الرأي

نريد تيليطوناً‮ ‬شعبياً‮ ‬لدعم‮ ‬غزة

حسين لقرع
  • 1722
  • 7

خلال مؤتمر إعادة إعمار‮ ‬غزة،‮ ‬اكتفت الجزائر بتقديم منحة هزيلة للفلسطينيين لا تتجاوز‮ ‬25‮ ‬مليون دولار للقطاع،‮ ‬ولعلها إحدى أضعف المنح المالية التي‮ ‬قُدّمت في‮ ‬هذا المؤتمر‮.‬

لو جاءت هذه المنحة من بلدٍ‮ ‬عربي‮ ‬فقير أو من بلد إسلامي‮ ‬يعاني‮ ‬الخصاصة،‮ ‬لكان الأمرُ‮ ‬مفهوماً‮ ‬ومبرّراً؛ فعشرات الدول الإسلامية والعربية تعاني‮ ‬شظف العيش وقلة الموارد المالية الكافية لتحسين المستوى المعيشي‮ ‬لشعوبها،‮ ‬ولذلك‮ ‬يُقبَل منها أن تقدّم لغزة‮ ‬25‮ ‬مليون دولار فقط أو أقلّ‮. ‬أما أن تكون الجزائر هي‮ ‬مانحة هذا المبلغ‮ ‬الهزيل،‮ ‬وهي‮ ‬دولة نفطية وغازية كبيرة تدرّ‮ ‬عليها المحروقات كل عام دخلاً‮ ‬محترماً،‮ ‬وتملك أكثر من‮ ‬200‮ ‬مليار دولار كاحتياطي‮ ‬صرف،‮ ‬فهذا أمرٌ‮ ‬غير مقبول،‮ ‬ولا‮ ‬يليق بمقامها ومكانتها،‮ ‬لاسيما وأن هذا المبلغ‮ ‬المتواضع لا‮ ‬يتجاوز‮ ‬2‭.‬5‭ ‬بالمائة مما قدّمته قطر‮. ‬

والجزائر كبيرة أيضاً‮ ‬بثورتها العظيمة التي‮ ‬تُعدّ‮ ‬أكبر ثورة‮  ‬تحريرية في‮ ‬العصر الحديث،‮ ‬وهي‮ ‬بلد المليون ونصف المليون شهيد،‮ ‬وقبلة الحركات التحررية في‮ ‬العالم،‮ ‬والمفروض أنها أكثر البلدان شعوراً‮ ‬بمعاناة سكان‮ ‬غزة،‮ ‬وأكثرها إحساساً‮ ‬بالألم لما أصابهم في‮ ‬الحرب العدوانية الأخيرة؛ فقد ألحق الاحتلال دماراً‮ ‬هائلاً‮ ‬بـ”بقايا‮” ‬البنية التحتية للقطاع وهدّم عشرات الآلاف من بيوتهم كليا أو جزئيا وشرّد‮ ‬400‮ ‬ألف من سكانه‮… ‬وكان المفروض أن تكون المِنحة الجزائرية على قدر مصيبة أهلنا في‮ ‬غزة‮.‬

أما المفارقة،‮ ‬فتكمن في‮ ‬تعهّد الولايات المتحدة بتقديم مبلغ‮ ‬212‮ ‬مليون دولار لإعادة إعمار‮ ‬غزة،‮ ‬أي‮ ‬ضِعف مبلغ‮ ‬الجزائر بـ8‮ ‬مرات ونصف،‮ ‬مع أن أمريكا هي‮ ‬العدوّ‮ ‬الأوّل للفلسطينيين،‮ ‬وأحد أكبر المسؤولين عن نكبتهم ومعاناتهم المزمنة،‮ ‬بتأييدها‮ ‬غير المحدود وغير المشروط للكيان الصهيوني‮ ‬بالسلاح والمال والدعم السياسي‮ ‬والديبلوماسي‮ ‬والإعلامي‮… ‬في‮ ‬حين أن الجزائر هي‮ ‬أحد أكبر أنصار القضية الفلسطينية وصاحبة المقولة الشهيرة‮ “‬مع فلسطين ظالمة أو مظلومة‮”.‬

صحيحٌ‮ ‬أن الجزائر لم تتورّط قط في‮ ‬التآمر ضد‮ ‬غزة والمقاومة،‮ ‬وتؤيد القضية الفلسطينية من منطلقات مبدئية وليس لحسابات مصلحية،‮ ‬وتقدّم مساهماتها المالية للفلسطينيين المقررة في‮ ‬إطار الجامعة العربية بانتظام،‮ ‬ودون تأخير،‮ ‬ولكن دعمها المالي‮ ‬للفلسطينيين،‮ ‬ومساهمتها في‮ ‬فكّ‮ ‬الحصار عن أهلنا في‮ ‬غزة،‮ ‬لاتزال دون المستوى المأمول،‮ ‬ويكفي‮ ‬إلقاء نظرة على حجم القوافل الإغاثية التي‮ ‬ترسلها بين الفينة والأخرى إلى القطاع للتأكد من أن الأمر لا‮ ‬يشكّل أولوية لها بالرغم من معاناة‮ ‬1‭.‬5‭ ‬مليون نسمة من سكان‮ ‬غزة طيلة‮ ‬8‮ ‬سنوات من الحصار،‮ ‬فهذه القوافل قليلة ومحتشمة وكأنها تأتي‮ ‬من باب إبراء الذمّة لا‮ ‬غير‮.‬

كنا نودّ‮ ‬أن تدفع الجزائر لغزة مبلغاً‮ ‬أكبر‮ ‬يليق بمكانتها،‮ ‬لتخفيف معاناة أهلنا هناك،‮ ‬ولكن الأوان لم‮ ‬يفت بعد ولايزال ممكناً‮ ‬الإستدراكُ‮ ‬ومضاعفة قيمة المبلغ‮ ‬مرات عديدة‮. ‬أما إذا شعرت الدولة بأنه من المتعذر رفعُ‮ ‬المبلغ‮ ‬بسبب التراجع المتواصل لأسعار النفط واحتمال دخول البلد في‮ ‬أزمة مالية واقتصادية خانقة قريباً‮ ‬لا قدّر الله،‮ ‬فإننا نرجو فقط أن تُشرف على تنظيم تيليطون وطني‮ ‬لجمع التبرعات الشعبية لسكان‮ ‬غزة،‮ ‬ونحن متأكدون أن الجزائريين سيكونون في‮ ‬المستوى مرة أخرى،‮ ‬ويهبّون هبّة رجل واحد لمساعدة أشقائهم وشدّ‮ ‬أزرهم والوقوف معهم في‮ ‬محنتهم،‮ ‬وسيجمعون لغزة أضعاف ما قدّمته السلطات‮. ‬

مقالات ذات صلة