العالم
الباحثة في الدراسات البينية الإيرانية الدكتورة شيماء المرسي لـ"الشروق":

نحن أمام ظهور نظام هجين في إيران لا يعترف بالحدود التقليدية

عبد السلام سكية
  • 932
  • 0
ح.م

هذه سيناريوهات الحرب
المتوقع أن يحل التيار المتشدد الذي يرى في التفاوض خلال الحرب خيانة عظمى

تدخل الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران شهرها الثاني، دون أن تتمكن من إسقاط النظام الإيراني، الذي يواصل استهداف فلسطين المحتلة، رغم القيادات الكبيرة التي خسرها.
في هذا الحوار مع “الشروق” تقدم الباحثة في الدراسات البينية الإيرانية الدكتورة شيماء المرسي، خلفيات النظام الإيراني وقراءة موسعة في المشهد العام والتوجه القادم لإيران في ظل الأسماء الجديدة التي تولت القيادة.

تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الشهر الثاني، والمؤشرات تؤكد أن الشريكين لم يحققا المبتغى، بصرف النظر عن التصريحات الصادرة من واشنطن وتل أبيب، ما مكونات بنية السلطة الإيرانية التي سمحت للنظام بالبقاء في مواجهة الضربات الأخيرة؟
نحن أمام تحول بنيوي في نظام الجمهورية الإسلامية، بعد اغتيال الزعيم الإيراني علي خامنئي، وصعود ابنه مجتبى، فمن يتابع سلسلة الاغتيالات خلال الحرب سيجد أنها استهدفت آخر جسور العقلانية البراجماتية في مدرسة علي خامنئي صاحبة شعار (المرونة البطولية نرمش قهرمانانه)، وحاليا بدأ يحل محلها التيار الأكثر راديكالية المتمثل في رجال مدرسة مصباح يزدي وطلاب جامعة المصطفى العالمية برئاسة مجتبى خامنئي وعلي رضا أعرافي، وعليه من المتوقع أن يحل التيار الأمني المتشدد الذي يرى في التفاوض في وقت الحرب خيانة عظمى.
وهذا للأسف ينذر بطول أمد الحرب، إذ لن تنتهي سوى بسيناريوهين أحلاهما مر؛ إما انتصار إيران وبداية هيكلة متشددة وشرسة لمحور المقاومة، وإما انهيار نظام الجمهورية الإسلامية بعد أن يكون قد حل الخراب على المنطقة بأسرها. خاصة وأن شخصية أعرافي التي بدأت تلمع في الساحة السياسية بعد تعيينه كعضو في مجلس القيادة المؤقتة تشير إلى بداية ظهور جيل (تثوير الحوزة/انقلابي حوزة)، أي ظهور رجال الدين الذين تم تجنيدهم عسكريا وأمنيا للحرس الثوري، وبذلك نحن أمام ظهور نظام هجين في الجمهورية الإسلامية لا يعترف بالحدود التقليدية بين رجال الدين ورجال الأمن.

كيف تقرئين الأسماء التي تولت القيادة خاصة منصب المرشد وأمين عام مجلس الأمن؟
التعيين الأخير لمحمد باقر ذوالقدر أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وخليفة للراحل علي لاريجاني، بمباركة قائد الثورة مجتبى خامنئي وبقرار من رئيس الجمهورية، في خطوة تمثل تحولا مفصليا في بنية النظام. فذوالقدر الذي غادر أمانة مجمع تشخيص مصلحة النظام التي شغلها منذ سبتمبر 2021، لم يأتِ كخيار إداري عابر، بل كتدشين رسمي لمرحلة جديدة من السيطرة الكاملة للحرس الثوري على كافة مفاصل الجمهورية الإسلامية.
وعند تفكيك مسيرة ذوالقدر، نجد أننا أمام أحد أهم العقول الإستراتيجية والعملياتية في الحرس الثوري، إذ تقلد مناصب حساسة بدءا من نيابة قيادة الحرس لثماني سنوات، مرورا بإنابة الأركان العامة لشؤون البسيج، وصولا إلى الأدوار الاستراتيجية في السلطة القضائية ووزارة الداخلية، ليكشف عن شخصية تجمع بين القبضة الأمنية والتخطيط المؤسسي.
وسريعا، انتقال ذوالقدر من مجمع تشخيص مصلحة النظام إلى إدارة الأمن القومي، يحمل دلالات استراتيجية عميقة، يمكن تلخيصها في أربعة نقاط:
1- تحول الحرس من مرحلة رسم السياسات العامة وتقديم الاستشارات (عبر مجمع التشخيص)، إلى الإدارة المباشرة للأزمات الميدانية وملفات الأمن القومي الكبرى رسميا. لاسيما وأن المجلس الأعلى للأمن القومي هو المطبخ الحقيقي لقرارات الحرب والسلم والملف النووي والصاروخي. 2- نهاية زمن المناورات البراجماتية، خصوصا وأن علي لاريجاني كان يمثل وجه الدبلوماسية الأمنية القادر على محاورة الغرب والشرق بمرونة سياسية، لكن تعيين ذوالقدر المنتمي للرعيل الأول والمتشدد في حراس الثورة، يشير إلى تبني منطق المواقف الصارمة والحلول الأمنية والعسكرية.
3- بصفته أحد المؤسسين لمقر رمضان (النواة الأولى لفيلق القدس والذراع العملياتي الأخطر للحرس)، فإن وصوله لرأس الهرم الأمني يشير إلى أن المرحلة القادمة ستشهد تصعيدا في العمليات الخارجية واعتمادا مكثفا على استراتيجيات الحروب غير المتناظرة.
4- وأخيرا، نشهد الآن أمننة كاملة للجمهورية الإسلامية، فالبرلمان يقوده القائد السابق في الحرس، قاليباف، والأمن القومي يقوده ذوالقدر، ومجمع التشخيص تحت إشراف قادة الحرس. هذا التغلغل العسكري يهدف إلى ضمان السيطرة التامة على الجبهة الداخلية ومنع خروج الشارع عن السيطرة في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، ولما لا، فإيران حتى الآن اعتقلت 466 شخصا بتهمة إثارة الرأي العام والدعاية الإلكترونية لصالح العدو في الأيام الأخيرة، نقلا عن التلفزيون الإيراني. وهذا كله يعني أن إيران تتجهز للخروج من عباءة الجمهورية الدينية التقليدية لتدخل العباءة الأمنية الدينية الصلبة. حيث لم يعد الحرس الثوري مجرد شريك في صنع القرار، بل أصبح صانع القرار الوحيد. وتعيين ذوالقدر ليس إلا إعلان رسمي عن نهاية حقبة التوازنات بين التيارات المدنية والعسكرية، وتدشين عصر السيطرة الأمنية الدينية.
ما العلاقة بين بنية الدولة والمجتمع الإيراني في صمود النظام خلال الحرب الحالية؟
تكمن العلاقة بين بنية النظام والمجتمع الإيراني في قدرته على تسييل الولاءات التقليدية وتحويلها إلى أصول أمنية ومادية، حيث أثبتت الحرب الحالية أن النظام لا يستند فقط إلى القوة العسكرية، بل إلى شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية المرتبطة بحرس الثورة والتي توغلت في البنية التحتية والممرات الدولية، وهذا جعل صمود النظام مرتبطا بقدرته على إدارة أزمة مضيق هرمز لبزنس أمني مسلح، بفرض السيادة ورسوم عبور على شركات الشحن الإقليمية والدولية، وبذلك حول التهديدات إلى بنك رمادي للالتفاف على العقوبات.

ما أبرز الأخطاء أو نقاط الضعف التي ظهرت في النظام الإيراني خلال الأسابيع الأخيرة؟
بينما أدى القصف الأخير، خاصة استهداف مراكز الأبحاث ومنصات الطاقة، إلى إحداث انزياح جوهري في مطبخ القرار السياسي والعسكري الإيراني، حيث انتقلت الدفة من البراغماتية الدبلوماسية التقليدية إلى عقلية حافة الهاوية التي تتبنى استراتيجية الاستثمار في الفوضى كخيار وحيد للبقاء، وهو ما ظهر بوضوح في تغير نبرة الخطاب الإيراني من الدفاع إلى التهديد بمضاعفة التكاليف العالمية. ورغم هذه المرونة، كشفت الأسابيع الأخيرة عن ثغرات بنيوية خطيرة تمثلت في الانكشاف الاستخباراتي الذي سمح باختراق المواقع الأكثر حساسية في أصفهان وبحر قزوين، بالإضافة إلى أزمة الثقة المتصاعدة في أسواق المال التي وضعت ضغطا هائلا على الاستثمارات الرمادية للنظام في الخارج.

كيف تؤثر هذه الحرب في قدرة إيران على السيطرة على أذرعها والنفوذ الإقليمي؟
لم تضعف الحرب قدرة إيران على السيطرة على الميليشيات، بل حولتها إلى أوراق اعتماد اقتصادية وعسكرية مترابطة (من هرمز إلى باب المندب)، ليكون الدرس البنيوي الأبرز هو أن مرونة النظام الإيراني لم تعد تستمد قوتها من الشرعية الأيديولوجية القديمة، بل من قدرته على تحويل الدولة إلى منظومة أمنية استثمارية تجعل كلفة إسقاطه تعادل كلفة انهيار الملاحة والطاقة العالمية، وهو ما أجبر الخصوم مثل ترمب على التحول من منطق الإملاءات إلى منطق انتزاع الصفقات مع شريك باتت حركته خارج التوقعات الكلاسيكية.

هل يخاطر ترامب باجتياح جزيرة خارك الإيرانية بالتوازي مع تصاعد الرواية الإعلامية المؤججة لهذا السيناريو؟
الإجابة ترتكز على مدى استجابة إيران للتفاوض، فإذا رفضت الجلوس إلى الطاولة، سيستمر علو صوت الدعاية الإعلامية الغربية ملوحا باقتراب القوات الأمريكية المستعدة لاحتلال الجزيرة، مع بقاء سيناريو التنفيذ الفعلي مستبعدا. لكن في المقابل، قد تفاجئ واشنطن وتل أبيب إيران بضربة مباغتة لشبكات الطاقة، وهي خطوة تفجيرية تهدف لإرباك الحرس الثوري بعدما ألهته بتأمين بنية الجزيرة التحتية.
وعليه، يظل الاجتياح البري -في تقديري الشخصي- مستبعدا نظرا لكلفته البشرية والسياسية والاقتصادية الضخمة، ليكون السيناريو الأقرب هو استهداف شبكات الكهرباء ومنصات التحميل الإيرانية، ومع ذلك، هذه الضربة ستؤدي بالتبعية إلى أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وتدمير للبنية التحتية الخليجية، خاصة بنية تلك الدولة التي جمدت الأصول الإيرانية وشاركت في استهداف شبكات التمويل والتجارة المرتبطة بمؤسساتها. فهل ستغامر تلك الدولة (الإمارات) بمستقبل أسواقها أم سترضخ للضغط السعودي والقطري وتختار الحياد؟ النتيجة تظل مرهونة أيضا بحجم الضغط الإسرائيلي عليها، ومدى جنون نتنياهو.

هل ستذعن إيران للتهديدات؟
الإجابة لا.

لماذا؟
لأن إيران ببساطة لم تعد تدار ببراغماتية علي خامنئي، بل انتقلت دفتها إلى تشدد الحرس الثوري الذي لا يتعامل مع الضغوط كأزمة دبلوماسية تتطلب التنازل، بل كفرصة استثمارية لفرض واقع مالي وسيادي جديد. لذا إيران، بنسختها الحالية التي يقودها الحرس الثوري، لن تذعن للتهديدات بالمنطق التقليدي، أي تقديم تنازلات مجانية مقابل رفع العقوبات، بل ستستمر في استراتيجية إدارة حافة الهاوية.

مقالات ذات صلة