-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قصص من الواقع الأليم

نساء في طابور الموت يصارعن “المرض الشين”

د/ تيرس سعاد
  • 4777
  • 0
نساء في طابور الموت يصارعن “المرض الشين”
ح.م

لم يكن عنوان عيادة التحاليل الطبية صعب العثور عليه، إنه في مكان استراتيجي في قلب المدينة الكبيرة التي يرتادها يوميا آلاف المواطنين من الولايات المجاورة لقضاء مآربهم، يختار معظمهم الساعات الأولى للصباح، هروبا من حرارة الصيف الملتهبة هذه السنة، طلبا لنفحات طرية منعشة جادت بها سويعات الفجر.

قاعة الانتظار ممتلئة عن آخرها، حينها كانت الساعة تشير إلى الثامنة والربع صباحا، الطابور قد اصطف بشكل سلس دون أي كلام.. كلهن نسوة أخذن مكانهن،  يتكلمن بنبرات مختلفة، وكلهن يراقبن الحركة بشكل خفي.. لم تستطع الطفلة ذات السنتين أن تستقر في حجر أمها، ولا أن تبقى بين أحضان أبيها الواقف خارج العيادة مقابل الدرج، حتى لا يحرج النساء الجالسات.. أمها تحاول تلهيتها ببعض الحركات والكلمات وهي تشرح لهن إن الصغيرة جائعة ومنهكة، لأنهم انطلقوا من عين الصفراء على الساعة الثانية والنصف صباحا ليصلوا إلى عاصمة الغرب الجزائري، حتى لا يضيع منهم الموعد والسفر في الحافلة شاق على الأطفال.. إنه قطعة من العذاب..

قامت الممرضة بالمناداة لتنطلق عملية التسجيل، ثم دفع المستحقات المالية للتحاليل.. الكل يحمل ظرفا أو ورقة أو كيسا فيه شيئا ما طلبه الطبيب المعالج من المريضة يريد تحاليل لتشخيص المرض. الكل يحمل في قلبه خوفا ورهبة وقلقا،  تراه جليا مرسوم على الوجوه الشاحبة. لم أكن لأخرج عن اللاتي جلسن ينتظرن دورهن لإجراء الفحوص. بدا الحديث بالأعين يأخذ لغة السؤال المباشر، تريدين إجراء تحاليل.. مما تشتكي.. إنها اللحظة الفاصلة.

كان الجميع ينتظر الإفراج عن هذه المرحلة المهمة.. بداية الكلام عن المشكلة، والاسترسال في الشرح إنها الصناعة الأنثوية بامتياز الكلام. الكل انخرط في الحديث وعم إحساس غريب بالارتياح العميق، تضامن معنوي جميل. الجميع يحس بمعاناة الآخر ويدرك حجم المشكلة.

كان صوتها مسموعا لحد بعيد، أتت من عين تموشنت مع أمها، سواد حجابها لا يعكس مدى تصالحها مع نفسها، تعدت الأربعينات حسب ملامحها التي طمستها نحافتها الشديدة وشحوبها. تقول عنهم أنهم أبناء عمومتها إنها تعرفهم جيدا، القولون العصبي، المعدة، الروماتيزم، أسقام وأوجاع أخرى.. كانت تتحدث عن استئصالها لرحمها العام الفارط، وصومها شهر رمضان في المستشفى وكيف كان أولادها مشتتون بين الأقارب. لم تكن الابتسامة تفارقها. بل استرسلت تصف رحلتها الجديدة مع ورم ظهر في ثديها وأنها تقوم بآخر الإجراءات والتحاليل. لتخضع لعملية استئصال له..

بقيت لبرهة من الزمن أعيد تصحيح ما أسمع وارتب ما وصل إلي من كلامها. طريقة حديثها عجيبة مدهشة فهي تتحدث عن مصيبة ستحدث لها للمرة الثانية، بقوة وجلد لم أعهدهما من قبل. هي تعرف هذا المرض الذي لا يسميه الكثير من الناس  باسمه بل ينعتونه بـ “المرض الشّين”. لم يكن يخيفها. عكس الكثيرات ممن كنا داخل القاعة. بل أكثر من ذلك ساعدت عجوزا أنهت فحوصها وأوصلتها إلى باب العيادة لأنها كانت تعاني صعوبة في المشي..

كل ذالك حدث وأنا غارقة في أفكاري والحيرة تلفني، لا أفقه شيئا سوى أنني أتمتم قائلة في سري ما أشجعها من امرأة  مؤمنة، برافو. جلست في ركن ضيق، امرأة  جاوزت الخمسين يبدو إنها لم تكن تنتمي لجنس تلك المرأة الشجاعة، كانت غائبة عن كل ما يحدث شاردة بنظرات ثابتة نحو البلاط. غير مبالية بمرافقتها التي كانت تتحدث بلغة فرنسية طليقة مع الدكتورة المشرفة، في هذه الأثناء، سألت السيدة من عين الصفراء. المرأة المقاومة. كيف علمت وأحسست بالورم؟ واكتشفت الكتلة الصلبة في الثدي؟. وقد كانت مستعجبة من هذا، وهي التي أرضعت كل أولادها والمفروض أنها حصنت نفسها بذلك. وهل أحست بأعراض أخرى؟ تبا لهذا المرض الخبيث لا تشعر به المرأة إلا وهو قد حصن نفسه وعشعش في أوصالها.

سيدة أخرى لم تتجاوز الثلاثين من العمر تنتظر دورها هي كذلك لإجراء الفحص وهي التي لم يمض على جراحة أختها أسبوعا. حيث تم استئصال ورم خبيث من ثديها. بجانبها تجلس سيدة متجلببة تبدو ذات ثقافة طبية واسعة من خلال حديثها. تريد تحليل ورم أصاب غدتها الدرقية وهي تتأهب لإجراء العملية. خاصة بعد إلحاح أخيها البروفيسور في الطب عليها للإسراع وعدم التهاون. تحدثت عن مرضها وارتفاع ضغطها وما كان يحز في نفسها موقف زوجها المحايد في القضية. كأن الأمر لا يعنيه، بل كان يذكرها بأن الموت أجل وكتاب.. تصرفه  صدمها وهي الزوجة وأم الأولاد.. مأساة أخرى تعيشها المرأة، افتقاد الحب، المشاركة، والسند خاصة من شريك الحياة، قمة النذالة وقلة الأصل والنكران. الحمد لله لا يوجد من عينته الكثير.

لم أكن لأشذ عن الجالسات انطلقت في شرح مشكلتي الصحية وكيف يتوجب عليّ إجراء تحاليل دم متكررة ومكلفة وفي أحيان كثيرة من دون جدوى لأن كل طبيب مختص يطلب تحاليل يراها الأنسب والمريض تائه ينتظر تشخيصا للمرض الذي لا يأتي. ورحلة الشفاء تبدأ ولا تنتهي اللهم أدعية وتقرب إلى الله ووصفات تقليدية مجربة تتهاطل منها الغث والسمين لتهون عن المرضى.

وفي أثناء الحديث المتشعب، فاجأتنا الطبيبة الرئيسة وهي تطالب مريضة  يبدو أنها جاءت لوحدها، بحضور زوجها وتلح في ذلك. كانت تحاول إقناعها أنها تريد الحديث معه وأن الطبيب هو من يشرح لها حالتها بالتفصيل ويصف العلاج. وتؤكد لها إن الدواء موجود والشفاء ممكن. لم يكن مهمّا ذلك، المهم ماقالته سيدة أخرى كانت تجلس بقربها، أنها من الأرياف وتأخرت في إجراء تحاليلها المكروبيولوجية بشكل كبير، وإنها أهملت عدة أعراض كتغير شكل ثديها وخروج سوائل منه ووجود الورم الصلب وهذا مربط الفرس إضافة إلى قلة مالها، وعمل زوجها في مكان بعيد عن سكنها، وظروف عائلية قاهرة، وغيرها من الأمور..

لقد باعت قطعة من حليها لتأتي ذلك اليوم إلى العيادة، كان خروجها من الطابور بدموع سخية بألم وحسرة وبخطي متعثرة. المنظر كان قاسيا جدا يدمي القلب. لقد تأخرت كثيرا ويبدو أن المرض الخبيث تمكن منها. خرجت من الطابور نحو المجهول. توقف الزمن لبرهة. صمت مطبق بالقاعة، ثم تواصلت الأحاديث عن كل شيء كأنما كأن مشهدا من مسرحية عرض وانتهى الأمر..

تجربة أليمة أن تقف في طابور الموت. أسميه كذلك لأن كثيرات من النساء قد يقفن في هذا الطابور الذي تفوح منه رائحة الموت. نعم الموت وإن كان ذلك قضاء وقدرا، لكن الجهل والخوف والحاجة ونقص ثقافة استباق المرض والوقاية منه أمر صعب، يعجّل في أحيان كثيرة ويدفع بعدد كبير من الناس إلى الوقوف فيه. الغني والمتعلم وصاحب النفوذ والعزوة بجانب المحتاج والجاهل والضعيف وحتّى الطبيب، الكل يصطف ينتظر دوره. 

فليست كل النساء تملكن شجاعة التموشنتية، ولا ثقافة طبية، ومساندة أخوية، وليست كل النساء تسكن المدن وليست كل الجمعيات النسوية الناشطة تملك الإمكانيات وتوصل نشاطها وجهودها لمختلف الشرائح وتحقق التوعية الكفيلة بتجنب أو علاجه وسرعة التكفل بها، فرغم جهود الدولة في علاج سرطان الثدي وعنق الرحم في الجزائر فلا تزال الكثيرات تلتحقن بهذا الطابور في عز الشباب، وفي  منتصف العمر وفي آخره. اللعنة على هذا العدو المستتر.

تمضي المرأة منا تصارع معارك الحياة ومسؤولياتها الأسرية والمهنية. وتنسى إن معركة المرض إذا دخلتها وخسرت. تخسر كل شيء فحسب السيدة. حميدة كاتب، رئيسة جمعية الأمل للتكفل بمرضى السرطان فإن حوالي 4000 امرأة مصابة بسرطان الثدي تتعرض للإهمال من طرف زوجها. وأن وزارة الصحة والسكان تسجل ارتفاع هائل لحالات الإصابة بالسرطان وفي مقدمتها سرطان الثدي  11000 حالة إصابة جديدة سنويا. ألا يكفي هذا لدق ناقوس الخطر والنظر في سبل الكشف عن أسباب هذا الانتشار الكبير للمرض؟ نحتاج إلى جهود مضاعفة لنشر الوعي بخطورة هذا المرض المستعصي والمنتشر بأرقام مخيفة في الجزائر وإمكانية تخفيض نسب الإصابات وتخفيف العبء على ميزانية الدولة. الكل له جانب من المسؤولية لمحاربته. النساء، المجتمع المدني، والجهات الوصية، فالقضية تهم الجميع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • امينة

    اللهم اشفي كل مريض وخفف عنه الالام وارزقه الصبر في ذلك امين يارب العالمين

  • الونشريسي

    اللهم اشفهم

  • الونشريسي

    اللهم اشفهم=