الجزائر
مع استيطان بعوض النمر في الجزائر وتكاثره

نظام مُراقبة وإنذار مُبكّر لمكافحة الأمراض الفيروسية

نادية سليماني
  • 215
  • 0

يعرف بعوض النمر انتشارا متزايدا، خلال الآونة الأخيرة، بحيث يعتبر فصل الخريف أفضل موسم لتكاثره، في وقت تستقبل مؤسسات الصحة العمومية العديد من حالات لسع هذه البعوضة والتي تطورت أعراضها، لدرجة تناول المريض للمضادات الحيوية، ومن جهتها أطلقت وزارة الصحة نظام مراقبة ومكافحة للأمراض الفيروسية المنقولة عن طريق بعوض النمر، بإشراك مديريات الصحة وجميع الهيئات وفعاليات المجتمع..

استوطنت بعُوضة النمر الخطيرة في الجزائر، ولم تتأقلم معها مناعة أجسامنا باعتبارها حشرة دخيلة على البلاد، ما جعل كثيرا من حالات اللدغ تصل إلى الاستشفاء، بعد تفاقم وضعية المريض. ويعتبر فصل الخريف من مواسم تكاثر هذه الحشرة اللّادغة، وحتى البعوض العادي، زادت أعداده السنوات الأخيرة، لدرجة صار اقتناء وسائل ومبيدات القضاء على الناموس من أولويات العائلات.

انتفاخ وحمى بسبب لدغة بعضو

” نبيل”، مواطن يقطن بحي بلكور بالجزائر العاصمة، استفاق منذ يومين بذراع منتفخة جدا وحُمى غير طبيعية وتعرّق غزير، وبكشفه عن ذراعه وجد لدغة حمراء بيده، المعني توجه مباشرة نحو العيادة متعدد الخدمات ببلدية سيدي أمحمد، وهنالك شخصت حالته بلدغة بعوضة سامة، وشرع في تناول المضادات الحيوية، ولكن حالته لا تزال غير مستقرة منذ ثلاثة أيام.

وذكر المتحدث في تصريح لـ” الشروق” بأنه يُعاني وعائلته السنوات الأخيرة، من انتشار “رهيب” للبعوض في الحيّ، لدرجة جعلته “يتسلّح” يوميا وقبل نومه بأقراص القضاء على البعوض إضافة إلى استعمال مبيد الحشرات، وملء النوافذ بنبات الرّيحان والحبق الطارد للحشرات، “ومع ذلك نمضي ليالينا ونحن نتصارع مع البعوض” على حد قوله..

بن أشنهو: تطاول البنيان زاد من انتشار هذا البعوض

ويتساءل كثيرون عن سبب غياب حملات رش المبيد التي كانت تتولاها مكاتب التطهير والوقاية على مستوى البلديات، والتي كانت تساهم وبشكل كبير في القضاء على البعوض، والذي انتشر بشكل كبير السنوات الأخيرة.

وفي الموضوع، يؤكد المختص في الصحة العمومية، فتحي بن أشنهو لـ”الشروق”، أن خطر البعوض لا يكمن في لدغاته أو إزعاجه، وإنما في الأمراض الفيروسية التي بات ينقلها للبشر، ومنها “البالديزم” أو كما تعرف محليا بالحمى الباردة، وكشف أن كثيرا من الأمراض المنتشرة في أوروبا وإفريقيا سببها انتشار البعوض.

الفضلات والمياه الراكدة هي السّبب

وقال بن أشنهو، بأن بعوض النمر استوطن في الجزائر بعدما دخلها عبر السفن والطائرات وحقائب المسافرين وسياراتهم، وتكاثر بفضل عوامل مساعدة، ومنها انتشار البرك والفضلات، كثرة الحدائق بالمنازل المليئة بالمياه الراكدة، والتي تعتبر أنسب بيئة لوضع بيوض ناموسة النمر.ولفت المتحدث الانتباه لظاهرة البنايات الخاصة والتي باتت تبنى بطوابق عديدة، وبحسبه، هي من أهم أسباب حجب أشعة الشمس والرياح، ما يسهل تكاثر الفيروسات التي يحملها البعوض، وقال: “مثلا مرض السّارس الذي يُصيب الجهاز التنفسي، وانتشر في كوريا الشمالية في إحدى السّنوات، كشفت الأبحاث أن كثرة ناطحات السحاب في ذلك البلد هي ما تسبب في انتشار الفيروس بسبب حجب أشعة الشمس والتهوية عن السكان”.

قنديل: أطلقنا حملات تحسيسية بمخاطر الأمراض المتنقلة

ويرى المختص في الصحة العمومية، بأن مكافحة انتشار البعوض تتطلب تجنيدا ميدانيا، خاصة وأن الجزائر تملك، حسبه، معهد باستور والذي يضم كفاءات بشرية، وأيضا المخبر الوطني للفيروسات المنقولة بالبعوض بمعهد باستور بسيدي فرج، مع ضرورة تجند البياطرة في الموضوع.

للقضاء على مختلف أنواع الناموس، يقول بن أشنهو، بأنه لابد من الوقاية الذكية، والتي تكون بالقضاء على بيوض البعوض قبل فقسها، وذلك خلال شهريْ جانفي وفيفري، لأنه بعد نمو البعوضة يصعب التحكم في انتشارها وتكاثرها.

التخوّف من حالات مستوردة للإصابة بالفيروس

إلى ذلك، تعطي وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات اهتماما بظاهرة انتشار بعوض النمر، وذلك منذ ظهوره في الجزائر.

وبحسب تعليمة صادرة عن المديرية العامة للوقاية وترقية الصحة على مستوى وزارة الصحة والسكان، اطلعت عليها “الشروق”، والمتعلقة بكيفية تنفيذ نظام المراقبة ومكافحة الأمراض الفيروسية المنقولة عن طريق بعوض النمر أو ما يعرف علميا بـ “الأيدس ألبوبيكتوس (Aedes albopictus) مثل حمى الضنك، شيكونغونيا، وزيكا، بحيث يُعتبر “النمر” نوعاً من البعوض المستوطن منذ عدة سنوات في بعض ولايات الشمال الجزائري، ويمكنه نقل أمراض خطيرة مثل حمى الضنك والزيكا والشيكونغونيا، خصوصاً في حال دخول أشخاص مصابين قادمين من مناطق ينتشر فيها الفيروس.

وتؤكد الوزارة أن الخطر لا يأتي فقط من وجود هذا البعوض، بل أيضاً من إمكانيّة دخول حالات إصابة مستوردة من بلدان ينتشر فيها هذا الفيروس، ممّا قد يؤدي إلى انتقال العدوى محلياً إذا كان بعوض النمر نشطاً في المنطقة.

ونظراً لغياب لقاحات أو علاج نوعي، تعتمد مكافحة هذه الأمراض على نظام مراقبة وإنذار مبكر يهدف بحسب ما أوضحته تعليمة وزارة الصحة، إلى الكشف المبكر عن الحالات المستوردة، رصد وجود البعوض الناقل في المناطق غير المصابة، واتخاذ إجراءات الوقاية والمكافحة اللازمة.

وتشمل طريقة تطويق هذا البعوض، عن طريق التصريح بالحالات المشتبه فيها أو المؤكدة في حال وجود أمراض فيروسية، أخذ ونقل العينات المخبرية، تطبيق نظام المراقبة الحشرية، إضافة إلى تنفيذ حملات مكافحة البعوض، خلال الفترة الزمنية للمراقبة، والتي تمتد من 1 ماي إلى 30 نوفمبر، وتشمل جميع ولايات الشمال الجزائري.

مُراقبة “حشريّة” لأماكن تكاثره

وتشدد تعليمة وزارة الصحة، على ضرورة وضع مراقبة حشرية، والتي تهدف إلى منع انتشار البعوض الناقل، عبر القضاء على أماكن توالده مثل المياه الراكدة والأواني المكشوفة، وتنظيم حملات رش وتطهير بالتنسيق بين مصالح الوبائيات، البلديات، ومصالح الصحة العمومية. مع إعداد مخطط دقيق لرسم خريطة انتشار البعوض النمر وتحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر، بينما يبلغ الطبيب، في حال وجود حالة اشتباه في مريض، مصلحة الوبائيات (SEMEP) ويوجه المريض للمستشفى، أين تجرى له التحاليل، ثم تبلغ مصلحة الوبائيات التي تنجز تحقيق وبائيا، وتنسق عمليات المكافحة مع مصالح النظافة البلدية والصحة العمومية.

وبدورها، تتولى مديريات الصحة، الإشراف على النظام وتجميع المعلومات التي ترسلها إلى المعهد الوطني للصحة العمومية (INSP) ووزارة الصحة، ليقوم المعهد الوطني للصحة العمومية بتحليل البيانات ونشر تقارير دورية.

وتدعو وزارة الصحة، إلى إشراك المجتمع المدني والقطاعات المختلفة من بلديات، الشؤون الدينية، التربية، البيئة، الإعلام.. في التوعية بطرق الوقاية من لسعات البعوض وأماكن توالده.

وتؤكّد التعليمة، على أنّ مكافحة بعوض النمر مسؤولية جماعية، يتم إشراك فيها المجتمع المدني والقطاعات المختلفة مثل البلديات، التربية، الشؤون الدينية، البيئة، الإعلام، والجمعيات المحلية في حملات التوعية. والهدف هو نشر ثقافة النظافة البيئية، وعدم ترك المياه الراكدة أو الأواني المفتوحة التي تُعتبر أماكن مثالية لتكاثر هذا النوع من البعوض.

نشر الوعي بمخاطر بعوض النمر بين التلاميذ

ودعت وزارة الصحة جميع الفاعلين الصحيين والسلطات المحلية والمواطنين إلى التعاون الكامل من أجل حماية الصحة العمومية، ومنع ظهور أو انتشار هذه الأمراض الفيروسية الخطيرة.

وتنفيذا لتعليمة وزارة الصحة، تعمل مديرية الصحة والسكان لولاية الجزائر، على تفعيل نظام المراقبة ومكافحة الأمراض الفيروسية المنقولة عن طريق بعوض النمر، خصوصاً في المناطق المكثفة سكانيا في وسط العاصمة والأماكن الساحلية خلال فصل الصيف.

وفي هذا الإطار، قال الأمين العام لمديرية الصحة بالعاصمة، ماهر قنديل لـ “الشروق” بأن الهدف من تفعيل نظام المراقبة، هو الكشف المبكر عن الحالات، ومراقبة انتشار البعوض واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة.

وأضاف: “ويشمل عملنا أيضا، التنسيق بين مختلف المؤسسات الصحية الاستشفائية والجوارية، إضافة إلى حملات توعية مع مختلف الشركاء الإعلاميين ومشاركة فعّالة للمجتمع المدني للحد من تكاثر البعوض وحماية الصحة العمومية، كما نعمل على نشر الوعي بمخاطر بعوض النمر بين التلاميذ في المؤسسات التربوية من خلال فرقنا في الصحة المدرسية”.

مقالات ذات صلة