الرأي

نقد موقفي الدكتورين طه حسين وسمير أمين من الهوية الإثنيات

عمر أزراج
  • 2292
  • 0

في الأسبوع الماضي تناولت مشكلة معقدة وخطرة تتمثل في الصراعات الساخنة والمتطرفة على الهوية في بلداننا، وفي هذا المقال أقدم نموذجين من التفكير التعسفي في قضيتي العرق والإثنية عند مفكرين معروفين في المشهد الفكري عندنا مغاربيا ومشرقيا وهما طه حسين وسمير أمين.

من البديهي القول بأن المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج مشبّعة بالتنوعات الثقافية، والدينية وتشعباتها المذهبية، والحضارية والإثنية، وبتقاطعات الأعراق التي هي نتاج للتنوعات البشرية المنحدرة من الجنسيات المختلفة التي استقرت على نحو دائم ببلداننا وأصبحت هذه التنوعات جزء من المركب البشري الذي نتجت عنه الهجنة بكل مكوناتها الثقافية والروحية. نظرا لذلك فإنه ينبغي اعتبار هذه التنوعات مصدر ثراء وقوة في مجتمعاتنا المعاصرة وليس علة للتشرذم والانقسام.

لاشكَ أن ّ السياسات المطبقة في بلداننا بخصوص الإثنيات التي تصنف غالبا في خانة الأقليات الهامشية في حاجة ماسّة إلى فتح أبواب النقاش العلمي الهادئ حولها من أجل بلورة موقف جديد أكثر ايجابية للتعاطي معها في ظل مناخ ديمقراطي.

بادئ ذي بدء ينبغي أن تكون المفاهيم محددة وواضحة حتى لا يعتريها اللبس لأن مفهوم الاثنية يؤوّل عندنا بشكل خاطئ ويعادل على نحو تعسفي بمفهوم العرق. فالإثنية لا تعني العرقية إطلاقا بل فإنها ذات دلالة ثقافية أو روحية في حين يستند مفهوم العرقية المقحم إقحاما والمؤسس على عنصر الرابطة الدموية من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا التصنيف العرقي هو اختراع للفكر السياسي الغربي المتمركز أوروبيا ـ أمريكيا.

إنه من الضروري مناقشة كل هذه القضايا المتشعبة ولكن سأكتفي بالنظر في نموذج مفكرين مصريين معروفين وهما الدكتور طه حسين والدكتور سمير أمين اللذان لهما مواقف خاطئة من الإثنيات ومن الهوية مما يتطلب نقدها بقوة لأنها متهافتة سياسيا، وانتقائية وتجزيئية فكريا وغير مؤسسة على الحقيقة التاريخية بكل أبعادها التي أسهمت في تكوين فسيفساء النسيج البشري المختلط دمويا في الأغلب، والمتفاعل ثقافيا في الفضاء المغاربي وفي الفضاء المشرقي بما في ذلك مصر.

تنطلق وجهة نظر الدكتور طه حسين،التي كرسها في كتابه (مستقبل الثقافة المصرية)، من فرضية اعتباطية تصنف العقل المصري بأنه عقل شرقي. وأكثر من ذلك فإن الدكتور طه حسين قد أفصح في هذا الكتاب قائلا بأن هنالك تأثير متبادل بين العقل اليوناني والعقل المصري، كما أبرز أن الأول هو الذي تأثر بالثاني في بدايات التلاقح الحضاري بينهما. في هذا السياق ينبغي التذكير أنَ الدكتور طه حسين ينفي تأثير الكلدانيين على اليونان أيضا وكذلك تأثير فضاءات حضارية أخرى على امتداد حوض المتوسط عليه منها فضاء شمال إفريقيا كما برهن على هذا علميا المفكر مارتن برنال في كتابه القيم “أثينا السوداء”.

من الملفت للنظر هو أن الدكتور طه حسين يحدد مرجعية العقل المصري بالجوار المتوسطي اليوناني وليس بالأصول الإفريقية التي تفاعلت مع المؤثرات التي جاءت من فضاء العربي المشرقي. كما نجده ينفي أن يكون الشرق البعيد (الأقصى) قد لعب دورا في تشكيل هوية العقل المصري. فضلا عما تقدم فإن الدكتور طه حسين يرى أن المسلمين منذ عهد بعيد قد عدلوا عن اتخاذ الوحدة الدينية واللغوية أساسا للملك وقواما للدولة وهذا غير صحيح لأن معظم دساتير ومواثيق الدول الإسلامية تؤكد على الدين كركن عضوي من أركانها.

هنا أريد القول بأن طه حسين يحدد هوية مصر بالماضي التاريخي البعيد فقط في الوقت الذي يغفل فيه عن تأثيرات الثقافية الإفريقية والثقافية العربية ـ الإسلامية وغيرها من الثقافات التي كان لها تماس أو جوار معرفي معها ويطمس دورها المهم في المساهمة الفعلية في تشكيل أجزاء وقسمات هوية مصر. ونتيجة لهذا الموقف الذي ثبته في جزء صغير عزله عن مسارات مختلف مراحل التاريخ نراه قد أصبح المعيار لديه هو هذا الجزء من الماضي البعيد وليس التقاطعات والتحوّلات التاريخية المتشابكة والمتنوعة عبر مسارات التاريخ المركب. من الملاحظ أن موقف طه حسين لم يتهم بتجميد التاريخ والهوية حين نشر كتابه المذكور أعلاه كما لم يصنف في ذلك الوقت ضمن خانة دعاة العرقية أو انعزالية العقل المصري عن محيطه المتاخم له ويعود السبب إلى كون بلداننا حينذاك منخرطة في قضايا وطنية مصيرية تتمثل في الكفاح التحرري ضد الاستعمار الأوروبي.

موقف الدكتور سمير أمين يعادي الوقائع الثقافية ويرفض كل الدعوات المرتكزة على البُعد الإثني، علما أن التفسير الثقافي للتاريخ وللأزمات لا يقلّ أهمية وضرورة  عن التفسير المادي له، كما أن الفصل بينهما يمثل تعسفا معرفيا له تبعات سياسية واجتماعية سلبية جدا.

ومن الواضح أيضا هو أن التسامح الفكري في زمان الدكتور طه حسين كان العملة الرائجة في بلداننا خلافا لما هو الوضع الآن. إنه يبدو أن الدكتور سمير أمين لا يحلل ولا يسمي العوامل التي حوّلت الإثنيات إلى بؤر توتر تهدد الوحدات الوطنية ببلداننا في المرحلة الراهنة بدلا من استثمارها كثراء وتنوع ثقافي وروحي وذلك لأنه لا يربط بروز هذا التهديد بتفكك وانحدار الوازع الوطني الجامع لتنوعاتنا عندنا، وبعدم احترام التنوعات والخصوصيات الثقافية واللغوية في إطار الوحدة المركبة أيضا. من الواضح أن سمير أمين الذي لا يحلل أسباب احتدام الصراع حول قضايا الإثنيات، والمذاهب الدينية، والنزعات الطائفية لا يعترف أن هذه الخصوصيات قد حرَفت عن مسارها الايجابي في مرحلة ما بعد الاستقلال وذلك بتحويلها إلى إيديولوجيات مغلقة وإقصائية من طرف عوامل الديكتاتورية، وعدم الاعتراف بتنوعات وتجاور وتفاعل الهويات الثقافية واللغوية بسلاسة، فضلا عن القمع والانفراد بالثروة من قبل الأقلية المتسلطة على حساب أغلبية المواطنين المهمشين والمقموعين.

وفي الحقيقة فإن الدكتور سمير أمين يحلل في كتابه الذي يحمل عنوان الرأسمالية في عصر العولمةوالصادر في عدة طبعات باللغة الانكليزية مسألة الإثنيات في بلداننا وفي العالم الغربي على أساس نظري متهافت وتعسفي ومنغلق ومتأثر في الجوهر بنظرية الطبقة الماركسية غير المؤهلة أن تقنعنا أن الانتماء إلى طبقة معينة (عمالية أو برجوازية، أو فلاحية) يعني أيضا وحدة الموقف الإثني أو تطابق الانتماء الثقافي ـ اللغوي الموحد والواحد. فالدكتور سمير أمين لا يقدم مسحا إحصائيا علميا لخريطة مواقع وعدد الإثنيات في بلداننا، وفي الفضاءات الأجنبية وخاصة في الدول الأوروبية ـ الغربية، وفي الوقت نفسه فإننا نجده يصدر أحكام قيمة غير مؤسسة على المنطق حيث يعتبر الإثنيات سواء عندنا أو في المجتمعات الغربية قوة طاردة تهدد الوحدة الوطنية.

في هذا السياق، يكتب الدكتور سمير أمين قائلا بأنَ بروز الإثنيات كما هو الحال الآن يعود إلى ضعف الدولة الأمة وإلى أزمة الطبقة الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يرى أن الوعي الطبقي قد استبدل بالتباهي بالعرق وبالاحتماء بالمجموعة الاثنية والدين ونتيجة لذلك فقد أصبحت هذه المجموعة الاثنية حسب رأيه رديفا للعرق ليس إلا، أو اختراعا آخر غير واقعي لخدمة التنظيم الاجتماعي للعالم ما قبل الرأسمالي.

ففي تقديري، فإن فرضيات الدكتور سمير أمين في حاجة ماسة إلى التدقيق والتمحيص لأنها تنطلق من قراءة ذات بعد واحد لحقائق الواقع الاجتماعي والتاريخي لمجتمعاتنا ولواقع المجتمعات الغربية ما بعد الاستعمارية. أولا ينبغي الاعتراف بوجود تعدد الإثنيات سواء في بلداننا، أو في البلدان الغربية الاستعمارية سابقا بحكم التاريخ والجغرافيا والضرورات الاقتصادية والتعليمية وصلات الزواج معا حيث أن إنكار مثل هذه الحقائق لا يفيد شيئا بل إنه سيؤدي إلى طمس الحقائق وإلى خلق المشكلات والأزمات وإلى زعزعة الاستقرار. من الملاحظ أيضا هو أن موقف الدكتور سمير أمين يعادي الوقائع الثقافية ويرفض كل الدعوات المرتكزة على البعد الإثني علما أن التفسير الثقافي للتاريخ وللأزمات لا يقل أهمية وضرورة عن التفسير المادي له كما أن الفصل بينهما يمثل تعسفا معرفيا له تبعات سياسية واجتماعية سلبية جدا.

مقالات ذات صلة