نحسدك يا مبارك؟
عندما نطق رئيس محكمة جنايات القاهرة بالمؤبد للرئيس المصري حسني مبارك كان الرجل على بعد بضعة أسابيع لبلوغ سن الرابعة والثمانين من العمر وهو يتعدى معدّل الأعمار في مصر، والذين حباهم الله طول العمر من المصريين يقضونه في دور العجزة البائسة أو على أبواب الجوامع يطلبون صدقات المحسنين، وعندما نطق رئيس محكمة الجنايات ببراءة نجليه جمال وعلاء من التهم التي توبعا بها، عرف المصريون أن الولايات المتحدة التي “أقسمت سياسيا” بأنها لن تتخلى عن نظام مبارك الذي وضعت حجر أساسه عام 1977 في كامب ديفيد ولم تتخل عن هذا النظام رغم مقتل أنور السادات، فما بالك بتنحية رمزية مازال الجميع متيقنين أن مبارك مازال ظله وروحه فيها من خلال أحمد شفيق الذي لا أحد يظن أنه لو بلغ الرئاسة لترك الرجل الذي أوصله إلى القمة يعاني في ما سمته محكمة الجنايات بالقاهرة السجن المؤبد.
في مصر يسمون التقاعد المفروض على العمال الكادحين بالمعاش، وهو في الغالب قروش أو جنيهات يتسلمها المصري ليدخل طابور “العيش والفراخ” وبالتأكيد فإن “معاش” الشيخ حسني مبارك الذي تأخر عن موعده بقرابة الربع قرن هو أحلى معاش في التاريخ، لأن الرجل الذي قضى سنة وبضعة أشهر في شرم الشيخ هي بالتأكيد أرحم وأنعش من السنوات التي قضاها في الحكم بين زيارات لتل أبيب وواشنطن واستقبال في شرم الشيوخ لكل رؤساء وزراء الكيان الصهيوني من دون استثناء رغم حكايا القلب والمعنويات المهتزة، ومجرد وصول أحمد شفيق إلى المنعرج الأخير من سباق الرئاسيات هو في حد ذاته دليل على أن نظام مبارك مازال وسيبقى بحكم مؤبد كما هو الحكم الصادر في حق مبارك، و”بريء” من كل كما قيل عنه بدليل براءة نجليه اللذين كانا على وشك أن يتسلما الحكم ويحملا المشعل الذي اشتعل في كامب ديفيد.
الذين قالوا إن مصر لن يحكمها بعد اليوم طاغية بعد أن التصق اسمها بفرعون وهامان عليهم أن يتريثوا لأن كل الدلالات تؤكد أن الذي زرع في قاهرة المعز سفارة الكيان الصهيوني غير مستعد عن التنازل عنها حتى ولو حكم ورثة حسن البنا ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي مصر، فخطورة الاستعمار الأمريكي تكمن في أنه مثل السرطان لا يدخل كيانا حتى ينسفه نسفا.
لا جدال في أن النقاش السياسي المشتعل في مصر الآن قد أبان بأن المصريين قادرون على قلب الطاولة على أي قوة في العالم، وقد أبان بأن الأمة ظلت منذ أربعة عقود مشلولة من أحد أهم أعضائها لأجل ذلك تتابع كل القوى العالمية الكبرى الوضع في مصر وتشارك في نسج مستقبله ولا تبدو يائسة من حالته حتى ولو تسلم الإسلاميون مشعل القيادة، وبقدر ما كان النقاش عالي المستوى بقدر ما كان التكالب شرسا، والذين قالوا إن مصر هي أم الدنيا صاروا يلاحظون أن لمصر عددا من الأمهات كل واحدة تدعّي تبنّيها، صيحة واحدة اختصرت ما حدث قالها مصري في الستين كان يبدو أكبر سنا من الرئيس المخلوع ..”أحسدك مبارك عشت مؤبِدا على قلوبنا وستعيش مؤبدا إلى آخر العمر”.