جواهر
اليوم العالمي للمرأة في الجزائر :

نساء يستعرضن المكاسب وأخريات مغيّبات على هامش الحياة

أماني أريس
  • 3751
  • 2
الأرشيف

الثامن من مارس يوم يكتسي حلّة الأنوثة، ويعزف على أوتارها أنشودة الانتصار، كاسرا حواجز الاختلافات الدينية والعرقية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وتسلط فيه الأضواء على نساء من مختلف دول العالم مستعرضات تاريخا طويلا من النضال في سبيل نيل الكثير من الحقوق وتحقيق الذات، غير أن لهذا المشهد المألوف في هذا اليوم من كل سنة؛ وجه آخر يمثل النقيض تماما، وهو مشهد النساء اللواتي يكفرن بهذه المناسبة لبعدها عن واقعهن المرير أو لكونها دخيلة على مجتمعاتهن وأخريات يجهلنها أصلا.

ماذا يعني لك الثامن من مارس ؟ سؤال حملته جواهر الشروق إلى عمق المجتمع الجزائري وعادت بهذه الانطباعات والرؤى والقصص المثيرة التي حدثت في مثل هذا اليوم. 

 

أشعر فيه بذاتي 

واحد وعشرون عاما في خدمة المرضى بمستشفى الأمراض العقلية، ليست فترة قصيرة بالنسبة لـ ” جميلة “، إنما هي عمر من التعب والتضحيات بالنسبة للسيدة جميلة، ولان دورها محوري بحكم خبرتها ووجودها الدائم في المستشفى ولا يمكن الاستغناء عنها، تقضي أشهرا من العمل المتواصل حتى في الليل، تقول جميلة : ” في خضم مسؤولياتي التي لا تنتهي بين البيت والمستشفى لا ألتفت إلى نفسي ولو بيوم اخصصه لراحتي ومصالحي الخاصة، لكن يوم الثامن من مارس ليس ككل الأيام فهو الوحيد الذي اشعر فيه بعظمة وجودي في حياة الآخرين، من خلال المبادرات الطيبة التي يقوم بها مديرنا وزملائي في العمل بتنظيم حفل تكريمي يشجعونني فيه أنا وكل عاملات المستشفى على إخلاصنا في العمل وإحساننا إلى المرضى ” 

 

موقف لا ينسى 

ولان لبعض المواقف اثر لا يمحي، وعبق لا يزول، فان موقف جميلة مع إحدى المريضات جعلها تعزف عن قرار التقاعد المبكّر، ففي ذات الثامن من ماي تقول جميلة ” وبينما كنا نحتفل في أجواء من الضحك والمرح، فإذا بيدين توضعان على عيني برفق ! رفعتهما والتفت فوجدتها إحدى المريضات الشابات، كانت تتلقى العلاج عندنا، وكنت أعزها كثيرا ومؤمنة جدا بإمكانية شفائها، وباعتراف من الأطباء المعالجين لها أن تواصلي الدائم معها ومرافقتها في فترة هدوئها كان سببا في تحسن حالتها، عانقتني بقوة وأجهشت بالبكاء. 

 

وردة تسعدني 

من جهتها حنان وهي أستاذة في اللغة العربية، ترى أن الجميع يبحث عن مناسبة لكسر روتين الحياة، وأن تلك الورود التي يقدمها لها تلاميذها من شأنها أن تصنع لها شيئا من السعادة، حيث تقول : ” صار كل ما يغير الجو قليلا مناسبة حتى وان سعينا لتجاهله و طرد الفكرة من عقولنا تظل تحوم لتقحم نفسها فنستسلم ولو بكلمة بسيطة.. آه اليوم عيد المرأة. رغم علمنا أننا لن نجني شيئا. لكن مجرد وردة من قلب ويد تلميذ تفرحنا ولو للحظات. “

 

ذر للرماد في العيون 

وتجمع بعض النساء ممن تواصلت معهن جواهر الشروق على أن هذه المناسبة ما هي سوى ذر للرماد في العيون، وعلى حد تعبير إحدى الطالبات الجامعيات “لا احتاج يوما يذكرها بأنها امرأة، وأنني نصف المجتمع واربي النصف الآخر بل احتاج عقولا تعي هذا وتعاملني على أساسه ” وتذهب أخرى إلى أن الاحتفال بيوم المرأة تأكيد على ضعفها لا على تفوقها وانتصارها. 

 

هوة عميقة 

بعيدا عن الضوضاء والأضواء؛ تفني الكثير من النساء أعمارهن في عطاء لا ينضب ورده، وتأني أخريات عن واقع قاس يتجدد عهده، يكشف الهوة بين صنفين، أحدهما في الواجهة وآخر على هامش الحياة. ولعلّ قسوة الظروف التي يعشن فيها، علّمتهن إتقان فنون الصمت، وترك المشهد وحده يتكلم ليخبر العالم أن الانتصار الحقيقي للمرأة لا يكمن في ترسانة القوانين المدنية ولا في الاحتفالات الموسمية والعينات الانتقائية بقدر ما يكمن في الذهنيات. 

فمن يخبر السيدة مليكة أن العالم سيتحفل في يوم الثامن من مارس بك، ويتخذ من معاناتك جذوة غضب وتضامن مع حالك،  تنطفئ بمجرد أن يمر ذلك اليوم وتستمر معاناتك مع الظلم والتهميش في قريتك المعزولة، وأنت تنبشين الأرض بحثا عن طين يصلح لصنع الطواجين !؟ 

 مليكة القاطنة بإحدى قرى ولاية ميلة، ابتلاها الله بزوج فضلا عن ركونه لحياة الراحة والتواكل والتبرئ من مسؤولية إعالة أسرته وأبنائه، فهو متسلط متجبر ضل المعروف والإحسان طريقه إليه، فلم تجد زوجته من بد سوى أن تستعين بحرفة ورثتها عن أمها، وهي حرفة صناعة أواني الفخار، من أجل توفير لقمة العيش لأبنائها الخمسة وفي حديث شيق لها مع جواهر الشروق تقول : ” أسوق العربة اليدوية وبداخلها الفأس والمجرفة، وأتجه نحو مكان يبعد بحوالي كيلومتر ونصف عن بيتي كل يوم خميس لأحفر عن الطين الصالح لصنع الأواني الفخارية، ثم آتي به وأقوم بعجنه وتمليسه، وبالمقابل أكون قد جهزت خليطا آخر من بعض الحجارة التي أقوم بطحنها بالمطحنة التقليدية، ثم أمزجها جميعا لأحصل على عجينة جاهزة لصنع الأواني، خاصة الطواجين فهي المطلوبة بكثرة ” 

وتبتسم السيدة المكافحة وعلامات التعجب بادية على وجهها عندما حدثناها عن يوم المرأة العالمي الذي لا تشاهده سوى من خلال شاشة التلفاز ولم يخطر على بالها لوهلة واحدة انه يعنيها. أو أن المحتفيات به يتحدثن باسمها وباسم كل امرأة في مثل وضعها ! 

أما مريم فهي الأخرى لا تعترف بهذه المناسبة، ولم تتردد في إبداء تهكمها فهي حسب رأيها ” لأهلها ” وأنّ الكلام عن مكاسب المرأة والقوانين التي تحميها تردده المستفيدات لا المنسيات.

 

بمنظور الرجال 

ولا يختلف الرجال عن النساء في تضارب آرائهم حول يوم المرأة العالمي فبعضهم من يراه يوما رمزيا يستحق أن تحتفي فيه المرأة بانتصاراتها وانجازاتها ودورها الكبير إلى جانب شقيقها الرجل، فيما يعتبرها البعض الآخر مناسبة بلا معنى لأن المرأة أكبر من ” يوم ” وتقديرها وتكريمها لا يجب أن يرتبط بمناسبة. 

 

يوم إعفاء 

اعتاد علي – أستاذ موسيقى – على تكريم زوجته في ” الثامن من مارس ” منذ زواجهما بطريقته الخاصة وعن ذلك يقول : لا تعب لا طبخ لا تنظيف في عيد المرأة، زوجتي فيه أميرتي وأنا خادمها، فأنا من أتولى الطبخ بنفسي  في عيدها، أو أحضر لها الأكل جاهزا وقد نخرج في رحلة لنتناول غداءنا في احد المطاعم إن سمحت ظروفنا ” ولم يفوت علي تقديم التهنئة مع باقة ورود مهداة لكل نساء العالم. 

 

اِتّباع أعمى 

أما ناصر فيرى أن الاحتفال بيوم المرأة العالمي هو اتباع أعمى للغرب ويبرر ذلك بقوله ” المراة كانت في الغرب كانت مظلومة كثيرا وقد أنزلت درجة من سلم الخليقة في فكر اشهر الفلاسفة لذلك ظلت تدافع عن حقوقها وتطالب بمساواتها مع الرجل وتم تخصيص يوم تعبر فيه عن انتصارها الموهوم لكن المرأة في ديننا مكرّمة في كل لحظة من حياتها، وقد أعطاها الإسلام كل حقوقها، وجل احترامها والإحسان إليها والرفق بها واجب على كل رجل “

 

 جمعية العلماء المسلمين لا تفوت الإحتفال 

وكدأبها من كل سنة تستعد جمعية العلماء المسلمين بفروعها النسوية عبر العديد من ولايات الوطن للاحتفاء بهذه المناسبة، على غرار الفرع النسوي بمدينة قسنطينة الذي يستعد لتنظيم احتفالية الثامن من مارس تحت شعار” المرأة تحد؛كفاح و نجاح “، و تسعى نساء الجمعية على قدم وساق لإحياء هذه المناسبة بكثير من الاهتمام معتبرات إياها وقفة للذكرى والتقدير والعرفان بما قدمته نساء الجزائر من تضحيات إلى جانب أشقائهم الرجال في معركتي التحرير والبناء الحضاري والتنوير ، وعن ذلك تقول إحدى أعضاء الجمعية : ” يوم الثامن من مارس هو المناسبة التي نذكر فيها نضال جداتنا، ونضال أمهاتنا ونضال الكثيرات من نساء عصرنا أولئك اللواتي يشتغلن في صمت ويحترقن كالشموع لإنارة حياة غيرهم ولا ينتظرن جزاء ولا شكرا من احد ولا يبتغين سوى وجه الله أو مصلحة الوطن “

 

أهداف أعظم وأشرف

من جهتها ترى الأستاذة “نصيرة دعّاس” – أستاذة في علوم الشريعة – أن جمعية العلماء المسلمين  ” تحتفي بالكثير من المناسبات العالمية وأهدافها في ذلك أعظم وأشرف من كونها مجرّد تبعية وتقليد للغرب وتضيف الأستاذة ” يجب أن ننظر إلى نصف الكأس الممتلئ فمثل هذه المناسبات هي التي يمكننا أن نستقطب فيها اهتمام عدد اكبر ممكن من النساء لتمرير رسائلنا الإصلاحية والتي تتضمن محاربة لأي مشروع غربي يستهدف هويتنا، من خلال ما نقدمه من محاضرات وندوات تحضرها عشرات النساء من مختلف الفئات العمرية “.

مقالات ذات صلة