختزال”، بالإضافة إلى كونه ظالما وغير عادل، فهو لن يؤدي إلى التسوية السلمية العادلة التي نطمح إليها جميعا، بل إلى إطالة أمد النزاع وفتحه على احتمال حدوث منزلقات أكثر خطورة.