نعم.. انتصرت غزّة
كُتب لحرب الإبادة التي شنّت على غزّة أن تضع أوزارها، بعد 15 شهرا رأينا فيها نذالة الصّهاينة وخسّة أوليائهم وأعوانهم وحقارة أخدانهم، ورأينا فيها –على الجبهة الأخرى- صولة المجاهدين المرابطين الذين أبوا أن يقبلوا الضّيم ويرفعوا الراية البيضاء، وظلّوا صامدين يقضّون مضاجع الصهاينة جنودا ومستوطنين إلى آخر لحظة، كما رأينا صبر وثبات المؤمنين والمؤمنات في قطاع الإباء والعزّة، وتعلّمنا منهم كيف تتحوّل العقيدة من متون تكتب وتُحفظ إلى واقع تعيشه الأمّة في أحلك الأوقات التي تمرّ بها.
من حقّ ملياري مسلم أن يفرحوا بما حقّقه أسُودهم في غزّة رغم قلة العدد والعتاد، ورغم الحصار والخذلان والخيانة والتآمر، ويشمتوا بالصهاينة الذين حاق بهم ما حاق بالمشركين وأعوانهم وحلفائهم في غزوة الأحزاب في السّنة الخامسة للهجرة، حينما ارتدّوا على أدبارهم خائبين: ((وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا)).. لقد ردّ الله الصّهاينة بغيظهم لم ينالوا خيرا، ولم يحقّقوا ممّا تمنّوه وجيّشوا له شيئا، وأعزّ الله عباده المجاهدين وثبّت أقدامهم فما قبلوا الدنيّة ولا استسلموا ولا نزلوا على شروط المحتلين وإملاءات أهل الخور.
عند بدء طوفان الأقصى المبارك، في السابع من أكتوبر، قبل 15 شهرا، أحسّ نتنياهو بأنّ كرامته قد ديست بأقدام جند القسّام وأنّ كيانه تعرّض لأكبر خيبة في تاريخه، فراح يزبد ويرغد ويتوعّد بحرب لا تبقي ولا تذر ولا تنتهي حتى تستسلم حماس وتلقي سلاحها وتطلق سراح الأسرى من دون أيّ شروط، وحشد لأجل ذلك نصف مليون جندي صهيونيّ بين نظامي واحتياطي، واستغاث بالأمريكان والأوروبيين الذين أمدّوه بالمال والسّلاح، لينجز مهمّته خلال أسابيع قليلة! لكنّه وبعد مضيّ 15 شهرا من الحرب التي استنزفت المئات من جنوده وضباطه وعشرات المليارات من الدولارات، لم يحقّق شيئا ممّا وعد به كيانه وتوعّد به مُقضّي مضجعه! حماس لا تزال في غزّة تقاوم وتستهدف جنود المحتلّ وآلياته، ويكفي أنّ نتنياهو الذي كان يتوعّد بإنهائها وإفنائها قد صرّح قبل أيام أنّه ينتظر ردّها على مقترحاته للتفاوض.. ولو أنّه أصغى لنصيحة المتحدث باسم جيشه وحكومته “دانيال هاغاري” بتاريخ 19 جوان 2024م لأراح نفسه، لقد قال “هاغاري” قبل 9 أشهر: “الكلام عن القضاء على حماس خداع للجمهور، لأنّ حماس فكرة ولا يمكن تدمير الأفكار، وأنه طالما لم تجد الحكومة بديلا لها فستبقى حماس في غزة”.
القدرات العسكرية لكتائب القسّام تراجعت، لكنّها لم تفكّك، وهي قابلة لإعادة البناء في فترة وجيزة بإذن الله، ويكفي أنّ جيش الصهاينة قد تكبّد في قطاع غزّة خلال الأسبوع الأخير الذي سبق سريان وقف إطلاق النّار خسائر فادحة في صفوفه، حيث قَتلت كتائب العزّ أكثر من 15 ضابطا وجنديا صهيونيا وأصابت العشرات.. وحتى وزير الخارجية الأميركي “بلينكن” أدرك –مكرها- أنّ حماس ستعود بكلّ قوة، حيث صرّح قبل أيام قائلا: “إن حماس جنّدت خلال الحرب مقاتلين أكثر ممن فقدتهم”.. أمّا الأسرى فلم يستطع نتنياهو استردادهم، وها هو يضطرّ صاغرا للتفاوض مع حماس لتطلق سراحهم.
نتنياهو كان قد تعهّد بأنّ جيشه الصهيونيّ سيبقى في محور نتساريم بين شمال القطاع وجنوبه، وفي محور فيلاديلفيا بين غزّة ومصر، وها هو الآن يرضخ لشرط الانسحاب التدريجيّ من قطاع غزّة بالكامل.
في المقابل؛ تعهّدت حماس بأن أسرى الاحتلال لن يفرج عنهم من دون اتفاق تبادل، وتمسكت بـ3 شروط لقبول أي صفقة وهي: عودة سكان الشمال رجالا ونساءً، والوقف الدائم لإطلاق النار، وتعهد العدوّ بالانسحاب من القطاع.. وبالفعل ها هي حماس قد وفّت بما وعدت به، وظلّت صامدة حتّى رضخ الصهاينة لشروطها.
بعد 15 شهرا من الإرهاب الصهيونيّ ضدّ المدنيين، فشل نتنياهو بفضل الله أولا ثمّ بفضل صمود حمَلة العقيدة الصافية في غزّة؛ فشلت خطّته في ترحيل سكّان غزّة من الشّمال، بل وفشلت في إخلاء مخيم جباليا، فضلا عن فشل خطّته في ترحيل سكّان القطاع إلى سيناء، وفشلت كلّ عملياته في بيت حانون، وفشل في احتلال محور فيلاديلفيا.
سعى نتنياهو بكلّ ما أوتي خلال الخمسة عشر شهرا لأن يصوّر المجاهدين في غزّة بأنّهم جماعة إرهابية معتدية. لكنّه فشل، وكسبت كتائب العزّ تأييدا عالميا لا نظير له، وأصبح قادة المقاومة رموزا للمقاومة والصّمود والثّبات والتحرّر، وأضحت صور الملثّم أبي عبيدة تعلّق في العواصم الغربية، وأمسى المرابطون ملء سمع الأمّة الإسلاميّة وملء بصرها، وقدوةً لشبابها بعد أن كان اللاعبون والممثلون قدوتهم.. أراد نتنياهو أن يسوّق للعالم بأنّ غزّة بؤرة من بؤر الإرهاب، فإذا به يفاجأ بالمسيرات الحاشدة تخرج في عواصم الغرب تؤيّد غزّة وأهلها، وتصوّر نتنياهو في صورة الإرهابيّ الدمويّ، ويفاجأ بالمحكمة الجنائية الدولية –رغم انحيازها الفاضح- تصدر مذكرة اعتقال بحقه وحقّ وزير دفاعه غالانت، وها هو نتنياهو يتحوّل إلى إرهابيّ عالميّ يَحسب ألف حساب قبل أن يسافر هنا أو هناك.
أراد نتنياهو أن يستغلّ طوفان السابع من أكتوبر في تشويه صورة المجاهدين والمرابطين والمسلمين عامّة، ولكنّ الطوفان كان سببا في إسلام الآلاف من المنصفين في الغرب، وسببا في تزايد الإقبال على معرفة الإسلام في أوروبا وأمريكا: ((يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)).
لم يكن نتنياهو يفكّر في إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من سجونه، لكنّه في الأخير رضخ.. كان يفكّر في تهويد القدس لكنّه اقتنع أخيرا بأنّ بينه وبين ذلك الحلم عقبات تُقطع دونها الأعناق.
15 شهرا مارس فيها نتنياهو أبشع أشكال الإرهاب والإبادة والحصار والتجويع على قطاع غزّة، وخاض حربا هي واحدة من أقذر الحروب التي عرفها تاريخ البشريّة، وهو يحلم بأن يرى جنود كتائب القسّام يجْثون على ركبهم أمامه وهم يحملون الراية البيضاء، ويرى سكّان القطاع يخرجون لاستقباله وهم يتوسّلون إليه بأن يرحمهم. فإذا بحلمه يتبدّد أمام الصّمود الأسطوري للمجاهدين والمؤمنين والمؤمنات، وإذا به يُفجع بشعبه اليهوديّ يخرج في مسيرات حاشدة يطالب من خلالها بعقد تسوية مع حماس.
كان صوت غزّة المحاصرة خافتا قبل طوفان السابع من أكتوبر، لكنّه الآن أصبح مسموعا في كلّ العالم، ويملك ناطقين باسمه في كلّ القارات من المسلمين ومن غيرهم.
انتصار غزّة ليس حماسا مجردا تنطق به ألسنة المتحمّسين، إنّما هو حقيقة تتحدّث عنها القنوات العبريّة التي تحمّل نتنياهو مسؤولية هذا الفشل الذّريع الذي مني به الكيان الغاصب.
كانت التضحيات كبيرة والفاتورة باهظة، ولكنّ عزاء الأحرار أنّ الطّوفان المبارك اجتاح العالم، وسيكون -بإذن الله- سببا في سقوط كثير من العروش التي أسّست على الظّلم والقهر والاستعباد، ولعلّه يكون –بإذن الله- سببا في انتهاء “الحكم الجبريّ” الذي خنق الأمّة على مدار قرن من الزّمان وأذلّها لأعدائها ورهن خيراتها.
من حقّنا أن نفرح بنصر غزّة، ونعتزّ بأنّ في الأمّة رجالا من طينة كتائب القسّام ونساءً من طينة نساء غزّة، ومن واجبنا أن نشكر غزّة التي أعطتنا دروسا هي أنفع من كلّ الدروس التي حوتها الكتب التي ألفها البشر بأقلامهم.. 15 شهرا تَذكَّرنا فيها سير المجاهدين الأولين، وتذكرنا صراع المؤمنين مع الكافرين، ورأينا بأم أعيننا في محنة غزة أفعال المنافقين الأولين كما ذكرها القرآن وهي تتجسّد في أفعال المنافقين الآخرين، وكأن آيات القرآن نزلت الآن فيما يحصل في غزة.. بدأنا نستشعر حلاوة القرآن ونزداد يقينا بأنه كتاب خالد صالح لكل زمان ومكان.. رأينا أخلاق المجاهدين في معاملة جنود القسام لأسرى العدو.. ورأينا صبر وثبات المؤمنين في القطاع واعتصامهم بالله وتشبثهم بحبل الله ويقينهم بوعد الله.. رأينا أنّ في هذا العالم ملايين المنصفين الذين يأبون الظّلم ويرفضونه من أمثال المطعم بن عدي، وهشام بن عمرو، وهم على أتم الاستعداد ليكونوا مسلمين لو عرفوا حقيقة الإسلام.
من واجبنا أن نشكر غزّة، فقد كشفت نذالة اليهود وحقارة المنافقين، وكشفت الغطاء عن التديّن المغشوش الذي ابتليت به الأمّة في هذا الزّمان؛ التديّن الذي يشغل الأمّة بالصغائر عن الكبائر، ويبرّر الرضوخ للمحتلين ويخذّل عن جهادهم.. من واجبنا أن نشكر غزّة لأنّها كانت سببا في عودة كثير من شباب الأمّة إلى الله، وجعلتهم يحملون همّ الدّين والأمّة بدل همّ الكرة والخليلة.
من حقّنا أن نفرح بما حققته غزّة، لكن من واجب ملياري مسلم أن يقفوا مع إخوانهم بعد هذه الحرب المدمّرة التي خاضوها.. فليس يليق أن نتغنّى بثباتهم ونصرهم، ونتقاعس عن مدّ يد العون لهم.. الأيام القادمة هي أيام دعاء وبذل وعطاء، حتى تعود غزّة خيرا ممّا كانت عليه قبل الحرب، وحتى تستعيد كتائبنا في الأرض المباركة قوتها وتظلّ شوكة في حلوق الصهاينة وحلوق أوليائهم والمطبّعين معهم.