-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نسيان العقل الشعبي‮ ‬في‮ ‬معظم مشاريع النقد الفكري‮ ‬العربي

عمر أزراج
  • 2520
  • 0
نسيان العقل الشعبي‮ ‬في‮ ‬معظم مشاريع النقد الفكري‮ ‬العربي

هناك تقصير متكرر عند الدارسين والنقاد عندنا فيما‮ ‬يتصل بمجال دراسة عناصر الثقافة الشعبية المتخلفة وتحديد مصادرها مناطق تجليها في‮ ‬إنتاج وسلوك ما‮ ‬يدعى بالنخب المثقفة عندنا‮. ‬هناك فرضيات خاطئة تدعي‮ ‬أن ثمة خطأ فاصلا بين ما‮ ‬يسمى بالثقافة العليا‮ – ‬التي‮ ‬تنتجها النخب في‮ ‬بلداننا المتخلفة والتي‮ ‬يقال بأنها تتمثل في‮ ‬الأدب الفصيح سواء كان مغرقا في‮ ‬الكلاسيكية أو في‮ ‬التجريب،‮ ‬وفي‮ ‬الأدبيات العلمية والتقنية،‮ ‬وفي‮ ‬حزمة النظريات التي‮ ‬تفسر علاقة الناس فيما بينهم وكذا علاقتهم بالطبيعة‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تتمثل أيضا في‮ ‬قشور أسلوب الحياة الحديثة المستعارة والمقحمة على مجتمعاتنا التي‮ ‬لم تدخل بعد إلى مسرح العصر الحديث في‮ ‬كل المجالات المادية والثقافية والفنية والعلمية‮ – ‬وبين الثقافة الشعبية التي‮ ‬تنتجها أو تتبادلها شرائح المواطنين البسطاء في‮ ‬الأرياف وفي‮ ‬الفضاءات الفقيرة والمهمشة في‮ ‬المدن الكبرى أو الصغرى،‮ ‬وتنطق باللهجات والعاميات التي‮ ‬لا ترقى إلى اللغة المعيارية الرسمية والمعمول بها في‮ ‬مختلف مرافق وأجهزة الدولة‮. ‬

أعتقد أنَ‮ ‬مثل هذه الفرضيات تفتقد إلى التفكير السليم في‮ ‬قضية مهمة وهي‮ ‬أن مفهوم‮ “‬الشعبي‮” ‬لا‮ ‬يدل فقط على الإنتاج الثقافي‮ ‬والفني‮ ‬الذي‮ ‬ورثته أو أنتجته الشرائح المذكورة آنفا وإنما‮ ‬يدل أيضا على ذلك النمط من الذهنية والسلوك والفهم المشترك وكذلك الحس المشترك الذي‮ ‬تشترك فيه هذه الشرائح وتميزها عن نمط الذهنية والسلوك والحس المشترك لدى النخب الفكرية التي‮ ‬لا تمثل إلا الأقلية البشرية في‮ ‬النسيج الاجتماعي‮ ‬العام في‮ ‬مجتمع ما‮. ‬إنه هكذا‮ ‬يبدو لنا سراب هذا الفارق المفترض لأول وهلة،‮ ‬ولكن الواقع‮ ‬يبين لنا أن هذا الخط الفاصل بين ثقافة النخب وبين ثقافة الشرائح الشعبية عندنا هو خط وهمي‮ ‬لأن المضمون الجوهري‮ ‬للثقافة المشتركة الذي‮ ‬يترجم‮ ‬يوميا في‮ ‬شكل التصورات الذهنية والسلوك العملي‮ ‬هو قاسم مشترك أعظم بين الفئتين أي‮ ‬بين النخب والشرائح الشعبية في‮ ‬بلداننا التي‮ ‬تنتمي‮ ‬إلى الصف المتخلف في‮ ‬المعمورة‮. ‬

‬نذكر هنا مشاريع كل من حسن حنفي،‮ ‬وصادق جلال العظم،‮ ‬وحسين مروَة،‮ ‬وطيب تزيني،‮ ‬ومالك بن نبي،‮ ‬ومحمد عابد الجابري،‮ ‬وجورج طرابيشي‮ ‬وأدونيس‮… ‬وهي‮ ‬كلها قد‮ ‬غلقت على نفسها داخل ما‮ ‬يسمى بالخطابات الثقافية والفكرية النخبوية‮.   ‬

إن هاتين الفئتين متطابقتان في‮ ‬الجوهر لأنهما تشتركان في‮ ‬التصورات الذهنية الخرافية،‮ ‬والأسطورية،‮ ‬والعشائرية وفي‮ ‬التوظيف الطائفي‮ ‬للدين،‮ ‬وفي‮ ‬العادات وطقوسها التقليدية،‮ ‬وفي‮ ‬الفهم‮ ‬غير العلمي‮ ‬للواقع وفي‮ ‬التعامل الانفعالي‮ ‬البدائي‮ ‬معه‮. ‬من الملاحظ هو أن مضامين ثقافة ما‮ ‬يسمى بالنخب المثقفة والعالمة عندنا ليست مفارقة جذريا لمضامين ثقافة وذهنية شرائحنا الشعبية في‮ ‬البوادي‮ ‬والأرياف التي‮ ‬تشكل أغلب سكان بلداننا بل فإن العلم وما‮ ‬يسمى بالثقافة العالمة التي‮ ‬تلصق بهذه النخب لصقا هي‮ ‬مجرد صباغة خارجية فقط سرعان ما تسقط في‮ ‬امتحان الممارسات اليومية‮. ‬

على ضوء هذه الملاحظات أعتقد أن المطلوب الآن هو القيام بدراسة البنية العامة العميقة للثقافة الشعبية وفرز مضامينها المتخلفة والتقدمية أي‮ ‬دراسة ما‮ ‬يطلق عليه بالعقل الشعبي‮ ‬وتحليل مكوناته المشتركة بين الجميع باعتبارها تمثل نسق بنية المشاعر الناظمة للحياة الاجتماعية‮. ‬وبهذا الصدد‮ ‬يلفت المفكر الجزائري‮ ‬الراحل محمد أركون انتباهنا إلى خلو التراث النقدي‮ ‬الثقافي‮ ‬التقليدي‮ ‬العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬القديم من المشاريع الكبرى المكرسة لدراسة ما‮ ‬يدعوه بالعقل الشفوي‮ ‬العربي‮ ‬الإسلامي،‮ ‬الذي‮ ‬يقصد به جميع أشكال وتعبيرات الثقافة الشعبية،‮ ‬ويستثني‮ ‬من هذه النزعة ابن خلدون وأبو حيان التوحيدي‮. ‬

في‮ ‬هذا السياق‮ ‬يلخص أركون الأسباب التي‮ ‬كرست ظاهرة استبعاد هذا العقل الشفوي‮ ‬في‮ ‬واقعنا العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬هكذا‮: “‬شهدت الآداب الشفهية والشعبية مصيرا مؤلما وسيئا جدا منذ أن انتصر ما كنت قد سمَيته بالتضامن الوظيفي‮ ‬بين الدولة المركزية والكتابة والأرثوذكسية والثقافة الحضرية العالمة‮..” ‬وفي‮ ‬الحقيقة فإن إهمال دراسة هذا العقل الشفوي‮ ‬لا‮ ‬يقتصر على العرب والمسلمين القدامى فقط بل فإن معظم المشاريع النقدية التي‮ ‬اكتسبت شهرة،‮ ‬والمكتوبة باللغة العربية وخاصة بعد هزيمة‮ ‬1967‮ ‬م والتي‮ ‬قامت بمحاولات تحليل بنيات العقل العربي‮ ‬أو العربي‮ ‬الإسلامي،‮ ‬قد قامت بدورها باستبعاد هذا العقل الشفوي‮ ‬ولم تدرسه في‮ ‬كليته كقطب أساسي‮ ‬مكوَن لهذا العقل،‮ ‬ونذكر هنا على سبيل المثال فقط مشاريع كل من حسن حنفي،‮ ‬وصادق جلال العظم،‮ ‬وحسين مروَة،‮ ‬وطيب تزيني،‮ ‬ومالك بن نبي،‮ ‬ومحمد عابد الجابري،‮ ‬وجورج طرابيشي‮ ‬وأدونيس وهي‮ ‬كلها قد‮ ‬غلَقت على نفسها داخل ما‮ ‬يسمى بالخطابات الثقافية والفكرية النخبوية‮. ‬إن هذه المشاريع المذكورة قد تميزت بالانتقائية التجزيئية،‮ ‬حيث نجدها قد اقتصرت على ما‮ ‬يسميه أركون بالعقل الكتابي‮ ‬الذي‮ ‬يدور في‮ ‬فضائه هو أيضا على نحو نمطي‮ ‬مستمر في‮ ‬كتاباته النقدية حيث لم‮ ‬يتجرأ على كسر هذه النمطية والخروج من سياجها والشروع في‮ ‬تحليل مكونات عالم العقل الشعبي‮ ‬وأشكال التعبيرات التي‮ ‬يتخذها ليعبر بواسطتها عن موقفه ورؤيته للحياة‮. ‬

‭ ‬لاشك أن ثمة بعض الاستثناءات القليلة جدا التي‮ ‬تناولت أجزاء من هذا العقل الشفوي‮ ‬وأشكاله وتعبيراته في‮ ‬الثقافة الشعبية الشفوية منها مشروع التحليل النفسي‮ ‬للذات العربية لعلي‮ ‬زيعور الذي‮ ‬وظف التحليل النفسي‮ ‬في‮ ‬طبعته الفرويدية الكلاسيكية لتحليل السرديات الشعبية الأسطورية والخرافية‮. ‬من المفارقات البارزة التي‮ ‬نلاحظها هنا هي‮ ‬أن ظاهرة عدم بناء النظرية المتكاملة لتاريخية ميلاد ونمو وتطور الحساسية الثقافية الشعبية،‮ ‬وكذا عدم دراسة تجليات هذه الحساسية في‮ ‬الممارسة التطبيقية تتكرران عند أركون أيضا‮. ‬

‭ ‬إنه رغم تذمره الشديد،‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ “‬تاريخية الفكر العربي‮ ‬الإسلامي‮”‬،‮ ‬من نزعة إهمال دراسة معمار العقل الشفوي‮ ‬العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬التي‮ ‬يعتبرها سلبية جدا والتي‮ “‬لم‮ ‬يحصل أي‮ ‬احتجاج ضد هذه النظرة‮” ‬التي‮ ‬تسببت في‮ ‬إقصاء ركن أساسي‮ ‬من البنية العامة للثقافة العربية الإسلامية عبر التاريخ،‮ ‬ولكنه لم‮ ‬يخصص بدوره أي‮ ‬كتاب لدراسة نظام العقل الشفوي‮ ‬العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬كما تجسد ولا‮ ‬يزال‮ ‬يتجسد في‮ ‬الثقافة الشعبية‮. ‬وهنا نتساءل‮: ‬كيف‮ ‬يمكن تجاوز ذهنية التمركز الثقافي‮ ‬الحضري‮ ‬والنخبوي؟‮ ‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • مواطن

    الذين يتشوقون إلى المعرفة غير العلمية لأن حوائجهم تمس الثقافة العامة كالترفيه وتنمية الجانب العاطفي وشؤون المجتمع وتخفيف عبء الحياة من مسرحيات وغيرها من فنون الأدب.

  • مواطن

    يؤلفون باللغة الفرنسية ما يضمن لهم "العالمية"متعالين على جمهور ثقافتهم الشعبية.لقد أدرك المرحوم بن هدوقة هذا الاتصال حين فحص اهتمام مواطنيه ولبى ميولهم كما فعل فقيد المسرح الجزائري علولة حين صور حياة عامة الناس وحالتهم الاجتماعية ومتطلباتهم في سائر الأيام وقد صوب قلمه لتحسيس القارئ عن مدى هموم السكان المحيطين بنا جميعا.إذن الفيلسوف يوجه زبدة فكره لطبقة يكون فيها البحث العلمي والخوض في المسائل الفكرية والفلسفية أي كل الجوانب النظرية بحيث تختلف حتما عن اهتمام عامة الناس الذين يتشوقون إلى ...يتبع

  • مواطن

    الموضوع المطروح يستحق دراسة عميقة لفهم فحوى الثقافة الشعبية.ذلك أن معظم كتابنا يتوجهون بإنتاجهم إلى الطبقة القادرة على التمحيص العلمي أي أنهم يفعلون كما فعل المدرسيون في فرنسا إذ كان هدفهم مناقشة متطلبات فصيل من المجتمع الأوربي لمواكبة النهضة الأوربية وكانوا يوضحون أفكارهم في مقدمة كتبهم.لكن لما جاء بالزاك واختار أسلوب القصة التي تساهم في تثقيف المجتمع والتكلم بعباراته واهتماماته قصد تثقيفه تطبيقا لما جاء به الفلاسفة والمفكرون للقضاء على الأمية المنتشرة.فما بالك وبعض كتابنا"الزازوات" يؤلفون يتبع