نصرٌ تاريخي للشعب وجيشه
الآن وقد قضي الأمر، ونجح الثنائي المرح “الشعب وجيشه” في تحرير قرار الرئيس، وإخلاء سبيله نحو المجلس الدستوري لتقديم استقالته دون حاجة إلى وصي، يحسن بنا أن نتفهم فرحة “الشارع” ومعه فرحة بقية الشعب الصامت، بإنجاز عظيم بتجاوز المضامين المعلنة في شعارات: إسقاط مسار العهدة الخامسة، ثم إفشال لعبة التمديد، وأخيرا إحباط مناورة انقلاب “العصابة” على الدستور ومؤسساته التي فككت ألغامها عشية الجمعة السادسة، ليكون تحرير قرار الرئيس واستجابته لمطلب الاستقالة محض تفصيل.
وحيث إن الشارع كان منذ الجمعة الأولى متنوِّعا، بألوان طيف الشعب الجزائري، مع توحده خلف الشعار الجامع “تغيير النظام” فلا يجوز لأحد أن يفرض على هذا التنوع لونا واحدا في طرق التعبير عن الفرح الذي قد يمتد طيف ألوانه من أخلاط ألوان ما تحت الحمراء الساخنة، المشبَّعة بروح الانتقام المشروع من العصابة، إلى حدود الفرح الناعم بالألوان الرفيعة لما فوق البنفسجي، وهي تعانق وتستشرف معالم الانتصار الأعظم الذي تحقق في 40 يوما من “السير الآمن” لمقدمة شابة، فتية، مسالمة، من شعب غير قابل للتطويع، تعوَّد عبر الزمن رفع التحديات بالتعويل على مقدراته، وعبقريته في الابتكار وتحويل المحن إلى منح.
من المقاتل يوغرطة الذي قاتل المحتل الروماني بالسيف قبل أن يغزو روما برجل واحد، ويعبث بمجلس شيوخ الإمبراطورية، ليقف على ربوة من ربواتها السبع يردد “كل شيء يباع ويشترى حتى شيوخ السينا” إلى الأمير الشاب عبد القادر، وهو يبتكر لأول مرة في التاريخ عاصمة متنقلة دوخت المحتل الفرنسي، إلى تلك الزمرة من شباب الحركة الوطنية، وهي تلقي بالثورة إلى الشارع ليلتقطها الشعب، ويصنع بها ومنها أسطورة ثورة التحرير، فلا عجب أن يكون الجزائريون أول من ابتكر ثورة شعبية مسالمة تُسقط نظام حكم دون قطرة دم واحدة، أو زجاج يُكسر، مع الحرص على تنظيف موقع الأقدام قبل إخلاء الشوارع باحتفالية مشتركة بين المحتجين، وما كان يفترض أن يكون قوات مكافحة الشغب.
لأجل ذلك، أريد أن احتفل على طريقتي الخاصة، بما أعتقد أنه أعظم انجاز تحقق لهذه الهبَّة الشعبية التي فشلت جميعُ محاولات اختراقها من الداخل والخارج، لأنها كانت منذ البداية محصَّنة بحالة من “التخاطر عن بُعد” بين “شعب وجيشه” لا أنا، ولا غيري، قادر اليوم على الإحاطة بإسراره، وبلغة التخاطر فيه، وتبادل الرسائل المشفرة وضبط الإيقاع، التي عجزت دوائر الرصد والتحليل الاستخباراتية ما وراء البحر عن التقاطها فضلا عن فك شيفراتها.
وبطريقته الخاصة، وحسِّه وحدسه الفطري، التقط الشارع في ما يشبه الاستبصار الصوفي هذه الحقيقة، ليرفع من أول جمعة، مع شعار إسقاط العهدة الخامسة، شعارَ “الشعب الجيش.. خاوة خاوة” لترد عليه مؤسسة الجيش برسائل طمأنة متصاعدة، ختمت يوم الـ18 عشر من مارس بالجملة التي كان ينتظرها الشارع “الشعب وجيشه” كنتُ في مقال سابق قد وصفتها بالنقلة التاريخية في عقيدة الجيش الوطني الشعبي تقول للرئيس وأي رئيس منتخب قادم، هو بحكم الدستور “قائده العامّ” أن الجيش له “قائد أعلى” هو الشعب، لا يمكن مستقبلا لأي رئيس أن يأمر الجيش بعصيان “قائده الأعلى” أو تحويل سلاحه والانقلاب على مطالبه.
هاهُنا سبب ابتهاجي بما تحقق، والبقية عندي هي محض تفصيل، ما دام “الفتق” الخطير الذي صنعته قوى الاستئصال في تسعينيات القرن الماضي بين الشعب وجيشه قد “رُتِّق” في ستة أسابيع، فحق لنا أن يشارك الجميع في الجمعة السابعة غدا في عرس حقيقي، يحرم على كائن من كان أن يعكره بركوب حصان المزايدات الخرقاء التي سوف يُسقطها الثنائي كما أسقط مؤامرة العصابة عشية الجمعة السادسة.